بقلم: الباز عبدالإله
لم يكن ظهور إدريس السنتيسي وسط قيادات حزب الاستقلال، خلال الجلسة الافتتاحية للمؤتمر الوطني الرابع عشر لمنظمة الشبيبة الاستقلالية، مجرد حضور بروتوكولي عابر.
الصورة التي جمعته بنزار بركة ووزراء وقيادات حزب «الميزان» بدت أقرب إلى إعلان سياسي بالصورة، يسبق استكمال الإجراءات التنظيمية لانتقال رئيس الفريق الحركي بمجلس النواب من الحركة الشعبية إلى حزب الاستقلال.
وبحسب المعطيات التي أوردتها «تيلكيل عربي»، فإن السنتيسي أبلغ مقربين منه بأنه حسم قرار الالتحاق بحزب الاستقلال، بعد سنوات طويلة من النشاط داخل الحركة الشعبية، وصل خلالها إلى رئاسة فريقها البرلماني، وتولى باسمها مسؤوليات سياسية وانتخابية وازنة.
غير أن أهمية هذا الانتقال المحتمل لا تتوقف عند معرفة الحزب الذي سيحمل السنتيسي ألوانه خلال المرحلة المقبلة.
القضية تفتح سؤالاً أوسع حول معنى الانتماء الحزبي في المغرب، وحدود العلاقة بين القناعة السياسية والحساب الانتخابي، في وقت أصبح فيه بعض السياسيين يتنقلون بين الأحزاب كما يتنقل اللاعب المحترف بين الأندية.
يتغير القميص واللون والرمز الانتخابي، بينما يظل الهدف، في حالات كثيرة، هو ضمان موقع أفضل داخل الخريطة الحزبية، وتأمين طريق أكثر أماناً نحو التزكية والمقعد.
لكن السياسي ليس لاعب كرة قدم ينتهي عقده مع فريق، فينتقل إلى النادي الذي يقدم له العرض الأفضل.
فالانتماء الحزبي، من حيث المبدأ، ليس عقداً موسمياً، بل التزام سياسي وأخلاقي بمرجعية وبرنامج وتصور للدولة والمجتمع والاقتصاد.
لذلك، لا يكفي أن يظهر السنتيسي إلى جانب قيادة حزب الاستقلال حتى يصبح انتقاله مفهوماً من الناحية السياسية.
ما الذي تغير في قناعاته؟
ما الخلاف المبدئي الذي دفعه إلى مغادرة الحركة الشعبية؟
وما الذي لم يعد يجده داخل حزب «السنبلة»، ووجده داخل حزب «الميزان»؟
هل يتعلق الأمر بتحول حقيقي في المواقف والاختيارات، أم أن الذي تغير هو ميزان الفرص الانتخابية فقط؟
من حق إدريس السنتيسي، مثل أي مسؤول سياسي، أن يغادر حزباً لم يعد ينسجم مع توجهاته.
لكن مغادرة تنظيم قضى داخله سنوات طويلة، وقاد فريقه البرلماني، تقتضي تفسيراً سياسياً واضحاً أمام المواطنين، لا مجرد انتقال صامت من منصة حزبية إلى أخرى.
فالانتقال لا يصبح موقفاً سياسياً لمجرد وقوعه، وإنما تُقاس قيمته بالأسباب التي تبرره، وبالخلافات التي تكشفه، وبقدرة صاحبه على إقناع المواطنين بأن الأمر يتعلق بتغيير في القناعة، لا بمجرد تغيير في التزكية.
ويكتسب سؤال الحصيلة أهمية أكبر في حالة السنتيسي، لأن الرجل ليس وجهاً جديداً داخل الحياة السياسية المغربية، ولا منتخباً يبحث عن فرصته الأولى.
يمتد مساره لقرابة ثلاثة عقود داخل المؤسسات المنتخبة. تولى رئاسة جماعة سلا، وشغل منصب عمدة المدينة، وانتُخب نائباً برلمانياً في عدة ولايات، وتولى مسؤوليات داخل مجلس النواب، قبل أن يصل إلى رئاسة الفريق الحركي.
إنها مسيرة طويلة من المناصب والمسؤوليات.
لكن السياسة لا تُقاس بعدد المناصب التي شغلها المسؤول، بل بالأثر الذي تركه بعد مغادرتها.
ومن هنا يحق لسكان سلا أن يطرحوا السؤال الأكثر مباشرة: ماذا قدم إدريس السنتيسي للمدينة التي منحته أصواتها وشرعيتها الانتخابية طوال هذه السنوات؟
ما المشروع الذي يستطيع السلاويون ربطه مباشرة باسمه؟
وما الذي تغير في المدينة خلال الفترات التي تولى فيها تدبير شؤونها أو تمثيلها داخل البرلمان؟
هل تحسنت أوضاع الأحياء التي ظلت تعاني ضعف التجهيزات وتفاوت الخدمات؟
هل تطور النقل والنظافة والإنارة والمرافق الثقافية والرياضية بما ينسجم مع حجم المدينة وعدد سكانها؟
وهل تقلصت الفوارق بين أحياء سلا، أم واصلت المدينة توسعها السكاني والعمراني بوتيرة أسرع من قدرة مؤسساتها المنتخبة على الاستجابة؟
لا يمكن تحميل السنتيسي وحده مسؤولية جميع الاختلالات التي تعرفها مدينة كبيرة ومعقدة مثل سلا.
