كشفت وثيقة رسمية صادرة عن وزارة العدل الأمريكية عن ورود اسم المديرية العامة للأمن الوطني المغربية ضمن تحقيق دولي واسع النطاق، يتعلق بشبكة عابرة للقارات تنشط في تهريب الكوكايين، والاتجار في الأسلحة، وغسل الأموال، وتمتد خيوطها بين سوريا وكولومبيا والمكسيك وكينيا وعدد من العواصم الدولية.
وأعلنت وزارة العدل الأمريكية، اليوم الخميس 2 يوليوز 2026، أن أنطوان قسيس، البالغ من العمر 59 سنة، وهو مواطن يحمل الجنسيتين اللبنانية والسورية ويقيم في لبنان، حُكم عليه بالسجن لمدة ثلاثين سنة في قضية تآمر مرتبطة بالمخدرات والإرهاب، وبالسجن عشرين سنة في قضية التآمر لتقديم دعم مادي لمنظمة أجنبية مصنفة إرهابية لدى الولايات المتحدة، على أن تُنفذ العقوبتان بشكل متزامن.
وبحسب بيان صادر عن مكتب المدعي العام الأمريكي للمنطقة الشرقية من ولاية فرجينيا، فقد استغل قسيس علاقاته داخل سوريا خلال فترة نظام بشار الأسد للانخراط في أنشطة مرتبطة بالاتجار في الكوكايين والأسلحة، ضمن ملف وصفته السلطات الأمريكية بأنه يندرج في إطار الجريمة المنظمة العابرة للحدود.
وتشير المعطيات الرسمية إلى أن التحقيق قادته شعبة العمليات الخاصة التابعة لإدارة مكافحة المخدرات الأمريكية، وامتد إلى عدة دول، بعدما كشفت التحريات عن شبكة تنسق بين أطراف في أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط، في ملف يجمع بين المخدرات والأسلحة العسكرية وتحويل عائدات مالية ضخمة عبر قنوات معقدة.
ووفق الوثيقة ذاتها، فقد اتفق قسيس، منذ أبريل 2024، مع شركاء له في كولومبيا والمكسيك على تزويد جيش التحرير الوطني الكولومبي، المصنف من طرف واشنطن منظمة إرهابية، بأسلحة عسكرية جرى تحويلها من ترسانة نظام الأسد في سوريا، مقابل مئات الكيلوغرامات من الكوكايين.
كما أفادت وزارة العدل الأمريكية بأن قسيس سافر من لبنان إلى كينيا للقاء شخص قُدم له باعتباره مفتشاً للأسلحة تابعاً لجيش التحرير الوطني الكولومبي، قبل أن يوقع عقداً لاستيراد حاوية فواكه من كولومبيا إلى ميناء اللاذقية في سوريا، تشير السلطات الأمريكية إلى أن الهدف منها كان تهريب 500 كيلوغرام من الكوكايين.
وتضيف الوثيقة أن قسيس كان يعتزم الإشراف على توزيع الكوكايين في الشرق الأوسط، بينما يتولى شركاؤه غسل العائدات المالية الناتجة عن هذه العمليات.
وأظهرت الأدلة المقدمة خلال المحاكمة، وفق البيان نفسه، أن شركاءه قاموا بتحريك ما يقارب 100 مليون دولار في أقل من 18 شهراً لصالح جهات وشبكات متعددة.
وتبرز أهمية الملف من زاوية مغربية في أن الوثيقة الأمريكية أوردت، ضمن قائمة المكاتب والوحدات التي ساهمت في التحقيق، اسم مكتب إدارة مكافحة المخدرات الأمريكية في الرباط، إلى جانب مكاتب أخرى في بوغوتا، قرطاجنة، أكرا، نيروبي، عمان، إسطنبول، بنما، مكسيكو ومدريد.
كما أكد البيان الأمريكي أن المديرية العامة للأمن الوطني المغربية قدمت دعماً مهماً في هذا التحقيق، إلى جانب أجهزة أمنية وقضائية من كولومبيا وغانا وكينيا والولايات المتحدة، وهو ما يعكس مستوى التعاون الأمني المغربي ضمن أحد الملفات الدولية المعقدة التي تتقاطع فيها قضايا المخدرات مع الاتجار في السلاح والتمويل غير المشروع.
وبحسب وزارة العدل الأمريكية، فقد عمل مكتب الشؤون الدولية التابع لها مع السلطات الكينية على توقيف قسيس وترحيله إلى الولايات المتحدة في ماي 2025، قبل أن تتم متابعته أمام القضاء الفدرالي بالمنطقة الشرقية من ولاية فرجينيا، في قضية تحمل رقم 1:25-cr-51.
وتولى الادعاء العام الأمريكي، ممثلاً في مساعدي المدعي العام أنتوني أمينوف وكريستين ستار، متابعة الملف أمام المحكمة، ضمن مسار قضائي قدمته واشنطن باعتباره جزءاً من جهود أوسع لمكافحة شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود وكارتيلات المخدرات.
وأدرجت وزارة العدل الأمريكية هذا الملف ضمن عملية “Take Back America”، وهي مبادرة وطنية تهدف، وفق الوزارة، إلى تفكيك شبكات الجريمة المنظمة، ومواجهة كارتيلات المخدرات، والحد من الجرائم العابرة للحدود التي تهدد الأمن الداخلي والخارجي للولايات المتحدة.
وبين سوريا وكولومبيا وكينيا والولايات المتحدة، يبرز اسم المغرب في هذه الوثيقة بوصفه شريكاً أمنياً موثوقاً داخل تحقيق دولي معقد، تؤكد معطياته أن التعاون المغربي لم يعد محصوراً في الملفات الإقليمية، بل أصبح حاضراً في قضايا عابرة للقارات تتداخل فيها الجريمة المنظمة، والتمويل غير المشروع، وتهريب المخدرات والأسلحة.
ويعكس حضور المديرية العامة للأمن الوطني في هذا المسار مستوى الثقة التي راكمتها المؤسسة الأمنية المغربية لدى شركائها الدوليين، وقدرتها على المساهمة في تفكيك خيوط ملفات شديدة الحساسية تمتد من مناطق النزاع إلى شبكات التهريب والمال العابر للحدود..
