فتح الدكتور علاء الدين بنهادي، في حلقة من سلسلته “الزمن السياسي” على قناته بموقع يوتوب، نقاشاً سياسياً لافتاً حول العلاقة بين النجاح الذي راكمه المغرب في تدبير قطاع كرة القدم، وبين سؤال تدبير الشأن العام، بما يحمله من تعقيدات مرتبطة بالحكومة والبرلمان والأحزاب والسياسات العمومية.
لم يكن جوهر النقاش منصباً على فوزي لقجع كشخص فقط، بقدر ما كان موجهاً إلى فكرة أوسع: هل يكفي النجاح في قطاع رياضي محكوم بقواعد الانضباط والنتائج والانتقاء، لكي يتحول صاحبه تلقائياً إلى مرشح مضمون النجاح في قيادة العمل الحكومي؟ أم أن السياسة، بما تحمله من توازنات حزبية، وضغط اجتماعي، وحسابات انتخابية، وتعقيدات اقتصادية، تحتاج إلى شروط أخرى لا توفرها التجربة الرياضية وحدها؟
بهذا المعنى، طرح بنهادي سؤالاً حساساً حول حدود إسقاط نجاح تدبير كرة القدم على تدبير الدولة.
فالقطاع الرياضي، رغم أهميته ورمزيته، يبقى مجالاً أكثر قابلية للضبط والقياس المباشر: نتائج، ترتيب، تأهل، إخفاق، تغيير مدرب، أو مراجعة اختيارات.
أما العمل الحكومي، فيتحرك داخل فضاء أعقد، تتداخل فيه مصالح الأحزاب، وانتظارات المواطنين، وضغط المؤسسات، وحسابات المال، وإكراهات الاقتصاد، وحساسية القرار العمومي.
ومن هذه الزاوية، تساءلت المداخلة عما إذا كان الدفع بلقجع نحو واجهة حكومية محتملة قد يتحول إلى مغامرة مزدوجة: خسارة رجل راكم نتائج واضحة في مجال كرة القدم، دون ضمان تحقيق النجاح نفسه داخل مشهد سياسي يصفه صاحب الطرح بأنه مشتت، فاقد للبوصلة، ومفتقر في جزء واسع منه إلى مشاريع وبرامج قادرة على معالجة أزمات الاقتصاد والقدرة الشرائية والثقة.
ولم يكن السؤال موجهاً إلى لقجع وحده، بل إلى الأحزاب والدولة معاً: هل أنهى الرجل فعلاً مهمته في المجال الرياضي، قارياً ودولياً، حتى يتم التفكير في نقله إلى واجهة سياسية أكثر تعقيداً؟ وهل أصبحت الأحزاب المغربية، رغم تعددها، عاجزة عن إنتاج قيادة سياسية مقنعة لتحمل مسؤولية رئاسة الحكومة؟
ويكتسب هذا النقاش حساسيته من كونه يطرح قبل أن يقول الناخبون كلمتهم في صناديق الاقتراع.
لذلك اعتبر صاحب “الزمن السياسي” أن البحث المبكر عن شخصية قيادية، من داخل الأحزاب أو من خارجها، يطرح إشكالاً سياسياً ودستورياً، لأن الأصل في الديمقراطية أن تُحترم لحظة الاختيار الشعبي، لا أن يتم استباقها بتسويق أسماء وسيناريوهات قبل موعد التصويت.
وفي هذا السياق، ربطت المداخلة بين النقاش حول لقجع وبين حصيلة التجربة الحكومية الحالية، متوقفة عند ما سمته تجربة حكومة رجال الأعمال، التي يرى صاحب الطرح أنها لم تنجح في تقديم جواب اجتماعي مقنع على أزمة القدرة الشرائية.
كما توقف عند توقيت إعلان رئيس الحكومة عزيز أخنوش عن إلغاء الساعة الإضافية، متسائلاً عن خلفيات اختيار هذا التوقيت بالذات، بعدما سبق لقيادات حزبية أن طالبت بتعقيل هذا القرار وترشيده وتقديم دراسة جدوى اقتصادية واضحة حول أثره على المغرب والمغاربة.
