فصل الإعلامي والمنشط الرياضي سعيد زدوق بين الإنجاز الذي حققه المنتخب الوطني المغربي ببلوغه ربع نهائي كأس العالم 2026، وبين الأداء الباهت الذي قدمه أمام المنتخب الفرنسي، مؤكداً أن الوصول إلى دور الثمانية يظل نتيجة إيجابية للكرة المغربية، لكنه لا ينبغي أن يحجب الأسئلة الفنية والتكتيكية التي فجرتها مباراة الإقصاء.
ولخص زدوق، خلال اللقاء التحليلي الذي بثته إذاعة «راديو بلوس» عقب خسارة المنتخب المغربي أمام فرنسا بهدفين دون مقابل، قراءته العامة للمواجهة بعبارة مباشرة: «ما لعبناش المقابلة».
ودعا إلى الفصل بين قيمة المشوار الذي قاد المنتخب إلى ربع النهائي، وبين المردود الذي قدمه في المباراة الحاسمة، قائلاً: «خصنا نحطو ربع النهائي في جهة، والمردود ديال الفريق في ربع النهائي في جهة أخرى».
وبحسب زدوق، فإن بلوغ دور الثمانية يظل إنجازاً يمنح المنتخب والجمهور المغربيين الحق في الاعتزاز والطموح، غير أن هذا الإنجاز لا يلغي ضرورة مساءلة الصورة التي ظهر بها الفريق الوطني أمام فرنسا.
وتحدث الإعلامي الرياضي عن وجود «لغز» يحتاج إلى تفسير فني واضح، بعدما ظهر معظم اللاعبين في حالة ارتباك، وفشلوا في الاحتفاظ بالكرة أو تقديم الحلول لبعضهم داخل الملعب.
وقال: «خاصنا نلقاو شنو هو اللغز اللي خلا كلشي اللاعبين يضيعو الكرة، كلشي واقف، واللي عندو الكرة ما كيلقاش الحلول».
ولم يكن الإشكال، وفق قراءته، مرتبطاً فقط بضياع الكرات، بل بغياب التحرك من دون كرة، وانعدام الخيارات أمام حاملها، في وقت بدا فيه اللاعبون متباعدين وعاجزين عن بناء عمليات جماعية منتظمة.
وأضاف أن الصورة التي قدمها المنتخب أمام فرنسا اختلفت بشكل كبير عما ظهر به خلال مبارياته السابقة، متسائلاً عن حقيقة مستوى الفريق: هل هي اللمحات الإيجابية التي قدمها بشكل متقطع أمام البرازيل واسكتلندا وهايتي وهولندا وكندا، أم الوجه الباهت الذي ظهر به في ربع النهائي؟
وتوقف زدوق عند الحالة البدنية للاعبين، قائلاً إنهم ظهروا وكأن «ركابيهم تقال»، في تعبير يعكس غياب الخفة والحيوية والسرعة المطلوبة في التحولات والالتحامات الثنائية.
وقال في هذا السياق: «اللاعبين بحال إلا كانو تقال… تقال الركابي ديالهم.
ما كانش داك الخفة وداك الحيوية في العمليات الثنائية».
وتساءل عما إذا كان ذلك ناتجاً عن الخوف من حجم المباراة، أو عن ثقل الضغط النفسي، أو عن الطريقة التي جرى بها تدبير المواجهة، مستبعداً أن يكون الإرهاق وحده تفسيراً كافياً، بالنظر إلى المدة التي توفرت للمنتخب من أجل استرجاع جاهزيته البدنية.
وأشار إلى أن لاعبين عُرفوا بقيمتهم الفنية وقدرتهم على التحكم في الكرة ظهروا مرتبكين، وأضاعوا كرات في وضعيات غير معتادة، قائلاً إن اللاعب المغربي كان يتوصل أحياناً بالكرة ولا ينتبه إلى المنافس القادم من الخلف، أو يحاول المراوغة في منطقة خطرة قبل أن يفقدها.
