لم تعد تصريحات فوزي لقجع حول منح لاعبي المنتخب المغربي مجرد تفصيل عابر في حوار رياضي.
فحين يقول رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم إن لاعبي المنتخب لا يطرحون مسألة المنح، وإنهم لا يتحركون بمنطق المال، فإن السؤال لا يقف عند حدود الانتماء أو رمزية القميص الوطني، بل ينتقل إلى زاوية أكثر حساسية: إذا كان اللاعبون لا يسألون عن المنح، فمن يسأل عن ملايين الدولارات التي تدخل باسم إنجازهم؟.
هذا السؤال لا يطعن في وطنية اللاعبين، ولا يشكك في التزامهم، ولا يحوّل المال إلى معيار وحيد للأداء.
لكنه يفتح نقاشاً مشروعاً حول الشفافية المالية في تدبير عائدات المشاركات المونديالية، خاصة عندما يتعلق الأمر بأموال تمنحها فيفا للاتحادات الوطنية وفق سلم يرتفع مع كل دور يبلغه المنتخب.
المفارقة أن القول إن اللاعبين “مليونيرات” ولا يحتاجون إلى المنح يبدو، في ظاهره، دفاعاً عن نقاء القميص الوطني.
غير أن هذا الخطاب يطرح في العمق سؤالاً آخر: هل الاحتراف الرياضي يلغي حق اللاعب في المكافأة؟ وهل كون اللاعب يتقاضى أجراً كبيراً مع ناديه الأوروبي يعني أن عرقه مع المنتخب لا ينتج قيمة مالية ينبغي أن تُدار بوضوح؟.
لاعبو المنتخب، مثل باقي نجوم كرة القدم في العالم، يشاركون في حملات إشهارية، ويروجون لعلامات تجارية، ويظهرون في وصلات دعائية لشركات ومنتجات.
وهذا أمر طبيعي ومشروع في عالم الاحتراف لكن السؤال يصبح أكثر دقة: هل يساعد هؤلاء اللاعبون الشركات على ترويج منتجاتها دون مقابل؟ الجواب معروف.
حضور اللاعب في الإشهار له قيمة، وصورته لها ثمن، وتأثيره التجاري يتحول إلى عقود والتزامات مالية.
فكيف يصبح المال مشروعاً حين يتعلق الأمر بعقد إشهاري مع شركة، ثم يتحول إلى موضوع محرج حين يتعلق الأمر بمنحة صنعتها أقدام اللاعب داخل الملعب؟ وكيف نقبل أن يستفيد السوق من صورة اللاعب، ولا نطرح بالوضوح نفسه سؤال الأموال التي تجنيها الجامعة من مجهوده الرياضي؟ هذا لا يعني أن اللاعب يلعب من أجل المال، لكنه يعني أن المال جزء من منظومة الاحتراف، ولا يجوز تغطيته بخطاب عاطفي عن الوطنية.
من مونديال قطر 2022 إلى مونديال 2026، لم يعد المنتخب المغربي مجرد مشارك عابر في كأس العالم.
لقد أصبح منتخباً يصنع قيمة رياضية، ورمزية، وإعلامية، ومالية. في قطر، بلغ المغرب نصف النهائي واحتل المركز الرابع عالمياً، وهو إنجاز تاريخي رافقته منحة مالية مهمة من فيفا.
وفي مونديال 2026، بلغ المنتخب ربع النهائي قبل الخروج أمام فرنسا، وهو مسار يضع الجامعة مجدداً أمام منحة كبيرة تُحتسب بملايين الدولارات.
من هنا يبدأ السؤال الحقيقي: أين صُرفت أموال مونديال قطر؟ وما القواعد التي اعتُمدت في توزيعها أو توجيهها؟ وهل خُصص جزء منها للاعبين؟ وهل وُجه جزء آخر إلى التكوين، أو البنيات، أو المنتخبات السنية، أو المصاريف التنظيمية والتقنية؟ وهل توجد وثيقة منشورة للرأي العام تشرح ذلك بوضوح؟.
أما أموال مونديال 2026، فالسؤال بشأنها لا يُطرح بصيغة الماضي، لأن المنتخب غادر المنافسة حديثاً بعد بلوغ ربع النهائي. لذلك، فإن السؤال الأدق اليوم هو: كيف ستُوجَّه عائدات هذه المشاركة؟ هل ستعلن الجامعة للرأي العام حجم ما ستتوصل به من فيفا؟ وهل ستوضح نصيب اللاعبين، ونصيب التكوين، ونصيب البنيات، ونصيب المصاريف التقنية والإدارية؟.
لا أحد يطلق اتهاماً جاهزاً، ولا أحد يدّعي وجود اختلال دون وثائق.
لكن غياب الاتهام لا يلغي حق السؤال بل إن قوة المؤسسات تقاس بقدرتها على تقديم الجواب قبل أن يتحول السؤال إلى شبهة.
وحين يتعلق الأمر بمنتخب وطني صنع فرحة جماعية، وبأموال جاءت باسم المغرب وبفضل نتائج اللاعبين داخل الملعب، فإن الشفافية تصبح واجباً مؤسساتياً لا منّة تواصلية.
تصريح لقجع يطرح مفارقة دقيقة فإذا كان اللاعبون فعلاً لا يناقشون المنح، ولا يجعلونها شرطاً لحمل القميص الوطني، فإن ذلك لا يعني أن الملف انتهى.
صمت اللاعبين لا يسقط حق الجمهور في المعرفة، وغياب مطالبة فردية من النجوم لا يعفي المؤسسة من تقديم الحساب.
