بقلم: الباز عبدالإله
حوّل عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، لقاءه التواصلي بقلعة السراغنة إلى مرافعة سياسية حادة ضد ما اعتبره تداخلاً خطيراً بين السلطة والثروة، واضعاً رئيس الحكومة عزيز أخنوش في قلب نقاش تضارب المصالح، خصوصاً على خلفية صفقة تحلية مياه الدار البيضاء وما رافقها من جدل حول موقع الشركات المرتبطة به داخل مشاريع استراتيجية تمول أو تواكبها الدولة.
ولم يكن خطاب بنكيران مجرد عودة إلى لغة المعارضة التقليدية، بل بدا أقرب إلى محاولة لإعادة تأطير معركة 2026 باعتبارها مواجهة بين السياسة والمال، وبين الدولة كأمانة عمومية، والدولة حين تتحول، حسب تعبيره، إلى مجال مفتوح أمام المصالح الخاصة وشبكات الريع والامتياز.
بنكيران استهل كلمته بالتأكيد على أن العزوف عن السياسة لا يعاقب الفاسدين، بل يمنحهم فرصة إضافية للتحكم في القرار العمومي بعيداً عن الرقابة الشعبية.
وقال إن أخطر ما يمكن أن يقع هو أن يقتنع المواطن بأن السياسة لا تعنيه، لأن هذا الانسحاب يجعل الطريق أكثر سهولة أمام من يملكون المال والنفوذ للوصول إلى البرلمان والحكومة والجماعات الترابية.
واعتبر الأمين العام لحزب العدالة والتنمية أن الذين يدفعون المواطنين إلى فقدان الثقة في السياسة “بغاو يديروكم في جيبهم”، لأن المواطن غير المصوت، في نظره، يصبح خارج معادلة القرار.
ومن هنا دعا إلى استعادة السياسة من داخل صناديق الاقتراع، لا عبر المقاطعة ولا عبر بيع الأصوات، معتبراً أن من يبيع صوته لا يبيع موقفاً عابراً، بل يبيع مستقبل أبنائه وبلاده.
غير أن أقوى لحظات الخطاب جاءت حين انتقل بنكيران من نقد العزوف والمال الانتخابي إلى توجيه اتهامات سياسية مباشرة إلى عزيز أخنوش، قائلاً إنه “يتهمه بأخذ أموال الدولة بغير حق”، وهي عبارة ربطها بملفين أساسيين: المحروقات، وما وصفه بتضارب المصالح في بعض المشاريع الكبرى، وعلى رأسها مشروع تحلية مياه الدار البيضاء.
في هذا السياق، قال بنكيران إن الدار البيضاء تحتاج إلى موارد مائية إضافية، وإن تحلية مياه البحر أصبحت حلاً ضرورياً بفعل توسع المدينة وضغط الطلب على الماء.
غير أن الإشكال، بحسبه، لا يكمن في مبدأ المشروع، بل في الجهة التي تستفيد منه، وفي موقع رئيس الحكومة من المسار المؤسساتي المرتبط بالصفقة والدعم والاستثمار.
وأوضح بنكيران أن شركة مرتبطة برئيس الحكومة دخلت في صفقة كبرى لتحلية المياه، قبل أن يمر الملف عبر لجنة الاستثمار من أجل الاستفادة من دعم مالي ضخم.
واعتبر أن الخطورة لا تتوقف عند حصول الشركة على الصفقة، بل في كون رئيس الحكومة يوجد، حسب تعبيره، في وضعية تجمع بين موقع القرار العمومي وموقع المصلحة الاقتصادية الخاصة.
واستعمل بنكيران تشبيهاً حاداً حين قال إن الأمر يشبه “مدرساً يمنح النقطة لنفسه”، معتبراً أنه لا يمكن أن يكون رئيس الحكومة طرفاً اقتصادياً مستفيداً، وفي الوقت نفسه رئيساً للجنة تنظر في الامتيازات والدعم والاستثمار.
فالمشكل، كما قدمه، لا يتعلق فقط بصفقة تقنية في قطاع الماء، بل بسؤال أعمق: من يراقب القرار حين يلتقي صاحب السلطة بصاحب المصلحة؟
وبحسب بنكيران، فإن تراجع أخنوش عن الاستفادة من الدعم بعد الضجة السياسية والبرلمانية لا يكفي لإنهاء الملف.
فقد طالب بإلغاء القرار بشكل واضح ورسمي، حتى لا يبقى مفتوحاً على إمكانية العودة إليه لاحقاً، معتبراً أن المال العمومي لا يمكن أن يظل رهين قرارات ملتبسة أو مسارات غير مفهومة بالنسبة للرأي العام.
ولم يفصل بنكيران هذا الملف عن سياق أوسع يتعلق بعلاقة المال بالسلطة في المغرب.
فقد قال إن الدولة تجمع أموالها من الضرائب، والثروات الطبيعية، والاقتراض الداخلي والخارجي، وهذه الأموال، في نظره، ليست ملكاً للحكومة، بل أمانة عندها لتصرفها في التعليم والصحة والحماية الاجتماعية والاستثمار المنتج.
ولذلك اعتبر أن أي استعمال غير واضح للمال العام يطرح سؤالاً مباشراً حول المسؤولية والمحاسبة.
وعاد بنكيران إلى ملف المحروقات، مدافعاً عن قرار حكومته رفع الدعم عبر صندوق المقاصة، ومؤكداً أنه اتخذ ذلك القرار لحماية ميزانية الدولة من الانهيار.
