بقلم: الباز عبدالإله
لم يكن حديث محمد المهدي بنسعيد، وزير الشباب والثقافة والتواصل، عن النموذج الاقتصادي للمقاولات الصحفية مجرد توصيف لأزمة مالية يعيشها القطاع، بل عكس تصوراً واضحاً لمستقبل الصحافة يقوم على مؤسسات كبيرة ومندمجة، قادرة على تشغيل عشرات أو مئات الصحافيين وتقليص اعتمادها على الدعم العمومي.
غير أن هذا التصور، مهما بدا منطقياً من حيث المبدأ، يثير سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للمقاولات الصحفية الصغيرة أن تكبر، بينما يظل الإشهار، وهو المورد الأساسي لتمويل الإعلام، محكوماً بسوق تفتقر إلى قواعد واضحة وشفافة تضمن تكافؤ الفرص بين مختلف المنابر؟
وبحسب ما أورده موقع «العمق» في مادة منشورة يوم 13 يوليوز 2026، استناداً إلى تقرير لجنة التعليم والثقافة والاتصال بمجلس النواب، تعود تصريحات بنسعيد إلى مناقشة مشروع القانون رقم 27.25 المتعلق بتغيير وتتميم النظام الأساسي للصحافيين المهنيين، الذي قدمه الوزير أمام اللجنة يوم 9 يوليوز 2025.
وأكد بنسعيد أن دعم المقاولة الصحفية «لا نقاش حوله»، لكنه شدد على أن الاستثناء لا ينبغي أن يتحول إلى قاعدة دائمة، داعياً المؤسسات الإعلامية إلى تطوير نماذجها الاقتصادية، ومواكبة التحولات الرقمية، وتقليص الارتهان للدعم العمومي.
واعتبر الوزير أن المقاولة التي تشتغل بخمسة صحافيين يصعب أن تضمن استدامتها، داعياً إلى تشجيع اندماج المؤسسات الإعلامية وتكوين مقاولات كبرى قادرة على تشغيل المئات من الصحافيين، بما يعزز قدرتها، وفق تصوره، على الاستمرار والدفاع عن القضايا الوطنية.
غير أن مطالبة المقاولات الصغيرة بالاستقلال عن الدعم تظل غير مكتملة ما لم تقترن بإعادة تنظيم حقيقية لسوق الإشهار، لأن المؤسسات الإعلامية لا تنمو بالخطابات، بل بمداخيل قارة تمكنها من أداء الأجور، والتصريح بالعاملين، وتوسيع فرق التحرير، والاستثمار في التكنولوجيا والإنتاج الصحفي.
الوزير نفسه كشف أن قطاع الإعلام فقد نحو 250 مليون درهم من مداخيله الإشهارية، وأن هذه الخسارة طالت القناة الثانية والصحافة الورقية ومؤسسات إعلامية أخرى.
كما أشار إلى أن المناظرة الوطنية للإعلام أوصت بإرساء إطار قانوني ينظم الاستفادة من الإشهار، في ظل غياب قواعد واضحة تؤطر هذا المورد الحيوي.
يضع هذا الاعتراف الخطاب الحكومي أمام مفارقة صريحة. فمن جهة، تطالب الوزارة المقاولات الصحفية بأن تستثمر، وتوظف، وتندمج، وترفع رقم معاملاتها.
ومن جهة أخرى، ما تزال قواعد توزيع الإشهار، ولا سيما العمومي وشبه العمومي، غير واضحة بما يكفي لمعرفة الجهات المستفيدة، والمبالغ الموجهة إليها، والمعايير المعتمدة في اختيار المنابر.
كيف يمكن لمنبر صغير أو جهوي أو مستقل أن يرفع رقم معاملاته إذا ظل وصوله إلى الإشهار خاضعاً لموازين القوة داخل السوق؟ وكيف يمكنه تشغيل عشرات الصحافيين إذا كان يجد صعوبة في الوصول إلى المورد الذي يعتبره الوزير نفسه المصدر الأساسي لتمويل المقاولة الإعلامية؟
الأكثر إثارة للنقاش في كلام بنسعيد هو ربطه صعوبة الاستدامة بالمقاولة التي تشتغل بخمسة صحافيين، مقابل دعوته إلى الاندماج وتأسيس مؤسسات إعلامية كبيرة.
لا خلاف على أن جزءاً من المشهد الإعلامي يعاني اختلالات مهنية ومالية، وأن بعض المواقع لا تتوفر على الحد الأدنى من مقومات المقاولة الصحفية الحقيقية.
لكن اعتماد حجم المؤسسة وعدد العاملين مؤشراً ضمنياً على القوة أو الجدارة قد يفتح الباب أمام تصور يساوي بين الحجم والجودة.