وقال: «واحد الوقت العيناوي أو بوعدي عاد باغي يراوغ، مشات ليه الكرة»، معتبراً أن حالة الارتباك شملت وسط الميدان وأثرت في قدرة المنتخب على إخراج الكرة والانتقال إلى الهجوم.
كما سجل أن اللاعبين بدوا ثقيلين في تحركاتهم، ولم يتمكنوا من إظهار السرعة أو الحدة الضروريتين لمجاراة المنتخب الفرنسي، رغم أن الفارق بين العرض المنتظر وما قدم فعلياً كان، بحسب تعبيره، كبيراً للغاية.
وانتقد زدوق غياب رد الفعل المغربي بعد استقبال الهدف الأول، مشيراً إلى أن المنتخب الفرنسي واصل الاستحواذ على الكرة حتى بعد تقدمه، في وقت كان يفترض أن يرفع المنتخب الوطني من ضغطه ويغامر من أجل العودة في النتيجة.
وقال: «ملي تكون خاسر وما تسيطرش على المقابلة، ما عندكش الجهد. تسجل علينا الهدف وبقات الكرة عند فرنسا، وتسجل الهدف الثاني وبقات الكرة عند فرنسا».
ولفت إلى أن أول تسديدة مغربية حقيقية تأخرت إلى حدود الدقيقة 81 تقريباً، معتبراً أن هذا المعطى يكشف حجم الغياب الهجومي والعجز عن بناء فرص منظمة طوال الجزء الأكبر من المباراة.
وأوضح أن منتخباً يطمح إلى بلوغ أبعد نقطة في كأس العالم لا يمكنه الاكتفاء بعدد محدود من المحاولات المتأخرة، خصوصاً أن أغلبها لم يكن نتيجة بناء هجومي واضح أو عمل جماعي متكامل.
وأكد زدوق أن الحارس ياسين بونو كان أفضل لاعب مغربي في المواجهة، بعدما حالت تدخلاته، خصوصاً خلال الشوط الأول، دون اتساع الفارق.
وقال إن المنتخب الفرنسي صنع فرصاً كان من الممكن أن تتحول إلى أهداف إضافية، معتبراً أن تألق بونو يعكس، في المقابل، حجم الصعوبات التي واجهها الفريق الوطني.
وأضاف: «إلى كان أحسن لاعب عندك هو بونو، فالقراءة ديال هاد المقابلة أسهل ما يكون»، مؤكداً أنه لم يجد في أداء باقي الخطوط ما يكفي لبناء قراءة إيجابية للمواجهة.
وتوقف زدوق عند التغييرات التي عرفتها تشكيلة المنتخب، خصوصاً توظيف نصير مزراوي في محور الدفاع، معتبراً أن هذا الاختيار حرم الفريق من إسهاماته المعتادة في الجهة اليسرى.
وأوضح أن مزراوي لم يكن غائباً عن المباراة بالمعنى الفردي، لكنه ظل منشغلاً بتأمين العمق الدفاعي، وهو ما حد من قدرته على التقدم ومساندة الهجوم.
وقال: «المزراوي تحشر في وسط الدفاع، وبالتالي ما يمكنش كل ساعة يطلع»، مضيفاً أن المنتخب خسر بذلك لاعباً يتمتع بوزن فني أكبر عندما يشغل الجهة اليسرى.
كما وجه انتقاداً واضحاً إلى دخول المنتخب من دون قلب هجوم صريح، معتبراً أن هذا الاختيار منح مدافعي فرنسا راحة كبيرة، وجعلهم يخرجون بالكرة ويتقدمون دون ضغط حقيقي.
وقال زدوق: «إلا لعبتي بدون قلب هجوم مع فريق هو اللي مسيطر عليك، بحال إلا كتقول ليه: ها أنت، فوز عليّ كيف ما بغيتي».
