تجد مراكش، بما تمثله من قيمة سياحية واقتصادية ورمزية، نفسها أمام وضع بيئي وصحي مقلق، بعد تراكم النفايات المنزلية في عدد من الأحياء والشوارع والساحات العمومية، في مشهد لا ينسجم مع مكانة المدينة، ولا مع حق ساكنتها في خدمات حضرية منتظمة وآمنة.
لم يعد الأمر يتعلق بمجرد حاويات ممتلئة أو تأخر ظرفي في جمع الأزبال، بل بأزمة تمس مرفقاً حيوياً يرتبط مباشرة بالصحة العامة، وبجودة العيش، وبصورة مدينة تُعد من أبرز الواجهات السياحية للمملكة.
وبحسب ما أورده موقع “لكم”، نقلاً عن بيان للجمعية المغربية لحقوق الإنسان، فرع المنارة مراكش، فإن عدداً من مناطق المدينة تعرف تراكماً واسعاً للنفايات المنزلية، من بينها ساحة جامع الفنا، والداوديات، وسيدي يوسف بن علي، ومقاطعة المنارة، وأحياء المسيرة، والمحاميد، ودوار إزكي، ودوار العسكر، والضحى.
وتزداد خطورة الوضع مع موجة الحرارة المرتفعة، وما يرافق تراكم النفايات من روائح كريهة، وانتشار للحشرات والقوارض، بما يحول الأزمة من خلل في خدمة النظافة إلى مصدر محتمل لتهديد الصحة العامة، خصوصاً داخل الأحياء الشعبية والمناطق ذات الهشاشة المجالية.
واعتبرت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان أن هذا الوضع يمس بالحق في الصحة، والحق في بيئة سليمة، والسكن اللائق، كما يشكل إساءة لصورة المدينة وكرامة سكانها، منتقدة غياب التواصل الرسمي مع الساكنة بشأن أسباب الأزمة والإجراءات المتخذة لمعالجتها.
غير أن البعد الأكثر حساسية في هذا الملف يرتبط بكلفة تدبير قطاع النظافة وبمدى احترام الالتزامات التعاقدية.
فمجلس جماعة مراكش كان قد صادق على عقد التدبير المفوض لقطاع النظافة خلال الفترة الممتدة من 2021 إلى 2027، بكلفة سنوية تقارب 255 مليون درهم، موزعة بين شركتي “ARMA” و“MECOMAR”، مقابل وعود بتطوير خدمات جمع النفايات، واعتماد حاويات جديدة، وتقنيات للمراقبة الرقمية، والجمع الليلي، والفرز القبلي للنفايات.
أمام هذا الواقع، يصبح السؤال مشروعاً حول مدى تنزيل هذه الالتزامات على الأرض، وحول فعالية آليات المراقبة والتتبع، ومدى احترام الشركات المفوض لها لمضامين دفاتر التحملات.
فالمال العمومي لا تُقاس قيمته بما يُعلن في العقود فقط، بل بما ينعكس فعلياً على جودة الخدمة التي يلمسها المواطن في شارعه وحيه ومحيطه اليومي.
وإذا كانت كلفة النظافة بمراكش تناهز 255 مليون درهم سنوياً، فإن الحد الأدنى المنتظر هو ضمان خدمة منتظمة، عادلة وفعالة، تمنع تحول الأحياء والساحات والأسواق ومحيط المؤسسات إلى نقط سوداء مفتوحة على الخطر الصحي والبيئي.
كما أن غياب معطيات رسمية واضحة حول أسباب تراكم النفايات يزيد من حجم الالتباس، ويفتح الباب أمام أسئلة مقلقة: هل يتعلق الأمر بتعثر في تنفيذ التزامات الشركات؟ أم بضعف في المراقبة؟ أم باختلال في توزيع الموارد بين المقاطعات؟ أم بفشل في تنزيل الوعود المرتبطة بالتجهيزات الجديدة والتتبع الرقمي والجمع الليلي؟
في مثل هذه الأزمات، لا يكفي رفع النفايات بعد اتساع دائرة الغضب، بل يصبح ضرورياً تقديم أجوبة واضحة للرأي العام المحلي، وتحديد المسؤوليات، وتقييم نجاعة نموذج التدبير المفوض نفسه.
وطالبت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بتدخل عاجل وفوري لرفع النفايات المتراكمة، ومعالجة جميع النقط السوداء بمحيط الأحياء السكنية، والأسواق، والمؤسسات التعليمية، والفضاءات العامة، كما دعت إلى فتح تحقيق إداري وتقني ومالي مستقل وشفاف لتحديد الأسباب الحقيقية لهذا الانهيار الخدمي.
كما شددت على ضرورة الكشف عن مدى احترام الشركات المفوض لها لدفاتر التحملات منذ سنة 2021، وترتيب المسؤوليات القانونية والمحاسباتية اللازمة، مع مراجعة شاملة لآليات تدبير قطاع النظافة بما يضمن الشفافية والعدالة المجالية بين مختلف المقاطعات.
أزمة النفايات بمراكش لا تطرح سؤال النظافة فقط، بل تطرح سؤال الحكامة.
من يراقب تنفيذ العقد؟
من يقيس جودة الخدمة؟
من يربط الأداء المالي بالنتيجة الميدانية؟
ومن يضمن ألا تتحول الأحياء الشعبية والهامشية إلى الحلقة الأضعف في منظومة حضرية يفترض أن تقوم على الإنصاف والفعالية والمحاسبة؟
مراكش لا تحتاج إلى معالجة ظرفية ترفع النفايات من الشوارع وتترك الأسئلة معلقة.
تحتاج إلى افتحاص واضح، وتواصل مؤسساتي مسؤول، ومحاسبة دقيقة، وخدمة نظافة تليق بمدينة كبرى وبساكنة لها حق دستوري في الصحة والبيئة السليمة والكرامة.
أما أن تُصرف ملايين الدراهم سنوياً لتدبير النظافة، ثم يجد المواطن نفسه محاصراً بالأزبال والروائح، فذلك هو السؤال الذي يجب ألا يُدفن تحت أكوام النفايات.
إنه سؤال يذهب أبعد من النظافة، نحو جوهر الحكامة: من يراقب؟ من يحاسب؟ ومن يضمن أن المال العمومي لا يبقى رقماً في العقود، بينما تتحول الوعود إلى روائح في الشوارع؟