واعتبرت القراءة أن هذا القرار، في بعده السياسي، سحب ورقة انتخابية من أحزاب كانت تراهن على وعد إلغاء الساعة الإضافية، وتقدمه كأحد قراراتها الأولى في حال عودتها إلى رئاسة الحكومة. كما توقفت عند مبادرات وزارية وحزبية أخرى، من بينها حديث نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال ووزير التجهيز والماء، عن مرصد لتتبع إنجازات وزارته، متسائلة عما إذا كانت مثل هذه المبادرات، في سياق قريب من الاستحقاقات، تنتمي إلى منطق التواصل المؤسساتي أم تقترب من منطق الحملة الانتخابية غير المعلنة.
وفي الاتجاه نفسه، انتقدت المداخلة خرجات رئيس التجمع الوطني للأحرار، عزيز أخنوش، وما اعتبرته جولات سابقة لأوانها، خاصة حين يعد المغاربة، وهو رئيس الحكومة الحالي، بالدفاع عن قدرتهم الشرائية إذا حاز ثقتهم في الاستحقاقات المقبلة.
وهنا يبرز السؤال السياسي المباشر: لماذا تُرحّل وعود الحماية الاجتماعية والقدرة الشرائية إلى ولاية محتملة، بدل تنزيلها خلال الولاية الجارية؟
ولإسناد هذا النقاش حول العلاقة بين الرياضة والسياسة، عاد صاحب الطرح إلى محطة راسخة في الذاكرة الرياضية المغربية، تتعلق بهزيمة المنتخب المغربي أمام الجزائر بخمسة أهداف مقابل هدف واحد سنة 1979، في تصفيات الألعاب الأولمبية.
فقد قدم تلك المباراة باعتبارها لحظة لم تكن رياضية فقط، بل تحولت إلى صدمة وطنية فتحت الباب أمام مراجعة عميقة في تدبير كرة القدم المغربية.
واستحضر في هذا السياق المقولة الشهيرة المنسوبة إلى الملك الراحل الحسن الثاني: “هاد السميات ما يبقاوش يلعبو الكورة”، معتبراً أنها لم تكن مجرد رد فعل غاضب على نتيجة ثقيلة، بل إشارة سياسية ورمزية إلى ضرورة القطع مع التسيب والارتجال وسوء التقدير.
فالمباراة، كما قدمتها المداخلة، جرت في سياق إقليمي مشحون، بالنظر إلى حساسية العلاقة بين المغرب والجزائر، وإلى ارتباط تلك المرحلة بأزمة الصحراء المغربية، ما جعل المواجهة الكروية محملة بأبعاد نفسية ووطنية تتجاوز حدود الملعب.
وبحسب الرواية التي استعادها صاحب “الزمن السياسي”، دخل المنتخب المغربي تلك المباراة تحت ضغط كبير، بعدما تحولت أجواء اللقاء إلى تعبئة وطنية واسعة، من بث الأغاني الحماسية إلى تدخل شخصيات وازنة في تفاصيل التحضير.
غير أن هذا الشحن لم ينتج تعبئة إيجابية داخل الملعب، بل انعكس ارتباكاً نفسياً على اللاعبين، الذين تلقوا أهدافاً مبكرة ثم انهاروا أمام منتخب جزائري عرف كيف يستثمر لحظة الضعف.
ولم تكن نتيجة خمسة أهداف مقابل هدف مجرد خسارة عادية، بل جرحاً رمزياً في صورة المنتخب أمام جمهوره.
وبعد تلك الهزيمة، انطلقت مرحلة مراجعة في تدبير كرة القدم، شملت المسؤولين والاختيارات التقنية واللاعبين، وفتحت الباب أمام إعادة بناء المسار على قاعدة أكثر صرامة وانضباطاً.
ومن هنا يستخلص صاحب المداخلة أن الفشل، عندما يُواجَه بقرار واضح وإرادة إصلاحية، يمكن أن يتحول إلى بداية نهضة.
فهزيمة 1979، رغم قسوتها، تحولت في الذاكرة الرياضية إلى درس حول معنى تمثيل الوطن، وحول ضرورة ربط المسؤولية بالكفاءة والانضباط والنتائج.