وأشار إلى أن ويليام صاليبا ودايو أوباميكانو لم يجدا أمامهما مهاجماً يزعجهما أو يفرض عليهما التراجع، بل تمكنا من الاحتفاظ بالكرة والمشاركة في بنائها من الخلف بأريحية واضحة.
وأضاف أن الدفاع الفرنسي ظل في راحة تامة تقريباً، بعدما عجز المنتخب المغربي عن ممارسة الضغط على حامل الكرة أو إجبار لاعبي فرنسا على ارتكاب الأخطاء.
وخلال النقاش، طرح المهدي أمزيك فرضية أن تكون المواجهة مناسبة لمهاجم من طينة أيوب الكعبي، بالنظر إلى تحركاته وقدرته على إزعاج المدافعين، وهو الطرح الذي اعتبره زدوق ممكناً، خصوصاً في ظل غياب أي مهاجم يفرض الضغط على محور الدفاع الفرنسي.
وشدد زدوق على أن المشكلة لم تكن في اسم لاعب واحد بقدر ما كانت في البناء الهجومي كاملاً، إذ لم يكن هناك من يشغل المدافعين أو يتحرك داخل منطقة الجزاء أو يمنح حامل الكرة خياراً في العمق.
وانتقد كذلك غياب التحرك الجماعي من دون كرة، موضحاً أن حاملها كان يجد نفسه في كثير من الأحيان معزولاً، بينما يقف زملاؤه وينتظرون ما سيفعله.
وقال: «أي لاعب عندنا كياخذ الكرة، اللاعبين الآخرين كلهم كيتفرجو فيه. اللاعب اللي عندو الكرة كيبقى كيقلب لمن يعطيها، والمفروض الآخرين هما اللي يتحركو ويعطيوه الحلول».
وتساءل عن الأسباب التي جعلت المنتخب عاجزاً عن تنفيذ أربع تمريرات متتالية، أو بناء هجمة منظمة، أو إحراج الدفاع الفرنسي طوال فترات طويلة.
وأكد أن السؤال الأساسي الذي ينبغي للطاقم التقني الإجابة عنه لا يتعلق فقط بسبب إشراك لاعب واستبعاد آخر، وإنما بالسبب الذي جعل المجموعة كلها تفشل في الدخول إلى المباراة.
وقال: «ما غنقولوش علاش لعبتي فلان ولا فلان. السؤال هو علاش اللاعبين ما قدروش يديرو أربعة ديال التمريرات، وعلاش ما قدرناش نحرجو لاعبي فرنسا على مستوى الدفاع».
ولم يستثن زدوق أشرف حكيمي من ملاحظاته، معتبراً أنه لم يدخل أجواء المباراة بالشكل المنتظر، وأضاع عدداً من الكرات، كما افتقدت ضرباته الثابتة إلى التركيز.
وتوقف عند لقطة فقد فيها حكيمي الكرة قرب منطقة الجزاء، قبل أن تتحول إلى هجمة فرنسية خطيرة، مشيراً إلى أن الدولي المغربي يعرف جيداً سرعة كيليان مبابي وقدرته على استغلال مثل هذه الوضعيات.
كما انتقد أداء إبراهيم دياز، معتبراً أنه لجأ إلى المراوغة الفردية في وضعيات لم تكن تسمح بذلك، وحاول المرور بين ثلاثة أو أربعة لاعبين، بدلاً من اختيار الحل الجماعي الأبسط.
وقال زدوق: «الكرة ما كتتلعبش غير بالرجل، كتتلعب بالعقل. ملي تلقى قدامك ثلاثة أو أربعة ديال اللاعبين، ما عندك فين تدخل وسطهم».
وأكد أن المنتخب الفرنسي لم يكن في أفضل حالاته، ولم يقدم أداءً استثنائياً أو مرعباً، غير أن المنتخب المغربي لم يختبره أو يضعه تحت الضغط المطلوب.
