بقلم: الباز عبدالإله
أعاد وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، خلال التصويت على مشروع قانون مهنة المحاماة في قراءة ثانية داخل لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس المستشارين، اليوم الثلاثاء، الدفاع عن المقتضيات المتعلقة بإخضاع أموال الودائع لرقابة المجلس الأعلى للحسابات، مؤكداً أن الأمر لا يتعلق بأموال المحامين أو هيئاتهم المهنية، بل بودائع تعود إلى المتقاضين، وتتحمل الدولة مسؤولية حمايتها وضمان سلامة تدبيرها.
وأوضح وهبي، في سياق تفاعله مع الجدل الذي رافق هذه المقتضيات، أن صندوق الودائع استقبل خلال سنة 2025 وحدها ما يقارب 7,656 مليارات درهم، فيما بلغ حجم الودائع إلى غاية شهر يوليوز من السنة الجارية حوالي 4,57 مليارات درهم، معتبراً أن ضخامة هذه المبالغ، المتداولة منذ سنة 2009، تفرض وضع آليات واضحة للمراقبة والتتبع والافتحاص.
وشدد وزير العدل على أن هذه الأموال “ليست ملكاً للنقباء ولا لهيئات المحامين”، بل تعود إلى المواطنين والأطراف المتقاضين، مبرزاً أن مسؤوليته، بصفته عضواً في الحكومة ومشرفاً على قطاع العدل، تفرض حماية هذه الودائع، لأن الدولة قد تجد نفسها، في نهاية المطاف، مطالبة بتحمل تبعات أي اختلال أو ضياع قد يطالها.
هذا الطرح، وإن بدا منسجماً مع مطلب الشفافية وحماية أموال المتقاضين، يفتح نقاشاً أوسع من الجانب المالي الصرف.
فالقضية لا تتعلق فقط بحجم الأموال، ولا بمصدرها، ولا بطريقة استثمار فوائدها، بل ترتبط أيضاً بطبيعة العلاقة بين الدولة ومهنة المحاماة، وبالحدود الدقيقة التي تفصل بين الرقابة المشروعة والوصاية المحتملة على مرفق الدفاع.
لا يمكن، من حيث المبدأ، الاعتراض على مراقبة الأموال المرتبطة بمساطر العدالة، ولا على إخضاعها لقواعد الحكامة والتتبع.
فكل مبلغ يضعه مواطن أو مقاولة أو طرف في نزاع قضائي داخل مسار مؤسساتي، يجب أن يكون محمياً بضمانات قانونية ومالية واضحة، بما يمنع الغموض أو سوء التدبير أو ضياع الحقوق.
غير أن قوة الحجة التي يقدمها وزير العدل لا تعفي الحكومة من سؤال التناسق في مقاربة الرقابة.
فإذا كان معيار التدخل هو حماية أموال المواطنين، فإن هذا المعيار ينبغي أن يتحول إلى قاعدة عامة تشمل كل الأموال التي تخرج باسم المواطن أو لفائدته، لا أن يحضر بقوة في ملف معين، ويخفت في ملفات أخرى لا تقل حساسية من حيث الكلفة والأثر والارتباط بالمال العام.
من هنا يتجاوز النقاش حدود صندوق الودائع. فهناك برامج دعم وامتيازات اقتصادية وتحفيزات عمومية تستحق القدر ذاته من الوضوح والمساءلة.
ويكفي التوقف عند ملف دعم مستوردي الأغنام، الذي أثار جدلاً واسعاً، لطرح أسئلة مشروعة حول هوية المستفيدين، وحجم المبالغ أو الامتيازات الممنوحة، ومدى انعكاسها الفعلي على أسعار اللحوم في السوق، وما إذا كان أثرها قد وصل فعلاً إلى المواطن الذي قُدم الدعم باسمه.
هذه الأسئلة لا تروم تحويل النقاش عن أموال الودائع، بل تسعى إلى اختبار مبدأ الرقابة نفسه.
فإذا كانت الدولة تعتبر أن حماية أموال المتقاضين تقتضي تدخل المجلس الأعلى للحسابات، فإن حماية المال العام الموجه للدعم والاستيراد والبرامج الاجتماعية تقتضي، بدورها، افتحاصاً واضحاً، ونشر معطيات دقيقة، وتقييماً موضوعياً للأثر.