وانطلاقاً من هذه المقارنة، انتقل النقاش إلى المغرب الراهن، حيث تبدو المفارقة واضحة بين نجاح قطاعات محصنة نسبياً، وفي مقدمتها كرة القدم، وبين تعثر قطاعات السياسة والإدارة والحزب. ففي الرياضة، حين تتوفر الرؤية، والاستثمار، والتكوين، والاختيار على أساس الكفاءة، يستطيع الرأسمال البشري المغربي أن ينافس عالمياً.
أما في السياسة، فتظل شبكات الولاء، والمال، والزبونية، وضعف التأطير، عوامل تضعف قدرة المؤسسات الحزبية على إنتاج نخبة سياسية مقنعة.
فالنجاح الرياضي المغربي، من بلوغ نصف نهائي كأس العالم إلى الحضور القوي في المنافسات القارية والفئات العمرية، لم يكن في هذا التحليل معجزة مفاجئة، بل نتيجة تراكم، واستثمار، وحكامة، وانتقاء، وتكوين.
ولذلك يصبح السؤال مشروعاً: إذا كان المغرب قادراً على بناء منظومة رياضية تضعه ضمن كبار العالم، فلماذا لا يستطيع بناء منظومة سياسية مماثلة في النزاهة والكفاءة والمحاسبة وسيادة القانون وحماية المال العام؟
وتكمن قوة المقارنة هنا في أن المنتخب لا يستطيع الاستمرار بلا كفاءة.
اللاعب الذي لا يقدم الإضافة يغادر، والمدرب الذي يفشل يحاسب، والنتائج تفرض المراجعة. أما في السياسة، فتبدو قواعد المحاسبة أقل صرامة، حيث يمكن إعادة تدوير الفشل، وترقية عديمي الكفاءة، وتمكين أصحاب المال أو القرب أو الولاء من مواقع القرار، حتى في غياب مشروع واضح أو قدرة حقيقية على الإنصات للمجتمع.
ومن هنا لا تبدو الدعوة موجهة إلى تحويل كرة القدم إلى سياسة، ولا إلى تقديم لقجع باعتباره وصفة جاهزة لرئاسة الحكومة، بل إلى فهم شروط النجاح في القطاع الرياضي ومحاولة نقل جوهرها إلى المجال السياسي والمؤسساتي: الصرامة، الانضباط، التكوين، المحاسبة، والاختيار على أساس الجدارة لا المكافأة.
وفي هذا الإطار، برزت فكرة “أكاديمية محمد السادس للعمل السياسي” كصورة رمزية قوية.
فالمقصود ليس بالضرورة إنشاء مؤسسة مادية جديدة، بل بناء مسار وطني لإعداد النخب السياسية، على غرار ما وقع في كرة القدم، حيث لا يترك إنتاج الكفاءات للصدفة، ولا يخضع لمنطق المال والقرابة والولاء، بل يتم عبر التكوين، والتأطير، والانتقاء، وروح الدولة، وفهم الاقتصاد والمجتمع والمؤسسات.
فالمغرب، وفق هذا التصور، لا يحتاج فقط إلى انتخابات جديدة، بل إلى حياة سياسية جديدة.
يحتاج إلى أحزاب قادرة على إنتاج أفكار وبرامج ونخب، لا إلى هياكل انتخابية موسمية تستيقظ مع اقتراب صناديق الاقتراع. ويحتاج إلى برلمان يمارس الرقابة والتشريع بجدية، لا إلى فضاء للتموقع الشخصي.
كما يحتاج إلى حكومة تفهم أن خدمة المواطن ليست شعاراً انتخابياً، بل مسؤولية دستورية وأخلاقية.
وفي باب الإصلاح، شددت المداخلة على ضرورة الانتقال من خطاب عام حول محاربة الفساد إلى معركة مؤسساتية صارمة ضد الفساد وتضارب المصالح والريع.
ويبدأ ذلك، حسب هذا المنظور، من التنفيذ الفعلي للأحكام القضائية، والتعجيل بمعالجة الملفات التي تكشفها مؤسسات الرقابة، وفي مقدمتها المجلس الأعلى للحسابات، حتى لا تبقى التقارير محصورة في التداول الإعلامي دون أثر سياسي أو قضائي واضح.