وقال: «فرنسا ماشي في أحسن الأحوال ديالها»، مضيفاً أن المنتخب المغربي، لو ظهر بوجهه الأفضل، كان قادراً على تقديم مباراة أكثر توازناً وخلق صعوبات حقيقية لمنافسه.
وتابع: «كنت كنقول اللي بغا يربحنا خصو يتعب، ولكن فرنسا اليوم ما تعباتش.
ما عذبناهمش»، معتبراً أن التأهل الفرنسي تحقق بسهولة أكبر مما كان متوقعاً في مباراة من حجم ربع نهائي كأس العالم.
وأشار إلى أن المنتخب بدا متأثراً بأسماء لاعبي فرنسا، وكأنه عاد إلى مرحلة الخوف من النجوم، رغم أن الجيل الحالي سبق له أن أظهر قدرة على مواجهة منتخبات ولاعبين من الصف الأول دون عقدة.
وقارن الصورة الذهنية التي ظهر بها اللاعبون بما وقع أمام البرازيل في كأس العالم 1998، عندما كان المنتخب المغربي يواجه أسماء من قيمة رونالدو وريفالدو وروبرتو كارلوس.
وقال إن المنتخب أمام فرنسا بدا مرتبكاً وكأنه خسر المباراة قبل أن يلعبها، رغم أن المنتخب الفرنسي لم يقدم مستوى يبرر ذلك الخوف أو الاستسلام.
ورغم حدة انتقاداته، رفض زدوق هدم ما بناه المنتخب خلال البطولة أو التشكيك في قيمة المجموعة بسبب مباراة واحدة، مؤكداً أن اللاعبين أنفسهم هم الذين قادوا المغرب إلى ربع النهائي.
وقال: «هاد اللاعبين هما اللي داونا لربع النهائي»، مشدداً على ضرورة البحث عن أسباب الفشل في المباراة دون تحويل النقد إلى حملة لهدم الفريق أو المطالبة بتغيير جميع عناصره.
وأضاف أن الأفضل هو الإقرار بعدم نجاح الاختيارات التكتيكية وعدم قدرة الطاقم التقني على إظهار اللاعبين بمستواهم الحقيقي، بدل تحميل المجموعة وحدها مسؤولية ما جرى.
وأوضح أن اعتبار الخلل تكتيكياً يتيح تصحيحه، بينما التشكيك في جميع اللاعبين سيقود إلى الدخول في مرحلة جديدة من الشك والبحث عن بدائل، رغم أن المجموعة أثبتت قدرتها خلال البطولة.
وطالب زدوق المدرب بتقديم تفسير واضح للصورة التي ظهر بها المنتخب، قائلاً إن الجمهور والنقاد يحتاجون إلى معرفة الأسباب التي جعلت اللاعبين عاجزين عن دخول المباراة، أو الرد بعد الهدف الأول، أو تهديد المنتخب الفرنسي.
وقال: «المدرب هو اللي يعطينا التفاصيل والسبب اللي خلانا ما ندخلوش في المقابلة، وما هددناش فرنسا، وما قدرناش نجاوبوهم ملي سجلو».
وختم سعيد زدوق تحليله بالتأكيد على أن بلوغ ربع نهائي كأس العالم يظل إنجازاً مهماً للكرة المغربية، ولا يمكن شطبه بسبب مباراة واحدة، غير أن مواجهة فرنسا تبقى، بحسب وصفه، «مقابلة للنسيان».
وقال: «ربع النهائي ما غنحيدوهش. المغرب وصل مع أحسن ثمانية منتخبات في العالم، ولكن المقابلة اللي لعبناها ما كانتش مقابلة».
وأضاف: «اللاعبين عندهم الإمكانيات باش يكونو مزيانين. علاش ما كانوش مزيانين؟ هذا هو السؤال اللي خاص المدرب يجاوب عليه».
