بقلم: الباز عبدالإله
لم يكن عبد الإله بنكيران موضوع السؤال، ولم تكن الولاية التشريعية التاسعة معنية بالمحاسبة الجارية داخل مجلس النواب، ومع ذلك اختار مصطفى بايتاس، الناطق الرسمي باسم الحكومة، استدعاء رئيس الحكومة الأسبق وهو يدافع عن حضور عزيز أخنوش إلى البرلمان.
جاء ذلك خلال جلسة الأسئلة الشفهية بمجلس النواب، حين واجه بايتاس تساؤلات وانتقادات مرتبطة بحضور رئيس الحكومة إلى المؤسسة التشريعية.
وكان المنتظر أن يقدم جواباً مباشراً يحدد عدد الجلسات التي حضرها أخنوش، وعدد الجلسات التي تأجلت أو لم تنعقد، وأسباب ذلك، ومدى احترام رئيس الحكومة لانتظام جلسات مساءلته بشأن السياسة العامة.
غير أن بايتاس اختار نقل النقاش إلى ولاية انتهت منذ سنوات، مؤكداً أن أخنوش حضر إلى البرلمان أكثر من رئيس الحكومة خلال الولاية التاسعة، في إشارة واضحة إلى بنكيران، ومشدداً على أن الأرقام تثبت ذلك.
المشكلة هنا لا تتعلق فقط بصحة المقارنة أو دقتها، بل بالمعنى السياسي لاختيارها.
فما علاقة بنكيران اليوم بسؤال موجه إلى أخنوش؟ ولماذا يصبح رئيس حكومة سابق جزءاً من جواب يفترض أن يخص مسؤولية رئيس الحكومة الحالي؟
إذا كان بنكيران قد قصّر في الحضور إلى البرلمان، فإن ذلك يُسجل عليه، ولا يحتاج إلى تبرير أو تجميل.
لكن تقصير السابق، على فرض ثبوته، لا يتحول إلى شهادة نجاح للاحق، ولا يمنح الحكومة الحالية إعفاءً من تقديم حسابها السياسي والمؤسساتي بصورة مستقلة.
أن يحضر رئيس الحكومة الحالي أكثر من رئيس حكومة سابق لا يعني بالضرورة أنه حضر بالقدر الكافي، تماماً كما أن حصول تلميذ على نقطة أعلى من زميل راسب لا يجعله متفوقاً إذا ظل هو الآخر دون المعدل المطلوب.
المعيار هنا ليس بنكيران، بل الدستور، وانتظام المؤسسات، وحق البرلمان في مساءلة رئيس الحكومة عن السياسات العامة التي يشرف عليها.
الحكومة الحالية لم تُنصّب لتثبت أنها أقل تقصيراً من حكومة سابقة، بل لتحترم التزاماتها كاملة أمام البرلمان والرأي العام.
لذلك كان المطلوب من بايتاس أن يقدم حصيلة أخنوش مستقلة عن غيره، لا أن يبحث في الماضي عن معيار منخفض يخفف به ضغط السؤال.
استدعاء بنكيران يغيّر وجهة النقاش. فبدل أن يبقى السؤال مركزاً على أداء رئيس الحكومة الحالي، يتحول إلى مقارنة بين تجربتين، ثم إلى سجال حزبي بين مؤيدي العدالة والتنمية وخصومه، بينما يتراجع أصل الموضوع: هل احترم أخنوش التزاماته الرقابية والدستورية تجاه البرلمان؟
هذا النوع من الردود يمنح الحكومة مخرجاً سياسياً جاهزاً. فكلما حوصرت بسؤال عن حصيلتها، عادت إلى من سبقها، وكلما طُلب منها تفسير الحاضر، فتحت أرشيف الماضي.
المقارنة مع الحكومات السابقة ليست عيباً في حد ذاتها، وقد تكون مفيدة عندما تُبنى على معايير واضحة وأرقام مفصلة وقابلة للتحقق.
لكنها تتحول إلى وسيلة للهروب عندما تحل محل الجواب المباشر، وعندما يُستدعى اسم خصم سياسي سابق لتخفيف الضغط عن المسؤول الحالي.
قال بايتاس إن أخنوش حضر أكثر من بنكيران، لكنه لم يقدم، ضمن المعطيات التي عرضها، جدولاً واضحاً يبين عدد الجلسات المقررة والمنعقدة، وحضور رئيس الحكومة، والتأجيلات وأسبابها. قدّم الخلاصة، واحتفظ بالتفاصيل.
والتفاصيل هنا ليست أمراً ثانوياً، لأن الحكومة لا تستطيع أن تطلب من الرأي العام تصديق عبارة «الأرقام تؤكد» من دون وضع هذه الأرقام أمامه كاملة، وشرح طريقة احتسابها، والفترة الزمنية التي تغطيها، والمعايير المعتمدة في المقارنة.
كما برر بايتاس وجود أخنوش خارج البرلمان بسفره إلى قطر، وبالمهام الرسمية والاجتماعات التي ترأسها في مجالات الاستثمار والتعليم والصحة والدعم الاجتماعي والسكن.
لا خلاف في أن هذه الاجتماعات تدخل ضمن مهام رئيس الحكومة، لكن العمل التنفيذي لا يعوض المساءلة البرلمانية. فرئيس الحكومة ليس مسؤولاً فقط عن ترؤس الاجتماعات وتنسيق السياسات العمومية، بل هو مسؤول سياسياً أمام البرلمان أيضاً.
الحضور إلى جلسات السياسة العامة ليس تفصيلاً بروتوكولياً يمكن تعويضه باجتماع وزاري أو مهمة خارجية، والبرلمان ليس محطة ثانوية في جدول أعمال رئيس الحكومة، بل المؤسسة الدستورية التي تراقب عمله وتطالبه بشرح اختياراته أمام ممثلي الأمة.
لذلك، حين يُسأل الناطق الرسمي باسم الحكومة عن حضور أخنوش، لا ينبغي أن يكون جوابه أن أخنوش أفضل من بنكيران، بل أن يثبت أن أخنوش احترم التزاماته.
الفارق بين الأمرين جوهري، الأول دفاع سياسي يقوم على المقارنة، والثاني جواب مؤسساتي يقوم على المسؤولية.
لا أحد يطلب تمجيد بنكيران أو تبرئة حصيلته. فرئيس الحكومة الأسبق يتحمل مسؤولية مرحلته، مثلما يتحمل أخنوش مسؤولية الحاضر.
ولا يمكن لتقصير سابق، مهما كان حجمه، أن يتحول إلى شهادة نجاح للاحق أو حجة جاهزة لتبرير أداء الحكومة الحالية.
بعد قرابة خمس سنوات من تدبير الشأن العام، لم يعد منطقياً أن تستمر الحكومة في قياس أدائها بما وقع قبل نحو عقد، أو أن تجعل من ضعف السابق معياراً للحكم على الحاضر.
سألوا بايتاس عن أخنوش، فكان ينبغي أن يجيب عن أخنوش، لا أن يفتح أرشيف الماضي بحثاً عن نقطة أقل يمنح بها الحكومة الحالية شهادة تفوق لا يثبتها المعيار الدستوري.
