دخل ملف الصفقات العمومية بالمديرية الإقليمية لوزارة التربية الوطنية بالناظور مرحلة قضائية جديدة، بعدما انتقل من العقوبات السجنية والغرامات المالية إلى مصادرة الأموال والممتلكات المرتبطة بالقضية، في تطور يعيد طرح سؤال حماية الاعتمادات المخصصة لبناء المؤسسات التعليمية وتجهيزها من مخاطر التلاعب وسوء التدبير.
وبحسب ما أوردته جريدة «الصباح»، قضت غرفة غسل الأموال بالمحكمة الابتدائية بفاس، يوم الأربعاء 8 يوليوز 2026، بمصادرة الممتلكات المنقولة والحسابات البنكية التي سبق الحجز عليها، والمملوكة للرئيسة السابقة للمصلحة المكلفة بالبنايات والتجهيز والممتلكات بالمديرية الإقليمية للتعليم بالناظور، وذلك لفائدة الدولة المغربية.
ويحمل القرار دلالة قانونية تتجاوز مجرد الإبقاء على تدبير تحفظي سابق، إذ يتعلق بمصادرة نهائية للأموال والممتلكات الموضوعة رهن الحجز، في امتداد للمسار القضائي الذي عرفه الملف منذ انطلاق الأبحاث المرتبطة بتدبير صفقات بناء وتجهيز مؤسسات تعليمية بالإقليم.
وتعود وقائع القضية إلى تحقيقات أنجزتها الفرقة الجهوية للشرطة القضائية، تحت إشراف النيابة العامة المختصة، بشأن أفعال اشتبه في ارتباطها باختلاس وتبديد أموال عمومية، والارتشاء، واستغلال النفوذ، والتزوير في وثائق، والإخلال بقواعد المنافسة وتكافؤ الفرص في الصفقات العمومية.
وأسفرت الأبحاث عن متابعة عدد من الموظفين والمقاولين، قبل أن تصدر غرفة الجنايات الابتدائية المختصة بجرائم الأموال بمحكمة الاستئناف بفاس، خلال فبراير 2025، أحكاماً سجنية في حق المتابعين.
وقضت المحكمة آنذاك بسجن الرئيسة السابقة للمصلحة ثلاث سنوات نافذة، إلى جانب غرامة مالية، مع إدانة متهمين آخرين بعقوبات متفاوتة، والحكم بتعويضات مدنية لفائدة الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة الشرق.
ويمنح قرار المصادرة الملف بعداً إضافياً في مسار مكافحة الجرائم المالية، باعتبار أن العقوبة السالبة للحرية لا تكفي وحدها لتحقيق الردع، ما لم تُستكمل باسترجاع الأموال والممتلكات التي يثبت ارتباطها بالأفعال موضوع الإدانة.
فمكافحة الفساد لا تنحصر في معاقبة الأشخاص، بل تشمل كذلك تجريد الجريمة من عائداتها، حتى لا يتحول الاعتداء على المال العام إلى مخاطرة محسوبة يحتفظ مرتكبوها بمنافعها بعد تنفيذ العقوبة.
غير أن الأهمية القضائية للقرار لا تعفي الإدارة من مساءلة منظومتها الداخلية للرقابة والافتحاص.
فالصفقات العمومية المرتبطة ببناء المدارس وتجهيزها لا تمر، من حيث المبدأ، عبر شخص واحد، بل تخضع لسلسلة من الإجراءات واللجان والتأشيرات والمراقبة التقنية والمالية والإدارية.
ومن ثم، يظل من المشروع التساؤل عن الكيفية التي مرت بها الاختلالات موضوع الملف، وعن مدى فعالية أجهزة المراقبة الداخلية خلال مراحل إعداد الصفقات وإسنادها وتنفيذها وتسلم الأشغال.
كما يطرح الملف سؤالاً آخر بشأن ما إذا كانت المسؤولية قد توقفت عند حدود الموظفين والمقاولين الذين شملتهم المتابعة القضائية، أم أن افتحاصاً إدارياً شاملاً أُنجز لتحديد مواطن الخلل داخل منظومة اتخاذ القرار والمراقبة.
ويظل من حق الرأي العام كذلك معرفة حجم الضرر المالي الذي لحق بالقطاع، وقيمة الصفقات التي شابتها الاختلالات، ومصير المشاريع التعليمية المرتبطة بها، وما إذا كانت الاعتمادات المرصودة قد انعكست فعلياً على بناء المؤسسات وتجهيز الأقسام وتحسين ظروف التمدرس.
فالأمر لا يتعلق بأموال خاصة أو بمعاملات تجارية معزولة، بل بميزانيات عمومية كان يفترض أن تتحول إلى مدارس وتجهيزات وبنيات استقبال تستجيب لحاجيات التلاميذ وتحفظ حقهم في تعليم لائق.
ومع انتقال الملف من الإدانة السجنية إلى مصادرة الأرصدة والممتلكات، يعود السؤال الجوهري الذي يرافق قضايا الفساد المالي: هل تتحرك آليات المراقبة قبل ضياع المال العام، أم لا تبدأ المحاسبة إلا بعد تعطل المشاريع واستنزاف الميزانيات، حين يصبح القضاء مطالباً باسترجاع ما كان يفترض حمايته منذ البداية؟
