لم تكن مداخلة الصحافي والكاتب رشيد البلغيتي، في لقاء نظمته مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد حول انتخابات 2026 ورهان المشاركة، مجرد تعليق عابر على أزمة العزوف أو دعوة كلاسيكية إلى مراجعة علاقة المواطن بصناديق الاقتراع.
كانت، في عمقها، محاولة لتسمية شيء أكبر من الانتخابات، وأعمق من نسبة المشاركة، وأخطر من ضعف الثقة بين الأحزاب والمجتمع.
كانت محاولة للقول إن المشكل لم يعد فقط في أن المواطنين لا يشاركون، بل في أن المشاركة نفسها، حين تكون مستقلة وحرة وخارجة عن القنوات المطمئنة للسلطة، تتحول إلى شبهة.
حين قال البلغيتي إن “المشاركة السياسية في المغرب هي مادة جنائية غير مكتوبة”، لم يكن يتحدث عن فصل قانوني موجود في مجموعة القانون الجنائي، ولا عن نص صريح يضع المواطن أمام العقاب لمجرد أنه قرر أن يكون فاعلاً في الشأن العام.
كان يستعمل استعارة سياسية قاسية، لكنها كاشفة: هناك فرق بين ما تقوله النصوص وما تنتجه الممارسة.
فالدستور يضمن، على مستوى المبدأ، حرية التعبير والاجتماع والانتماء السياسي والنقابي، ويقر حق التصويت والترشح، لكن السؤال الحقيقي يبدأ عند المسافة الفاصلة بين الحق المكتوب والخوف غير المكتوب.
استعار البلغيتي روح البيت الشعري الذي تغنّت به فيروز، ليقلب المعنى في اتجاه سياسي أكثر مرارة.
أما في قراءة هذا الواقع، فيمكن القول: إنما المواطن سطرٌ كُتب بماء، وإنما المشاركة جرمٌ كُتب بماء.
جرم لا يعلنه القانون، ولا تعترف به المؤسسات، ولا يوقّع عليه المشرّع، لكنه يظهر حين يضع المواطن قدمه في الفضاء العمومي، وحين يرفع مطلباً اجتماعياً بسيطاً، وحين يقول إن المدرسة العمومية لم تعد تكفي، وإن المستشفى العمومي لم يعد يطمئن، وإن الماء والأرض والكرامة والخدمات الأساسية ليست امتيازات تُمنح، بل حقوق يُفترض أن تُضمن.
قوة هذه العبارة لا تأتي من مبالغتها، بل من السياق الذي خرجت منه.
فالاحتجاجات الشبابية التي عرفها المغرب لم تبدأ بخطاب إيديولوجي حول شكل الدولة أو توزيع السلط أو طبيعة النظام السياسي، بل انطلقت أساساً من مطالب اجتماعية واضحة: الصحة، التعليم، العدالة المجالية، وتحسين الخدمات العمومية. ومع ذلك، وجد عدد من الشباب أنفسهم أمام مسارات قضائية ثقيلة، في رسالة سياسية غير مباشرة مفادها أن المشاركة خارج الإيقاع الرسمي قد تكون لها كلفة.
هنا بالضبط يصبح سؤال البلغيتي جارحاً: لماذا يوجد شباب في السجون أو أمام المحاكم؟ هل لأنهم أرادوا إسقاط مؤسسات؟ أم لأنهم اختبروا المعنى الأولي للمشاركة: أن يخرج المواطن من موقع المتفرج إلى موقع صاحب الحق في السؤال؟ لا يتعلق الأمر بتبرئة جماعية ولا بإدانة جماعية، بل بسؤال سياسي أعمق: ما الرسالة التي تصل إلى المجتمع حين تتحول المطالبة بالصحة والتعليم إلى ملف أمني أو قضائي؟ وما الذي يفهمه شاب يرى قاصراً أو طالباً أو ناشطاً أو صحافياً أو مواطناً عادياً يعبر من الشارع إلى المخفر، ومن المخفر إلى المحكمة، فقط لأن لحظة المشاركة خرجت عن الحدود غير المعلنة؟
من هنا، يصبح العزوف الانتخابي نتيجة وليس سبباً، المواطن لا يبتعد عن السياسة فقط لأنه فاقد للثقة في الأحزاب، بل لأنه يرى أن المشاركة الحقيقية لا تبدأ يوم التصويت، بل تبدأ قبله بكثير: في الحي، في الجامعة، في النقابة، في الجمعية، في الشارع، في الإعلام، وفي القدرة على مساءلة القرار العمومي دون أن يتحول السؤال إلى تهمة.
فإذا كانت هذه الأشكال من المشاركة محفوفة بالكلفة، فإن دعوة المواطن إلى التصويت تصبح شبيهة بدعوته إلى دخول غرفة مغلقة بعد أن مُنع من الكلام في الممرات.
الأخطر في مداخلة البلغيتي أنه لم يحصر الأزمة في السلطة وحدها، بل وضع الأحزاب أيضاً أمام مرآة قاسية.
تحدث عن أحزاب لم تعد تفكر، وعن تنظيمات انقطعت عن الديناميات الاجتماعية الجديدة، وعن غياب المنظرين والقضايا الكبرى واللغة السياسية القادرة على مواكبة تحولات المجتمع. فالشباب يتكلمون عن الصحة والتعليم والماء والأرض والفيضانات والزلازل والعدالة المجالية، بينما كثير من الأحزاب ما زالت تتعامل مع الانتخابات باعتبارها عملية تقنية لتدبير المقاعد، لا لحظة لإنتاج معنى سياسي جديد.