كما لا يمكن اختزال حصيلة تدبير المدينة في رئيس واحد، بالنظر إلى تعدد المؤسسات والمتدخلين وتداخل المسؤوليات بين الجماعة والسلطات والقطاعات الحكومية.
لكن لا يمكن، في المقابل، التعامل مع عقود من الحضور السياسي وكأنها مجرد أسطر داخل سيرة ذاتية، لا تستوجب جرداً للحصيلة ولا مساءلة عن الأثر.
من تولى رئاسة الجماعة والعمودية، ثم عاد إلى البرلمان في أكثر من ولاية، لا يكفيه أن يقدم للناس لائحة المناصب التي شغلها.
عليه أن يوضح ما وعد به، وما أنجزه، وما تعثر، وما فشل في إخراجه إلى الوجود.
فالمواطن لا يعيش داخل السيرة الذاتية للمنتخب، بل داخل المدينة التي كان ذلك المنتخب مسؤولاً عن جزء من تدبيرها والدفاع عن مصالحها.
وهنا تصبح المقارنة مشروعة بين تطور المسار السياسي للسنتيسي وتطور ظروف عيش سكان سلا.
لقد صعد الرجل داخل المؤسسات، وانتقل بين المسؤوليات، وراكم حضوراً سياسياً وبرلمانياً واضحاً.
لكن هل صعدت سلا بالوتيرة نفسها؟
وهل يشعر المواطن بأن العقود التي قضاها السنتيسي داخل الجماعة والبرلمان أحدثت فرقاً ملموساً في حياته اليومية؟
لا يتعلق الأمر بالتشكيك في وضعه الشخصي أو إطلاق اتهامات بلا وثائق.
لكن من حق الرأي العام أن يسأل عن العلاقة بين ما منحته السياسة للمسؤول، وما منحه ذلك المسؤول للمدينة والناخبين الذين أوصلوه إلى مواقع القرار.
والمشكلة هنا لا تخص إدريس السنتيسي وحده، بل تعكس جانباً من أزمة الحياة الحزبية المغربية، حيث أصبحت بعض الأحزاب تبحث عن أسماء تملك رصيداً انتخابياً جاهزاً، بينما يبحث بعض المنتخبين عن أحزاب تملك فرصاً أكبر في توزيع التزكيات والمقاعد.
وفي قلب هذه العملية، يختفي المواطن.
لا يعود إليه السياسي ليشرح أسباب انتقاله، ولا يقدم له حصيلة المرحلة السابقة، ولا يوضح له ما الذي سيتغير داخل الحزب الجديد.
يتحول الناخب إلى مجرد رقم انتخابي يمكن نقله من رمز إلى آخر، وكأن صوته كان متعلقاً بالشخص وحده، لا بالبرنامج والحزب والتحالفات التي ترشح ذلك الشخص باسمها.
وهنا تتحول الحياة السياسية إلى ما يشبه «الميركاتو».
كل حزب يبحث عن الوجوه القادرة على جلب المقاعد، وكل منتخب يبحث عن القميص الأكثر قدرة على تمديد مساره السياسي.
تتغير الشعارات، لكن الممارسة تبقى نفسها.
وتتبدل الألوان، بينما يظل منطق التزكية أقوى من منطق المبادئ.
ويصبح السؤال عن الفوارق بين الأحزاب أقرب إلى تمرين نظري، ما دام المسؤول نفسه يستطيع الانتقال من تنظيم إلى آخر من دون تقديم تفسير سياسي واضح.
لذلك، لا ينبغي اختزال انتقال السنتيسي المحتمل إلى حزب الاستقلال في صورة جمعته بنزار بركة وقيادات الحزب.
المطلوب منه ليس فقط تأكيد وجهته الجديدة، بل تفسير أسباب مغادرته الحركة الشعبية، وتوضيح ما الذي سيضيفه إلى حزب الاستقلال، وما الذي سيقدمه تحت رمز «الميزان» ولم يستطع تقديمه تحت رمز «السنبلة».
وقبل كل ذلك، يبقى مطالباً بوضع حصيلته أمام سكان سلا.
فالمدينة ليست مجرد خزان انتخابي يُستدعى كلما اقترب موعد الاقتراع.
وسكانها ليسوا جمهوراً مطالباً بتشجيع اللاعب نفسه كلما ارتدى قميصاً جديداً.
السياسة تفويض مؤقت، وليست امتيازاً دائماً.
والمقعد البرلماني ليس ملكية شخصية يحملها المنتخب معه من حزب إلى آخر.
والانتماء الحزبي ليس بطاقة عبور تُستبدل عندما تصبح الطريق الانتخابية أكثر صعوبة.
قد يظهر السنتيسي قريباً بصفة رسمية داخل حزب الاستقلال، لكن قبل الاحتفاء بالقميص الجديد، يبقى من حق السلاويين أن يسألوا عن أثر القميص القديم.
ماذا تغير في مدينتهم؟
وماذا أضافت سنوات الجماعة والعمودية والبرلمان إلى حياتهم؟
ولماذا ينبغي أن يمنحوه ثقتهم مرة أخرى، مهما كان الرمز الذي سيظهر إلى جانب اسمه؟
فالمشكلة ليست في أن يغير السياسي حزبه.
المشكلة أن يغير القميص من دون أن يشرح أسباب انتقاله، أو يقدم حصيلته، أو يثبت أن شيئاً ملموساً تغير في حياة المواطنين.
