لا تقدم دراسة علمية جديدة عن بورصة الدار البيضاء وصفة مضمونة لمعرفة اتجاه الأسهم، ولا تزعم أن الذكاء الاصطناعي أصبح قادراً على سبق المستثمرين إلى الأرباح.
لكنها تكشف أن العلاقات التي تحكم تحركات مؤشر «مازي» ليست ثابتة، وأن قدرة السوق المغربية على التكيف تتغير بحسب طبيعة الظروف وقوة الصدمات.
الدراسة، المنشورة يوم الاثنين 13 يوليوز 2026 في مجلة «Financial Innovation» التابعة لمجموعة «Springer Nature»، حملت عنوان «رصد ديناميات السوق التكيفية في المغرب باستخدام شبكات الذاكرة الطويلة والقصيرة المدى»، وأعدها باحثان من كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال بجامعة محمد الخامس بالرباط.
اعتمد الباحثان على المعطيات اليومية لمؤشر «مازي» بين سنتي 2013 و2025، وربطا عائداته بعدد من المتغيرات المالية والاقتصادية، من بينها أسعار النفط، والسعر الرئيسي لبنك المغرب، وسعر الصرف الفعلي الحقيقي، والكتلة النقدية، وعائدات سندات الخزينة لآجال مختلفة.
واستخدمت الدراسة نموذجاً للذكاء الاصطناعي يعرف بـ«LSTM»، وهو نظام يتعلم من السلاسل الزمنية ويحاول التقاط العلاقات التي تتغير بمرور الوقت، بهدف توقع عائدات المؤشر ورصد الفترات التي تفقد فيها الروابط المعتادة بين السوق ومحيطها الاقتصادي استقرارها.
وأظهرت النتائج تفوق النموذج، في الأداء الإجمالي، على معيار التوقع المبني على المتوسط التاريخي.
فقد بلغ جذر متوسط مربع الخطأ 0.0064، مقابل 0.0085 في النموذج المرجعي، فيما بلغ متوسط الخطأ المطلق 0.0044 مقابل 0.0055.
لا تعني هذه الأرقام أن الآلة تعرف مسبقاً إن كان مؤشر «مازي» سيرتفع أو سينخفض، وإنما تشير إلى قدرتها، خلال الفترات المستقرة نسبياً، على التقاط جزء من العلاقات المتغيرة بين البورصة والمؤشرات الاقتصادية المحيطة بها.
غير أن هذه الأفضلية تراجعت بوضوح خلال الصدمات الكبرى، خصوصاً جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية، بعدما أصبحت الأنماط المستخلصة من الماضي أقل قدرة على تفسير التحولات السريعة في سلوك السوق.
واختبرت الدراسة أداء النموذج حول ست محطات، شملت إصلاح نظام الدعم سنة 2015، والجمود السياسي سنة 2016، وتسجيل أول إصابة بكورونا في المغرب سنة 2020، واندلاع الحرب الروسية الأوكرانية سنة 2022، وتشديد السياسة النقدية لمواجهة التضخم سنة 2023، ثم موجة التكهنات بشأن تعويم الدرهم خلال السنة نفسها.
وكشفت المقارنة بين نموذج ثابت وآخر يواصل تحديث نفسه بالمعطيات الجديدة أن التعلم المستمر يساعد على استعادة جزء من الاستقرار بعد التحولات التدريجية، لكنه يفقد جانباً مهماً من فعاليته أمام الصدمات المفاجئة والعنيفة.
وتشير النتائج إلى أن السوق المغربية قادرة على التكيف، لكن سرعة هذا التكيف تختلف بحسب طبيعة الحدث.
فعندما يكون التحول تدريجياً، تستطيع النماذج والمستثمرون تعديل توقعاتهم، بينما تؤدي الصدمات الواسعة إلى إضعاف الصلة مؤقتاً بين الخبرة السابقة والواقع الجديد.
ولا تقدم الدراسة ارتفاع أخطاء التوقع دليلاً مباشراً على عدم كفاءة بورصة الدار البيضاء، ولا تربطه بوجود تلاعب أو خلل في الأسعار.
بل تعتبره إشارة إلى انتقال السوق من حالة إلى أخرى، وإلى أن قدرتها على استيعاب المعلومات تتأثر بحجم الصدمة وسرعتها والبيئة الاقتصادية والمؤسساتية المحيطة بها.
وتفتح النتائج النقاش حول مدى استخدام الهيئة المغربية لسوق الرساميل وبورصة الدار البيضاء وبنك المغرب لأدوات تكيفية مبنية على البيانات، ليس لتوقع الأسعار أو توجيه المستثمرين، بل لتطوير أنظمة الرصد والإنذار المبكر واكتشاف تغير ظروف السوق قبل اتساع التقلبات.
فنجاح الذكاء الاصطناعي في الظروف العادية لا يعني قدرته على فك شفرة البورصة بصورة دائمة.
والاختبار الحقيقي يبدأ عندما تواجه السوق صدمة لا تشبه ما تعلمته النماذج من الماضي.
