بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد زيت الزيتون مجرد مادة غذائية حاضرة في البيوت المغربية، بل صار مرآة دقيقة لاختبار السياسات الفلاحية والتجارية والاجتماعية في لحظة تتقاطع فيها شعارات التصدير مع أسئلة القدرة الشرائية، والأمن الغذائي، وحماية المستهلك.
المعطيات التي نشرتها Euronews، استناداً إلى أرقام DataComex التابعة لوزارة الاقتصاد والتجارة الإسبانية، تكشف تحولاً لافتاً في علاقة السوق الإسبانية بزيت الزيتون المغربي. فقد انتقلت واردات إسبانيا من الزيت المغربي من 103 أطنان فقط بين يناير وأبريل 2025 إلى 10.384,7 طن خلال الفترة نفسها من سنة 2026، بزيادة بلغت 9979 في المائة.
كما ارتفعت القيمة من حوالي 340 ألف يورو إلى 32,76 مليون يورو.
على الورق، يبدو الرقم انتصاراً تجارياً مغرياً، منتج مغربي يدخل بقوة إلى سوق أوروبية كبيرة، ويجد لنفسه موطئ قدم داخل بلد يعتبر زيت الزيتون جزءاً من هويته الاقتصادية والغذائية.
غير أن السؤال السياسي لا يبدأ من حدود الموانئ الإسبانية، بل من داخل السوق المغربية نفسها: كيف يمكن أن تتحول مادة أساسية من غذاء المواطن إلى رقم تصديري جذاب، بينما يظل سعرها داخل البيوت المغربية موضوع شكوى اجتماعية دائمة؟
المشكل لا يوجد في التصدير في حد ذاته فمن حق الفلاح والمنتج والمقاولة أن تبحث عن أسواق خارجية، ومن مصلحة الاقتصاد الوطني أن يوسع حضوره في سلاسل التجارة الدولية. لكن السياسة العمومية لا تقاس فقط بما يخرج من البلاد، بل بما يبقى للمواطن داخلها بسعر معقول، وبجودة مضمونة، وبشفافية في مسار الإنتاج والتسويق والتوزيع.
هنا بالضبط تتحول قفزة زيت الزيتون نحو إسبانيا إلى سؤال في السياسات، لا إلى خبر اقتصادي عابر.
هل تتوفر الحكومة على رؤية واضحة توازن بين تشجيع الصادرات وحماية السوق الداخلية؟ هل تملك أدوات كافية لتتبع المخزون الوطني، ومراقبة الوسطاء، وضبط هوامش الربح، ومنع تحول الوفرة الموسمية إلى فرصة جديدة للمضاربة؟ وهل توجد عتبة أمان غذائي تمنع توجيه كميات واسعة نحو الخارج قبل ضمان حاجيات السوق الوطنية بأسعار لا ترهق المواطن؟
الأرقام الإسبانية تقول إن العلاقة التجارية انقلبت خلال سنة واحدة.
فبعدما كانت إسبانيا تبيع للمغرب كميات أكبر من زيت الزيتون، تراجعت صادراتها نحو السوق المغربية من 2721 طناً إلى 673,72 طناً، بانخفاض تجاوز 75 في المائة.
في المقابل، صعد الزيت المغربي بقوة نحو السوق الإسبانية. وهذا التحول قد يكون مؤشراً على موسم جيد وتعافٍ نسبي بعد سنوات من الجفاف، لكنه يفرض على صانع القرار سؤالاً أكثر صعوبة: هل تم تحويل هذا التعافي إلى ربح جماعي، أم تُرك السوق لمنطق العرض والطلب وحده؟
تقديرات نقلتها Euronews تشير إلى أن إنتاج المغرب من زيت الزيتون في موسم 2025-2026 اقترب من 200 ألف طن، أي أكثر من ضعف الموسم السابق، بعد تعافي أشجار الزيتون من آثار الجفاف.