كما دعا الطرح إلى تفعيل الفصل 36 من الدستور، خاصة في ما يتعلق بمحاربة تضارب المصالح، واستغلال النفوذ، والرشوة، والريع، وكل أشكال الانحراف في استعمال السلطة والمال العام. ويتطلب ذلك، وفق هذه الرؤية، قانوناً أكثر فعالية للتصريح بالممتلكات، يشمل المسؤولين والمنتخبين وكبار أصحاب القرار، مرفوقاً بآليات تدقيق مستقلة قادرة على رصد الإثراء غير المشروع بدل الاكتفاء بتصاريح شكلية محدودة الأثر.
ولم تغفل المداخلة أهمية حماية المبلغين والشهود والصحفيين الاستقصائيين، باعتبارهم جزءاً أساسياً من أي منظومة جدية لمحاربة الفساد.
فلا يمكن تفكيك شبكات المصالح المغلقة، ولا استعادة ثقة المجتمع في الدولة، إذا ظل من يكشف الفساد معرضاً للضغط أو العزلة أو التشهير أو المتابعة.
كما دعت القراءة إلى تنقية منظومة التعيينات العليا من منطق الولاء والقرب والمكافأة، وربط الولوج إلى مناصب المسؤولية بمعايير الكفاءة والاستحقاق والشفافية، سواء داخل الإدارات العمومية أو المؤسسات أو المقاولات التابعة للدولة.
فالدولة التي تريد أن تنافس عالمياً لا يمكن أن تدبر أهم مواقع القرار بمنطق العلاقات والحسابات الضيقة.
أما المدخل الآخر، فيتمثل في تسريع التحول الرقمي للإدارة، وتبسيط المساطر، وتقليص الاحتكاك المباشر بين المواطن والموظف، باعتبار الرقمنة آلية عملية للحد من الرشوة الصغيرة، والتعسف الإداري، والبيروقراطية اليومية التي تضعف ثقة المواطن في المرفق العمومي.
في الخلاصة، لا يقدم هذا النقاش كرة القدم كبديل عن السياسة، ولا يقدم لقجع كحل سحري لأزمة الحكومة والأحزاب.
بل يضع التجربة الرياضية أمام السياسة كمرآة كاشفة: حين تتوفر الرؤية والصرامة والتكوين والمحاسبة، ينجح المغرب. وحين تغيب هذه العناصر، تتراجع الثقة، وتضعف المؤسسات، ويتسع الفراغ بين المواطن والسياسة.
ولذلك، فالسؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون فقط: هل يمكن أن ينجح لقجع في رئاسة الحكومة؟ بل: لماذا عجزت الأحزاب عن إنتاج قيادة سياسية يثق فيها المواطن؟ ولماذا نحتاج، كل مرة، إلى البحث عن رجل من خارج النسق الحزبي لإنقاذ ما لم تستطع الأحزاب إصلاحه؟ ولماذا نجح المغرب في بناء منتخب يحترمه العالم، بينما لا يزال عاجزاً عن بناء حياة سياسية تحترم ذكاء المواطن وكرامته وانتظاراته؟
بين غضب الحسن الثاني بعد هزيمة 1979، ومشروع محمد السادس الذي وفر لكرة القدم بنية حديثة واستثماراً وتكويناً وأكاديمية ونتائج، يبرز سؤال سياسي بالغ الدلالة: هل يحتاج المغرب اليوم إلى لحظة صرامة مماثلة لإصلاح الأحزاب؟ وهل يحتاج فعلاً إلى “أكاديمية محمد السادس للعمل السياسي” لإعداد نخب خارج منطق المال والصدفة والولاء؟
ذلك هو جوهر الرسالة: المغرب الذي استطاع أن يصنع منتخباً يحترمه العالم، يستطيع أن يصنع سياسة تحترم المواطن.
لكن ذلك لن يتحقق بالوعود الانتخابية، ولا بتدوير الوجوه، ولا بالبحث عن منقذ فردي، بل بإصلاح القواعد التي تنتج المسؤولية، وتمنع الفساد، وتفتح الطريق أمام الكفاءة، وتربط المنصب بالنتيجة، والسلطة بالمحاسبة، والوطنية بخدمة الناس لا باستعمالهم.
