بقلم: الباز عبدالإله
عاد ملف المساعدة القضائية إلى واجهة النقاش البرلماني، وهذه المرة من بوابة سؤال دقيق لا يتعلق فقط بحق الفئات الهشة في التقاضي، بل بكيفية تدبير الاعتمادات المالية المخصصة باسمها، وبمدى وضوح مسارها من ميزانية الدولة إلى الملفات والمحامين والمستفيدين.
عبد الله بووانو، رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، وجّه سؤالاً كتابياً إلى وزير العدل، وضع فيه نظام المساعدة القضائية تحت مجهر الشفافية، باعتباره آلية قانونية يفترض أن تضمن الولوج الفعلي إلى العدالة، وأن تحول دون تحوّل الكلفة إلى حاجز غير معلن أمام طرق أبواب المحاكم.
فالمساعدة القضائية، كما قدمها بووانو، ليست مجرد إجراء إداري أو امتياز اجتماعي، بل هي أحد المداخل الأساسية لتجسيد مبدأ المساواة أمام القضاء، خصوصاً بالنسبة للفئات غير القادرة على تحمل كلفة الرسوم القضائية وأتعاب الدفاع ومصاريف التقاضي. لذلك فإن أي غموض يطال تدبيرها لا يطرح سؤالاً مالياً فقط، بل يطرح سؤالاً دستورياً ومؤسساتياً حول معنى العدالة حين تصبح مرتبطة بالقدرة على الدفع.
وتزداد حساسية الملف بالنظر إلى أن المشرع حدد، بموجب المرسوم رقم 2.15.801، مبالغ التعويض المستحقة للمحامي المعين في إطار المساعدة القضائية، في 2500 درهم بالنسبة للقضايا المعروضة أمام محكمة النقض، و2000 درهم أمام محاكم الاستئناف، و1500 درهم أمام المحاكم الابتدائية، مع إمكانية مراجعة هذه التسعيرة بقرار مشترك بين وزير العدل ووزير المالية.
غير أن جوهر السؤال لا يقف عند التسعيرة، بل يتجاوزها إلى ما هو أكثر حساسية: كم رُصد فعلاً لهذا الورش؟ كم عدد الملفات التي استفادت من المساعدة القضائية؟ ما طبيعة القضايا المعنية؟ من هم المستفيدون؟ كيف توزعت الاعتمادات جغرافياً؟ وما المبلغ المرصود لكل ملف على حدة؟
هذه الأسئلة، في عمقها، تنقل النقاش من مستوى المبدأ إلى مستوى المحاسبة.
فحين تخصص الدولة أموالاً باسم الفئات الهشة، يصبح من المشروع أن يعرف الرأي العام كيف صُرفت هذه الأموال، وبأي معايير، وتحت أي رقابة، وكيف جرى تدبيرها بين حاجيات المواطن المحتاج إلى الدفاع، ومتطلبات المنظومة المهنية والإدارية المكلفة بتنزيل هذا النظام.
ويستند سؤال بووانو إلى معطيات سبق لوزير العدل أن قدمها بمجلس المستشارين، خلال جلسة الأسئلة الشفوية بتاريخ 8 يونيو 2026، حول وضعية المساعدة القضائية والمحامين.
غير أن تلك المعطيات، بحسب مضمون السؤال الكتابي، لم تكن كافية لإزالة الغموض عن ملف يفترض أن يكون مفتوحاً على الأرقام الدقيقة، لا على العموميات.
الأكثر حساسية في هذا النقاش أن بووانو لم يطلب فقط كشف المبالغ وعدد القضايا والمستفيدين، بل ساءل الوزارة أيضاً عن الإجراءات التي تعتزم اتخاذها لمعالجة الاختلالات المعلنة في عملية توزيع مخصصات المساعدة القضائية بين المحامين.
وهذه النقطة بالذات تمنح الملف بعداً أكبر، لأنها تطرح سؤال العدالة داخل منظومة يفترض أنها وُجدت أصلاً لحماية العدالة.
فإذا كانت المساعدة القضائية أداة لحماية المواطن محدود الدخل من الإقصاء القضائي، فإن غياب الشفافية في توزيع اعتماداتها قد يحولها من ضمانة اجتماعية إلى ملف إداري غامض.
وإذا كان المحامي يتحمل مسؤولية الدفاع في إطار هذا النظام، فمن حقه أيضاً أن يعرف معايير التعيين والتعويض، حتى لا تتحول المساعدة القضائية إلى مجال للتفاوت أو سوء التدبير.
ولا يمكن فصل هذا النقاش عن السياق العام الذي تعيشه العدالة في المغرب، حيث يتزامن سؤال المساعدة القضائية مع جدل واسع حول إصلاح منظومة المحاماة، واستقلالية الدفاع، وضمانات المحاكمة العادلة.
فالعدالة لا تُقاس فقط بسرعة إصدار القوانين، بل بقدرتها على حماية الضعيف حين يقف أمام مؤسسة قضائية لا يستطيع تحمل تكاليفها.
لذلك تبدو مطالبة وزارة العدل بنشر معطيات مفصلة حول المساعدة القضائية مطلباً مؤسساتياً مشروعاً، لا مجرد مناورة سياسية.
فالأمر يتعلق بمال عمومي، وبحق دستوري، وبفئة اجتماعية لا تملك غالباً القدرة على الاحتجاج أو الضغط أو الوصول إلى المعلومة.
ملف المساعدة القضائية يحتاج اليوم إلى أكثر من جواب برلماني عابر. يحتاج إلى كشف واضح للأرقام، وتقييم مستقل لنجاعة النظام، وتحديد دقيق لمكامن الخلل، وربط الدعم العمومي بالهدف الذي أُحدث من أجله: تمكين المواطن غير القادر من حقه في الدفاع والتقاضي.
فالعدالة تفقد جزءاً من معناها حين تعجز الفئات الهشة عن الوصول إليها بسبب الكلفة، والمساعدة القضائية التي لا تُكشف أرقامها ومعاييرها لا يمكن أن تطمئن لا المواطن، ولا المحامي، ولا الرأي العام.
