بقلم: الباز عبدالإله
كشفت مصادر إعلامية أن الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، اختار خلال مناقشة مشروع قانون التصفية بلجنة المالية والتخطيط بمجلس المستشارين، أن يضع يده على واحد من أكثر أعصاب السياسات العمومية حساسية: الأرقام الاجتماعية، وكيف تتحول من أداة للتشخيص والمحاسبة إلى موضوع للصراع السياسي.
تصريح لقجع لم يكن عادياً، لأنه لم ينكر وجود الاختلالات، ولم يقدم صورة وردية عن الواقع الاجتماعي، بل أقر بوجود نواقص واضحة، خاصة في قطاعات حيوية مثل الصحة، معتبراً أن أي إصلاح جدي لا يمكن أن يبدأ إلا من تشخيص موضوعي وشجاع يعترف بالخصاص قبل البحث عن الحلول.
غير أن قوة هذا الخطاب تكمن أيضاً في مفارقته. فالوزير حذر من “تسييس الأرقام”، معتبراً أن توظيف المعطيات حسب الزوايا السياسية يعيق الوصول إلى حلول عملية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: متى يصبح النقاش حول الأرقام تسييساً سلبياً؟ ومتى يكون ممارسة طبيعية للمحاسبة الديمقراطية؟
الأرقام، حين تتعلق بالصحة والتعليم والفوارق الاجتماعية والاستثمار العمومي، ليست مجرد جداول تقنية داخل وثائق مالية، بل هي مرآة لحياة المواطنين اليومية. هي عدد الأسر التي تنتظر خدمة، وعدد المرضى الذين يبحثون عن موعد، وعدد القرى التي ما زالت خارج الإنصاف، وعدد المواطنين الذين يسمعون عن الإصلاح ولا يلمسون أثره في الواقع.
لهذا، لا يمكن عزل الأرقام عن السياسة، لأن السياسات العمومية نفسها تُبنى بالمال العام، وتُقاس بنتائجها، وتُحاسب من خلالها الحكومة أمام البرلمان والرأي العام. الخطر ليس في تسييس الأرقام، بل في تحويل التحذير من التسييس إلى وسيلة لتخفيف الضغط عن سؤال المحاسبة.
لقجع بدا وكأنه يقدم “فيتامينات” خطابية للحكومة: لا إنكار كامل للأزمة، ولا جلد كامل للتجربة، بل دعوة إلى قراءة وسطية تعترف بما تحقق وتقر بما تعثر. وهذه المقاربة قد تبدو عقلانية من حيث الشكل، لكنها لا تلغي جوهر السؤال: لماذا لم تنعكس المجهودات الاجتماعية والاستثمارات الكبرى بالقدر الكافي على حياة المواطن؟
فحين يتحدث الوزير عن برنامج استثمار عمومي بقيمة 210 مليارات درهم، فإن الرقم في حد ذاته لا يكفي لإقناع المواطن. الأهم هو أين ستذهب هذه الأموال؟ وكيف ستتوزع بين الجهات؟ ومن سيراقب أثرها؟ وهل ستتحول إلى مستشفيات فعالة ومدارس منصفة وخدمات قريبة، أم ستبقى رقماً ضخماً داخل الخطاب الحكومي؟
الأمر نفسه ينطبق على قطاع الصحة. فالاعتراف بوجود نواقص داخل المنظومة الصحية مهم، لكنه لا يكفي. لأن المواطن لا يطلب فقط اعترافاً سياسياً بالخصاص، بل ينتظر جواباً عملياً عن الاكتظاظ، ونقص الموارد البشرية، وضعف جودة الاستقبال، وطول مواعيد العلاج، واتساع الفجوة بين القطاعين العام والخاص.
أما الحديث عن التغطية الصحية الإجبارية، فهو ورش اجتماعي كبير لا يمكن إنكار أهميته، غير أن التغطية لا تصبح ذات معنى كامل إلا حين يجد المواطن خدمة صحية فعلية في الوقت المناسب. فالحق في العلاج لا يبدأ من بطاقة الانخراط، بل من باب مستشفى قادر على استقبال المريض بكرامة.
تصريحات لقجع تحمل، من جهة، اعترافاً رسمياً بأن الاختلالات موجودة وليست مجرد انطباعات أو مزايدات. لكنها تفتح، من جهة أخرى، نقاشاً أكبر حول علاقة الحكومة بالأرقام. هل تريد السلطة التنفيذية أرقاماً هادئة تشرح ولا تحرج؟ أم تقبل بأرقام تتحول إلى أسئلة سياسية صعبة داخل البرلمان والإعلام والمجتمع؟
الديمقراطية لا تخاف من الأرقام، بل تحتاج إليها. والحكومة التي تؤكد أنها أنجزت إصلاحات كبرى مطالبة بأن تقبل، بالقدر نفسه، أن تُسائل عن أثر هذه الإصلاحات، وعن المستفيدين منها، وعن المناطق التي لم يصلها الإنصاف بعد.
لذلك، فإن “فيتامينات” لقجع قد تمنح الخطاب الحكومي بعض التوازن، لكنها لا تعالج وحدها تعب السياسات الاجتماعية. فالاعتراف بالخصاص خطوة أولى، والتحذير من الشعبوية مفهوم، غير أن الطريق الحقيقي نحو الإصلاح يمر عبر شيء أوضح وأقوى: أرقام شفافة، أثر ملموس، وربط صارم بين المال العمومي والنتائج.
أما أن يُطلب من المواطن أن ينتظر ثمار الإصلاح، بينما يعيش يومياً اختلالات الصحة والتعليم والخدمات الأساسية، فذلك هو الامتحان الحقيقي لكل خطاب حكومي يتحدث عن الموضوعية. لأن الموضوعية لا تعني تهدئة النقاش، بل تعني قول الحقيقة كاملة: ما تحقق، وما تعثر، ومن يتحمل مسؤولية الفارق بين الوعود والواقع.