لكنه قال في المقابل إن تحرير السوق كان يفترض أن يقود إلى المنافسة وخفض الأسعار، غير أن ما وقع، حسب روايته، هو تواطؤ كبار الفاعلين للحفاظ على أرباح مرتفعة.
وربط بنكيران هذا الملف بقرارات مجلس المنافسة والغرامات التي فرضت على شركات المحروقات، معتبراً أن ذلك يؤكد، سياسياً على الأقل، وجود اختلال في السوق.
لكنه شدد في المقابل على أنه لا يدعو إلى إعادة دعم المحروقات عبر المقاصة، لأن ذلك، في تقديره، سيعيد الضغط على ميزانية الدولة ويفتح الباب من جديد أمام استفادة غير عادلة من المال العمومي.
كما وسع بنكيران هجومه إلى ملف استيراد الأغنام والأبقار وغلاء اللحوم، منتقداً ما اعتبره عجز الحكومة عن تفسير ارتفاع الأسعار، رغم الحديث الرسمي عن وفرة القطيع وانخفاض الكلفة.
وقال إن المغاربة عاشوا واقعاً مخالفاً لما قيل لهم، حيث عجز عدد من الأسر عن شراء أضحية العيد، فيما ظلت أسعار اللحوم في مستويات مرتفعة وغير مسبوقة.
وطالب بنكيران رئيس الحكومة بالخروج إلى المغاربة وشرح أسباب وصول أسعار اللحوم إلى مستويات قياسية، معتبراً أن المشكل لا يكمن فقط في الغلاء، بل في غياب تفسير صادق ومقنع من الحكومة.
وأضاف أن المواطنين يمكن أن يصبروا إذا خاطبتهم الحكومة بوضوح، لكنهم لا يقبلون أن تقدم لهم أرقام لا يجدون أثرها في السوق.
وفي جزء آخر من كلمته، دافع بنكيران عن إصلاح التقاعد الذي أقرته حكومته، معترفاً بأنه كان مؤلماً، خصوصاً رفع سن التقاعد بثلاث سنوات، لكنه قال إن البديل كان أخطر، لأن الصناديق كانت مهددة بعدم القدرة على أداء معاشات مئات الآلاف من المتقاعدين.
واعتبر أن الإصلاح، رغم كلفته الشعبية، أنقذ الدولة من أزمة اجتماعية ومالية أكبر.
وانتقد في المقابل الحكومة الحالية بسبب تأجيل إصلاح التقاعد، متهماً إياها بترحيل الملفات الصعبة إلى المستقبل وعدم امتلاك القدرة السياسية على استكمال الإصلاحات الضرورية.
وقال إن الحكم ليس توزيعاً للورود، بل اتخاذ قرارات صعبة حين تكون مصلحة الدولة والمجتمع على المحك.
ولم يخل خطاب بنكيران من استحضار المؤسسة الملكية، إذ اعتبر أن الملكية تقوم بدور تحكيمي أساسي يمنع الطغيان، سواء كان طغيان الأحزاب على المواطنين، أو طغيان الأغنياء على الفقراء، أو طغيان المؤسسات على المجتمع.
كما استحضر مرحلة الربيع العربي، قائلاً إن المغرب عرف سخونة سياسية كبيرة لكنه لم يحترق، مرجعاً ذلك، بعد الله، إلى دور الملك ثم إلى القوى التي اختارت الإصلاح داخل الاستقرار.
غير أن الرسالة المركزية في خطاب قلعة السراغنة ظلت مرتبطة بسؤال المال والسياسة.
فقد قدم بنكيران معركة المرحلة المقبلة باعتبارها مواجهة بين المواطن المصوت والمواطن الغائب، بين من يعتبر الدولة أمانة ومن يتعامل معها كطريق نحو الامتياز، وبين من يدخل السياسة لإصلاح القرار العمومي ومن يدخلها لاسترجاع ما أنفقه في الانتخابات.
وقال بنكيران إن من أعجبته الحكومة الحالية فليصوت عليها، ومن لم تعجبه فعليه أن يعبر عن موقفه بصندوق الاقتراع، لا بالمقاطعة ولا ببيع الصوت.
واعتبر أن بيع الأصوات جريمة سياسية وأخلاقية، لأنها تمنح الحكم لمن اشترى الطريق إليه، ثم ينتظر منه المواطن بعد ذلك أن يحكم لصالحه.
بهذا الخطاب، أعاد بنكيران فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في الحياة السياسية المغربية: حدود الفصل بين السلطة والثروة. فحين يشبه رئيس حكومة سابق وضعية رئيس الحكومة الحالي بمدرس يمنح النقطة لنفسه، فإن الأمر يتجاوز السجال الحزبي العابر، ويدخل في صميم سؤال الحكامة: كيف يمكن ضمان نزاهة القرار العمومي حين يكون صاحب القرار طرفاً مباشراً أو غير مباشر في المصالح الاقتصادية التي تستفيد من ذلك القرار؟
كلمة قلعة السراغنة قد تثير ردوداً قوية من خصوم بنكيران، وقد يعتبرها البعض جزءاً من تعبئة انتخابية مبكرة، لكنها في كل الأحوال وضعت أخنوش أمام سؤال سياسي ثقيل: هل يكفي نفي الشبهات، أم أن موقع رئاسة الحكومة يفرض مستوى أعلى من الوضوح، والمسافة، والشفافية، كلما تعلق الأمر بصفقات استراتيجية وتمويلات عمومية وقطاعات حيوية مثل الماء والطاقة والغذاء؟