بهذا المعنى، لم تعد المشاركة الانتخابية وحدها كافية لقياس الحياة السياسية.
يمكن أن تفتح مكاتب التصويت في موعدها، وأن تطبع اللوائح، وأن تتحرك الحملات، وأن تصدر الخطب، ومع ذلك تبقى السياسة غائبة.
لأن السياسة ليست فقط أن تختار بين لوائح، بل أن تكون قادراً على التأثير في جدول الأعمال العمومي.
السياسة هي أن لا تكون موضوعاً للقرار فقط، بل طرفاً في صناعته.
وحين يُطلب من المواطن أن يصوت فقط، دون أن يشارك في إنتاج السؤال، فإن الانتخابات تتحول من آلية تمثيل إلى واجهة تهدئة.
ولذلك كان لافتاً حديث البلغيتي عن “التوجس”؛ توجس الحضور، وتوجس الغياب، وتوجس الجلوس في فضاء للنقاش، وتوجس الصورة التي قد تلتقطها جهة ما، أو الرسالة التي قد تفهمها سلطة ما. هذه ليست تفاصيل هامشية.
إنها أعراض مرض سياسي اسمه الخوف الناعم، خوف لا يحتاج دائماً إلى المنع المباشر، لأنه يشتغل أحياناً من داخل المواطنين أنفسهم: ماذا سيحدث إن حضرت؟ كيف سيُفهم كلامي؟ هل سيؤثر ذلك على موقعي؟ هل سأدفع الثمن في الانتخابات؟ حين تصل السياسة إلى هذه الدرجة من الحساب، يصبح الصمت مشاركة مفروضة، ويصبح الغياب موقفاً مفهوماً.
أما المثال الذي قدمه البلغيتي حول الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، فهو يفتح زاوية أخرى في النقاش: هل ما زالت الأحزاب فاعلاً مركزياً في صناعة السياسات العمومية، أم تحولت تدريجياً إلى واجهات تنظيمية تمر عبرها اختيارات صيغت سلفاً؟ لا تكمن الإشكالية في وجود برامج تنموية كبرى، ولا في الحاجة الملحة إلى معالجة الفوارق المجالية والاجتماعية، بل في سؤال السياسة داخل هذه الأوراش: من يفكر؟ من يقترح؟ من يراقب؟ من يحاسب؟
إذا أصبحت التنمية تُدار أساساً عبر الولاة والعمال وشركات المساهمة وآليات تقنية فوق زمن الحكومة الواحدة، فماذا يتبقى للحزب غير الواجهة؟ وماذا يتبقى للانتخابات غير إضفاء الشرعية على اختيارات لا يعرف المواطن متى نوقشت، ولا كيف صيغت، ولا من يملك حق تعديلها؟ هنا تصبح عبارة “الدولة المقاولة” أكثر من توصيف ساخر.
إنها تلخص انتقالاً عميقاً من السياسة باعتبارها صراع اختيارات وبرامج ومساءلة، إلى التدبير باعتباره تنفيذ مشاريع ومؤشرات وميزانيات.
وحين تنتصر لغة المقاولة وحدها، يصبح السياسي مزعجاً لأنه يسأل، ويصبح الحزبي غير مرغوب فيه إلا إذا تحول إلى وسيط خدمات، ويصبح المواطن مقبولاً حين يطلب، لا حين يناقش. الدولة حين تقول إنها قادرة على التخطيط والتنفيذ والتتبع عبر أذرعها التقنية، فإنها لا تلغي الأحزاب رسمياً، لكنها قد تفرغها من وظيفتها الفعلية.
لهذا تبدو مداخلة البلغيتي أكبر من لحظة خطابية، إنها تضع انتخابات 2026 أمام سؤال لا يمكن الهروب منه: هل المطلوب رفع نسبة المشاركة فقط، أم إعادة المعنى إلى المشاركة؟ لأن رفع الأرقام ممكن بالدعاية والتحفيز والتعبئة الإدارية والحزبية، لكن إعادة الثقة لا تتم إلا حين يشعر المواطن أن صوته لا يبدأ داخل المعزل الانتخابي وينتهي داخله.
الثقة تبدأ حين لا يخاف الشاب من الاجتماع، ولا تخاف الجمعية من الترافع، ولا يخاف الصحافي من السؤال، ولا يخاف الحزب من التفكير خارج النصوص الجاهزة.
المشاركة ليست ورقة في صندوق، المشاركة هي أن يطمئن المواطن إلى أن الفضاء العمومي ليس فخاً، وأن السؤال ليس تهمة، وأن الاحتجاج السلمي ليس طريقاً مختصراً إلى المحكمة، وأن السياسة ليست امتيازاً محفوظاً لمن يعرفون حدود الكلام المسموح.
وإذا بقيت المشاركة الحرة محاطة بالخوف، فإن كل حديث رسمي عن العزوف سيظل ناقصاً، لأن المواطنين لا يعزفون فقط عن التصويت، بل يعزفون عن المجازفة.
في النهاية، لم يقل البلغيتي إن المشاركة جريمة منصوصاً عليها في القانون.
قال ما هو أخطر: إن جزءاً من الواقع يجعلها تبدو كذلك وبين النص الذي يضمن الحق، والممارسة التي تجعل الحق مكلفاً، توجد الأزمة الحقيقية.
هناك تُكتب المادة الجنائية غير المكتوبة لا بالحبر، حتى لا تُدان. ولا في الجريدة الرسمية، حتى لا تُناقش.
بل بماء الخوف، على جدار السياسة المغربية.