المقاولة الصغيرة ليست بالضرورة مقاولة ضعيفة أو غير مهنية. فقد تكون منصة متخصصة أو جهوية أو استقصائية تنتج محتوى مؤثراً بموارد محدودة.
كما أن الحجم الكبير لا يضمن، في حد ذاته، جودة المحتوى أو استقلال الخط التحريري أو احترام الحقوق الاجتماعية والمهنية للصحافيين.
أما الاندماج الذي يدعو إليه الوزير، فقد يشكل حلاً اقتصادياً لبعض المؤسسات، لكنه قد يتحول أيضاً إلى آلية لتركيز السوق الإعلامية في يد عدد محدود من الفاعلين القادرين على الوصول إلى الدعم والإشهار والاستثمار، مقابل تضييق مساحة التعدد والتنوع داخل المشهد الصحفي.
المشكل لا يكمن في وجود مؤسسات إعلامية كبرى، فالمغرب يحتاج بالفعل إلى مقاولات قوية وقادرة على الاستثمار والتشغيل ومنافسة المنصات الرقمية الدولية.
الإشكال يبدأ عندما تصبح السياسات العمومية مصممة بطريقة تجعل القوة شرطاً للحصول على مزيد من القوة، بينما يُطلب من المؤسسات الصغيرة أن تكبر من دون تمكينها من الأدوات الضرورية لذلك.
وعندما تُصاغ شروط الدعم بطريقة تمنح الأفضلية لرقم المعاملات، وعدد الأجراء، والقدرة المالية والاستثمارية، تصبح المؤسسات التي تتوفر أصلاً على الموارد هي الأقدر على استيفائها.
أما المقاولة الصغيرة، التي يفترض أن يساعدها الدعم على التطور، فقد تجد نفسها خارج دائرة الاستفادة لأنها لم تصل بعد إلى الحجم المطلوب.
تتحول المعادلة حينها إلى دائرة مغلقة: المؤسسة الكبرى تستفيد من الإشهار لأنها قوية الحضور، فترفع رقم معاملاتها، وتعزز قدرتها على استيفاء شروط الدعم، ثم تزداد قوة.
أما المؤسسة الصغيرة، فتظل محدودة الموارد، ولا تحقق المؤشرات المالية المطلوبة، ثم تُحمّل مسؤولية عدم تطوير نموذجها الاقتصادي.
ولا تتضمن تصريحات بنسعيد، كما نقلها موقع «العمق»، دليلاً مباشراً على وجود توجه لإقصاء المقاولات المنتقدة للحكومة.
غير أن غياب الشفافية الكاملة في توزيع الإشهار والدعم يترك المجال مفتوحاً أمام التساؤلات، خصوصاً في غياب نشر دوري ومفصل لقوائم المستفيدين، والمبالغ الممنوحة، والمعايير المعتمدة.
الاستقلال التحريري لا تحميه النصوص القانونية وحدها، بل يحتاج أيضاً إلى عدالة اقتصادية تحول دون استعمال التمويل والإشهار وسيلة لتقوية منابر وإضعاف أخرى.
قبل مطالبة المقاولات الصحفية الصغيرة بالاندماج، أو رفع رقم معاملاتها، أو توسيع طواقمها، يتعين على الوزارة توضيح كيفية توزيع الإشهار العمومي، والمعايير المعتمدة في اختيار المستفيدين، ومدى حضور مؤشرات الجودة والانتشار والتأثير والتنوع المجالي والتحريري ضمن هذه المعايير.
كما يتعين توضيح ما إذا كانت الصحافة الجهوية والمستقلة والمتخصصة تتوفر فعلاً على فرص عادلة للنمو، أم إن حجم المؤسسة وشبكة علاقاتها يظلان العاملين الأكثر حسماً في الوصول إلى الموارد.
إصلاح الصحافة لا يعني الإبقاء على مقاولات صورية تعيش حصراً على الدعم العمومي، لكنه لا يتحقق أيضاً بتجفيف موارد المؤسسات الصغيرة، ثم مطالبتها بأن تتحول إلى مجموعات إعلامية كبرى.
الإصلاح يبدأ بقواعد شفافة للإشهار، ونشر قوائم المستفيدين والمبالغ، وإقرار معايير عادلة تراعي الجودة والتشغيل والانتشار والتنوع، إلى جانب دعم استثماري يتيح للمقاولات الصغيرة التحول الرقمي وتوسيع فرقها، بدل معاقبتها لأنها لم تكبر بعد.
أما بناء خريطة إعلامية لا مكان فيها إلا للمؤسسات الضخمة، فقد ينتج مقاولات أقوى مالياً، لكنه قد يجعل الصحافة أقل تعدداً وأكثر تمركزاً، ويحوّل إصلاح النموذج الاقتصادي من فرصة لتقوية القطاع إلى عملية لإعادة رسمه على مقاس الكبار.
