بعد أكثر من ست سنوات على إطلاق استراتيجية «الجيل الأخضر 2020-2030»، قررت وزارة الفلاحة فتح ورش لتقييم حصيلتها المرحلية وإعداد خطة لتسريع تنفيذها خلال السنوات المتبقية.
خطوة تبدو ضرورية من حيث المبدأ، غير أن توقيتها، مع اقتراب نهاية الولاية الحكومية، يفرض سؤالاً مشروعاً: لماذا تأخر هذا التقييم إلى الآن؟
فالاستراتيجية دخلت فعلياً سنواتها الأخيرة، بينما لم تعلن الوزارة إلا في هذه المرحلة عن دراسة يفترض أن تحدد ما تحقق، وما تعثر، وما يحتاج إلى تصحيح.
وهو ما يضع النقاش أمام احتمالين: إما أن تكون الحكومة بصدد مراجعة جدية للمسار قبل فوات الأوان، أو أن الأمر يتعلق بتقييم متأخر يسبق تسليم الملف إلى حكومة جديدة.
بلاغ الوزارة قدم المرحلة الأولى من «الجيل الأخضر» باعتبارها حصيلة إيجابية، وتحدث عن صمود القطاع، وتطوير سلاسل الإنتاج، وتحسين النجاعة المائية، وتعزيز الحماية الاجتماعية للفلاحين.
غير أن هذه الخلاصات ظلت محاطة بلغة عامة، دون أرقام تفصيلية تكشف نسب التنفيذ، وحجم الاعتمادات المصروفة، وكيفية توزيعها بين مختلف فئات المستفيدين.
والأكثر إثارة للتساؤل أن البلاغ لم يكشف الجهة التي ستنجز الدراسة، ولا طريقة اختيارها، ولا كلفتها، ولا الآجال المحددة لاستكمالها.
كما لم يوضح ما إذا كانت نتائجها ستنشر كاملة للرأي العام، أم ستظل وثيقة تقنية داخلية لا يطلع عليها سوى أصحاب القرار.
في المقابل، سبق لأحمد البواري نفسه أن قدم أرقاماً تعكس حجم الصعوبات التي واجهها القطاع، متحدثاً عن تراجع القطيع الوطني، وانخفاض إنتاج الحبوب والزيتون، وبلوغ مخزون مياه السقي مستويات حرجة في عدد من المناطق، إلى جانب ارتفاع كلفة الأعلاف والمدخلات وتراجع مردودية عدة سلاسل إنتاجية.
هذه المعطيات لا تعني أن الاستراتيجية فشلت بالكامل، كما لا يمكن تحميلها وحدها مسؤولية الجفاف.
لكنها تفرض مساءلتها عن مدى قدرتها على التكيف مع واقع مناخي أصبح بنيوياً، خصوصاً أن بناء فلاحة أكثر صموداً كان من بين أبرز أهدافها المعلنة.
فالصمود لا يقاس فقط بما يتحقق خلال المواسم الممطرة، بل بقدرة السياسات العمومية على حماية الفلاحين عندما ينحبس المطر، والحفاظ على القطيع، وضمان استمرارية الإنتاج، والحد من انتقال الأزمة إلى أسعار السوق والقدرة الشرائية للمستهلكين.
ويبقى السؤال الأكثر حساسية مرتبطاً بتوزيع ثمار «الجيل الأخضر».
فالبلاغ تحدث عن التمويل والاستثمار والمكننة والنجاعة المائية، لكنه لم يكشف كيف توزعت الاعتمادات والتحفيزات بين الفلاحين الصغار والمتوسطين وكبار المستثمرين.
هل وصلت برامج المواكبة والتجهيز والتمويل إلى الفلاح الصغير فعلاً؟ أم أن الفاعلين الأكثر امتلاكاً للأرض والتمويل والقدرة على الولوج إلى الماء كانوا الأكثر استفادة من الفرص التي وفرتها الاستراتيجية؟
لا يمكن حسم هذا السؤال بالشعارات أو بالأرقام الإجمالية، بل بنشر معطيات دقيقة حول المستفيدين، وحصة كل فئة، وحجم المشاريع المنجزة، وأثرها الفعلي على دخل الأسر القروية والتشغيل واستقرار الأسعار.
كما أن إطلاق الدراسة في نهاية الولاية الحكومية يفرض ضمان استقلاليتها وشفافية منهجيتها ونشر نتائجها.
فالتقييم لا ينبغي أن يتحول إلى وثيقة تقنية مغلقة، ولا إلى عنوان إضافي داخل حصيلة حكومية، بل إلى أداة للمساءلة وتصحيح المسار.
بعد ست سنوات من التنفيذ، لم يعد السؤال هو ما الذي تعد به وثائق «الجيل الأخضر»، بل ما الذي تحقق فعلاً داخل الحقول والقرى والأسواق.
والرأي العام ينتظر أجوبة واضحة: كم صُرف؟ ماذا تحقق؟ من استفاد؟ وما نصيب الفلاح الصغير من استراتيجية قدمت منذ البداية باعتبارها مشروعاً لتنمية العالم القروي وتعزيز السيادة الغذائية؟
أما التوقيت، فيظل جزءاً أساسياً من الموضوع: لماذا لم يبدأ هذا التقييم قبل سنوات؟ ولماذا انتظرت الحكومة اقتراب نهاية ولايتها حتى تسأل عن حصيلة استراتيجية نُفذ الجزء الأكبر من مراحلها تحت مسؤوليتها؟
وبين تصحيح المسار وتلميع الحصيلة، لن تقاس جدية هذا الورش بالشعارات، بل بهوية من سينجز الدراسة، وكلفتها، ومنهجيتها، وشفافية نشر نتائجها.