وهذا معطى مهم، لأنه يعني أن المشكل لم يعد دائماً في الندرة وحدها، بل في كيفية تدبير الوفرة حين تحدث.
فحين يرتفع الإنتاج، يفترض أن يشعر المواطن ببعض الانفراج في الأسعار، لا أن يرى المنتج الوطني يعبر إلى الخارج بينما تبقى القفة الداخلية تحت الضغط.
الأخطر سياسياً أن زيت الزيتون ليس منتجاً كمالياً إنه مادة غذائية مرتبطة بالطبقة الوسطى والفئات الشعبية والقرى والذاكرة الغذائية المغربية.
وحين يصبح ثمنه موضوع قلق يومي، فإن النقاش لا يعود تقنياً حول الصادرات والواردات، بل يصبح نقاشاً حول وظيفة الدولة في حماية الأمن الغذائي، وحول حدود السياسات الفلاحية التي ترفع الإنتاج دون أن تضمن بالضرورة عدالة الولوج إلى المنتوج.
لذلك لا يكفي أن تقدم الحكومة أرقاماً عن تطور الصادرات أو نجاح المنتوج المغربي في الخارج.
المطلوب سياسياً هو جواب واضح عن أثر هذه الدينامية على السوق الداخلية.
كم بلغ المخزون الوطني؟ ما حجم الكميات الموجهة للتصدير مقارنة بالحاجة الداخلية؟ من هم الفاعلون الذين يستفيدون من مسارات التصدير؟ ما موقع التعاونيات وصغار المنتجين؟ وهل يستفيد الفلاح الصغير من هذه القفزة، أم أن القيمة الحقيقية تتركز في حلقات التجميع والتصدير والتسويق؟
القراءة المتوازنة تقتضي أيضاً عدم تضخيم القفزة فالمغرب لم يستول على السوق الإسبانية، وحضوره ما يزال محدوداً مقارنة بإنتاج إسبانيا الضخم وبموقع دول أخرى داخل خريطة التزويد. لكن هذا لا يضعف أهمية الخبر، بل يعززها.
لأن السؤال ليس هل أصبح المغرب قوة عالمية في زيت الزيتون، بل هل يستطيع أن يحول تقدمه النسبي إلى سياسة عادلة، تخلق قيمة للفلاح، وتحمي المستهلك، وتمنع الوسطاء من ابتلاع الفارق بين الحقل والمائدة.
السياسات الفلاحية الناجحة لا تقاس فقط بعدد الهكتارات، ولا بحجم الصادرات، ولا بالبلاغات التي تحتفي بالأرقام.
تقاس بقدرتها على جعل الإنتاج الوطني جزءاً من أمن المواطن قبل أن يكون جزءاً من ميزان التجارة.
وتقاس بقدرتها على توزيع القيمة داخل السلسلة، من الفلاح الصغير إلى المستهلك النهائي، بدل تركها تتبخر في حلقات غامضة لا يعرف المواطن عنها سوى السعر المرتفع عند باب المتجر.
زيت الزيتون المغربي وهو يعبر إلى إسبانيا يطرح على الحكومة سؤالاً بسيطاً وحاداً: هل نحن أمام نجاح تصديري يخدم الاقتصاد الوطني، أم أمام نموذج آخر من النماذج التي تلمع في الخارج وتترك المواطن يواجه الغلاء في الداخل؟
لا أحد يعترض على أن يربح المغرب أسواقاً جديدة، ولا أحد يطلب إغلاق الحدود أمام منتوج وطني قادر على المنافسة.
لكن السياسة تصبح موضع مساءلة حين يربح المنتوج الوطني موقعاً في مدريد أكثر مما يلمس المواطن انفراجاً في مائدته. وبين أرقام التصدير وكلفة القفة، توجد مساحة كاملة يجب أن تدخلها الحكومة بالمعطيات، لا بالشعارات؛ وبالحكامة، لا بالتصفيق للأرقام.