فالمال العام لا يفقد طبيعته بمجرد انتقاله إلى صيغة دعم أو تحفيز أو امتياز.
وفي المقابل، لا ينبغي اختزال تحفظات المحامين في رفض المحاسبة أو التوجس من الشفافية.
فالمحاماة ليست مهنة عادية داخل منظومة العدالة، بل تشكل إحدى ضمانات المحاكمة العادلة، وأحد مداخل حماية المواطن في مواجهة الشطط أو سوء استعمال السلطة.
لذلك فإن أي إصلاح يمس بنيتها المالية أو التنظيمية يجب أن يتم ضمن ضمانات مؤسساتية دقيقة، حتى لا تتحول الرقابة من آلية لحماية المتقاضي إلى مدخل لإضعاف استقلالية الدفاع.
المطلوب، إذن، ليس ترك أموال الودائع خارج المراقبة، ولا تحويل استقلال المحاماة إلى استثناء من قواعد الحكامة.
المطلوب هو إرساء آلية رقابية واضحة، متوازنة، ومحصنة قانونياً، تحفظ أموال المتقاضين من جهة، وتصون استقلالية المحاماة من جهة ثانية.
فالشفافية لا تكتمل إلا حين ترافقها ضمانات، والمراقبة لا تكتسب مشروعيتها إلا حين تطبق وفق المنطق نفسه على مختلف مسارات المال العام.
الأرقام التي قدمها وزير العدل بشأن حجم الودائع تفرض نقاشاً جدياً، لكنها لا تكفي وحدها لحسم طبيعة المعالجة.
فكلما كبرت المبالغ، كبرت الحاجة إلى قواعد دقيقة ومؤسساتية، لا إلى مقاربة قد تثير تخوفاً مشروعاً داخل جسم مهني يعتبر استقلاله امتداداً لاستقلال العدالة نفسها.
كما أن استدعاء المجلس الأعلى للحسابات في هذا الملف لا ينبغي أن يبقى معزولاً عن ملفات أخرى ظل الرأي العام يطالب بتوضيح مساراتها وكلفتها ونتائجها.
إن الدولة، حين ترفع شعار حماية أموال الناس، تصبح مطالبة بتطبيق هذا الشعار على الجميع وبالصرامة ذاتها.
أموال المتقاضين تستحق الحماية، وأموال دافعي الضرائب تستحق الحماية نفسها.
وودائع العدالة يجب أن تخضع للتتبع، كما أن دعم الاستيراد، والبرامج الاجتماعية، والامتيازات العمومية، والصفقات الكبرى، يجب أن تخضع بدورها للافتحاص والتقييم ونشر النتائج.
بهذا المعنى، لا ينبغي أن يتحول النقاش إلى مواجهة بين وزير العدل والمحامين، ولا إلى تبادل اتهامات حول من يريد الشفافية ومن يرفضها. جوهر القضية أعمق من ذلك.
إنه يتعلق بنوعية الرقابة التي يراد ترسيخها: رقابة مؤسساتية عامة، منصفة، ومبنية على قواعد واضحة، أم رقابة انتقائية قد تخلق انطباعاً بأن الشفافية تستحضر بقوة حين تقترب من ملفات معينة، وتتراجع حين تصل إلى ملفات أكثر حساسية.
المغرب يحتاج إلى إصلاح يطمئن المتقاضين دون أن يقلق المحامين، وإلى شفافية تحمي المال دون أن تضعف الدفاع، وإلى مراقبة لا تختار مجالاتها وفق ميزان الظرفية السياسية.
فإذا كان الهدف هو حماية أموال المواطنين، فليكن ذلك مبدأ شاملاً: من صندوق الودائع إلى دعم مستوردي الأغنام، ومن البرامج الاجتماعية إلى الصفقات والامتيازات.
حينها فقط ستتحول الرقابة من موضوع خلاف إلى قاعدة ثقة، وسيصبح النقاش حول أموال الودائع جزءاً من ورش أوسع لحماية المال العام، لا مجرد محطة جديدة في توتر قديم بين الدولة وأصحاب البذلة السوداء.