فالمال الذي يدخل باسم المنتخب الوطني ليس مالاً خاصاً بصورة المنتخب، ولا يمكن أن يبقى محصوراً داخل دائرة مغلقة لا يعرف الرأي العام كيف تُدبر أرقامها.
هنا يصبح الدستور حاضراً بقوة، الفصل الأول من الدستور المغربي ينص على ربط المسؤولية بالمحاسبة، وهي قاعدة لا تصلح فقط للخطب السياسية، بل لكل مجال يمس التدبير العمومي أو شبه العمومي أو كل مؤسسة تتحرك باسم المصلحة الوطنية.
أما الفصل 27، فيكرس حق المواطنات والمواطنين في الحصول على المعلومات الموجودة في حوزة الإدارات والمؤسسات والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام.
صحيح أن النقاش القانوني حول طبيعة الجامعة وموقعها المؤسساتي يحتاج إلى تدقيق، لكن ذلك لا يلغي مسؤوليتها الرمزية والعمومية.
فالجامعة لا تدبر فريقاً خاصاً، بل تدبر منتخبات تحمل علم البلاد، وتتحرك باسم المغرب، وتستفيد من شرعية وطنية واسعة، وتتلقى عائدات دولية مرتبطة بمشاركات رسمية باسم المملكة. لذلك، فإن سؤال الشفافية هنا ليس ترفاً صحفياً، بل سؤال ديمقراطي مشروع.
إذا كان اللاعبون لا يطلبون المنح، فالدستور يطلب الحساب.
هذه الجملة تختصر جوهر القضية، الوطنية لا تلغي المحاسبة، والانتماء لا يعفي من الشفافية، والقميص الوطني لا يجب أن يتحول إلى حاجز يمنع طرح الأسئلة حول المال.
بالعكس، كلما كبرت رمزية القميص، كبرت مسؤولية من يدبر عائداته.
المشكلة ليست في أن اللاعب يتقاضى منحة أو لا يتقاضاها. المشكلة في غياب الوضوح حول القواعد.
هل هناك سلم رسمي للمنح؟ هل يعرف اللاعبون تفاصيله قبل المنافسة؟ هل تعلن الجامعة للرأي العام المبالغ التي تدخل من فيفا؟ هل تنشر أوجه الصرف بعد نهاية كل بطولة؟ هل تخضع هذه الموارد لتقرير مفصل؟ وهل يمكن للمغاربة أن يعرفوا، ببساطة، كيف تحولت أموال مونديال قطر إلى مشاريع ملموسة، وكيف ستُوجَّه عائدات مونديال 2026 بعد خروج المنتخب من ربع النهائي؟.
هذه الأسئلة لا تضعف المنتخب، بل تحميه، فالمنتخب القوي لا يحتاج فقط إلى لاعبين موهوبين، ومدرب كفء، وجمهور وفيّ، بل يحتاج أيضاً إلى تدبير واضح يحصن الثقة بين المؤسسة والجمهور.
كل غموض مالي، حتى إن لم يكن وراءه أي سوء نية، يتحول مع الوقت إلى مادة للشك.
وكل تأخر في تقديم الحساب يفتح الباب لتأويلات كان يمكن تجنبها بتقرير واضح ومنشور.
لقد خسر المغرب أمام فرنسا في الملعب، وهذا جزء من منطق كرة القدم.
لكن الخسارة الرياضية لا يجب أن تمنع طرح الأسئلة المؤسساتية. بل ربما يكون ما بعد الخسارة هو الوقت الأنسب للنقاش الهادئ: كيف ندبر النجاح؟ كيف نصون المال المرتبط بالإنجاز؟ كيف نضمن أن عائدات المنتخب تعود بالنفع على المنظومة الكروية كلها؟ وكيف نجعل الجمهور شريكاً في المعرفة لا مجرد متفرج في لحظات الفرح والحزن؟.
تصريحات لقجع عن أن اللاعبين لا يتحدثون عن المنح قد تكون قُدمت بنية الدفاع عن روح الانتماء، لكنها فتحت باباً أوسع: باب المال الذي ينتجه القميص الوطني.
وحين يصبح القميص الوطني مصدراً لمنح دولية بملايين الدولارات، لا يعود السؤال عن المال إساءة للوطنية، بل يصبح جزءاً من حمايتها.
المغرب لم يعد بحاجة إلى خطاب عاطفي فقط حول المنتخب. يحتاج أيضاً إلى حوكمة توازي حجم الإنجاز.
يحتاج إلى تقرير مالي واضح بعد كل مشاركة كبرى. يحتاج إلى إعلان المداخيل والمصاريف. يحتاج إلى تفسير نصيب اللاعبين، ونصيب التكوين، ونصيب البنيات، ونصيب المصاريف التقنية والإدارية.
يحتاج، باختصار، إلى أن تتحول الفرحة الكروية إلى ثقة مؤسساتية.
لذلك، فإن السؤال الذي يجب أن يطرح اليوم ليس: هل يلعب اللاعبون من أجل المال؟ هذا سؤال سطحي وظالم.
السؤال الحقيقي هو: كيف تُدار الأموال التي تأتي بسبب لعبهم؟.
فإذا كان اللاعبون قد اختاروا الصمت عن المنح، فإن الدستور لا يصمت عن المحاسبة.
وإذا كان القميص الوطني أكبر من المال، فإن المال الذي يدخل باسمه يجب أن يكون أكبر من الغموض.
