بقلم: الباز عبدالإله
كشفت مصادر إعلامية، استناداً إلى جواب كتابي لفوزي لقجع، الوزير المنتدب لدى وزيرة الاقتصاد والمالية المكلف بالميزانية، عن انتقال مرتقب في تدبير الدعم الاجتماعي المباشر، من منطق الإعانة إلى ما تصفه الحكومة بالتمكين الاقتصادي والاجتماعي، عبر برامج تجريبية ستُختبر على آلاف الأسر قبل اتخاذ قرار بشأن تعميمها.
وتبدو الفكرة، من حيث المبدأ، منسجمة مع الحاجة إلى إخراج الأسر من دائرة الاعتماد الدائم على الدعم، غير أن التفاصيل التي قدمها لقجع، وما تكشفه وثائق الوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي، تفتح نقاشاً أوسع حول حدود التجريب في السياسات الاجتماعية، وحقوق المواطنين المشاركين، وهوية الخبراء المشرفين، والكلفة الفعلية لهذه البرامج.
لقجع أكد أن الدعم الاجتماعي المباشر لا ينبغي أن يتحول إلى غاية نهائية، بل إلى آلية انتقالية تسمح للأسر بالاندماج في سوق الشغل والمساهمة في خلق القيمة، مشيراً إلى أن دراسات ميدانية أظهرت استعداد نسبة مهمة من المستفيدين للبحث عن عمل أو تطوير أنشطة مدرة للدخل.
غير أن ترجمة هذا التصور ستنطلق من إقليم الجديدة، الذي تحول، وفق التعبير الرسمي، إلى «مختبر للابتكار الاجتماعي»، ستُجرّب داخله برامج مرتبطة بالتشغيل ومحاربة الهدر المدرسي، قبل قياس أثرها واتخاذ قرار بشأن توسيعها إلى باقي مناطق المغرب.
وبحسب جواب لقجع كما نقلته المصادر الإعلامية، سيشمل برنامج «Pass Inclusion» ما مجموعه 2820 شخصاً موزعين على مجموعات للمعالجة والمراقبة، بينما سيستهدف برنامج «Tous à l’école» نحو 2500 طفل بالوسط القروي.
أما التقرير السنوي للوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي، فيورد أرقاماً أكثر تفصيلاً، إذ يتحدث عن 1410 أسر مرتبطة بالحوافز المخصصة للتشغيل، وعن 1250 أسرة ستستفيد من زيادات مالية مرتبطة باستمرار الأطفال في الدراسة.
ويشير الفرق بين الأرقام إلى أن جميع المشاركين لن يستفيدوا بالضرورة من الإجراءات نفسها، لأن تصميم التجربة يقوم على توزيع الأسر بين مجموعات تتلقى أشكالاً مختلفة من المواكبة، ومجموعات للمراقبة أو المقارنة يُقاس على أساسها أثر الحوافز.
في محور التشغيل، تشمل الإجراءات المقترحة منحاً تحفيزية، وخدمات لرعاية الأطفال، والإبقاء المؤقت على بعض المساعدات، ومواكبة فردية للمستفيدين، إلى جانب ضمانات مرتبطة بعدم فقدان الحقوق الاجتماعية فور الولوج إلى العمل المهيكل.
أما تجربة محاربة الهدر المدرسي، فتعتمد على منحة شهرية قدرها 100 درهم، تستهدف الفتيات في السنة السادسة ابتدائي والفتيان في السنة الأولى إعدادي بالمجال القروي، باعتبارهما من الفئات الأكثر عرضة للانقطاع عن الدراسة.
اختبار نجاعة البرامج قبل تعميمها قد يساعد على تفادي هدر المال العام، ويتيح تحديد التدخلات الأكثر تأثيراً. لكن التجريب حين يرتبط بأسر في وضعية هشاشة، وبمداخيلها وحقوقها الاجتماعية وتعليم أطفالها، لا يمكن اختزاله في جداول تقنية ومؤشرات إحصائية.
هل جرى إخبار الأسر بوضوح بأنها ستشارك في تجربة اجتماعية تمتد عامين؟ وهل تعرف كل أسرة طبيعة المجموعة التي أُدرجت ضمنها، وما إذا كانت ستحصل على الحوافز أو ستشكل جزءاً من مجموعة المراقبة؟
وهل يستطيع المواطن رفض المشاركة أو الانسحاب منها دون أن يتأثر حقه الأصلي في الدعم؟ وما الضمانات الموضوعة لحماية المعطيات الشخصية والاجتماعية والتعليمية للأسر والأطفال المشاركين؟
هذه ليست أسئلة شكلية، لأن الفارق بين مجموعة تستفيد من دعم إضافي وأخرى لا تستفيد منه قد تكون له آثار مباشرة على دخل الأسرة واستقرارها واستمرار أبنائها في الدراسة.
المواطن الهش ليس مجرد رقم داخل نموذج لتقييم الأثر، كما أن حاجته إلى الدعم لا ينبغي أن تتحول إلى سبب لإضعاف قدرته على الاعتراض أو المطالبة بالتوضيح.
وتزداد الحاجة إلى الشفافية بالنظر إلى أن منظومة الاستهداف نفسها لم تُغلق بعد ملف أخطائها واختلالاتها.
ففي ماي 2024، أقر لقجع بأن نظام الاستهداف لا يمكن أن يبلغ الكمال، مستعملاً عبارة «الكمال لله»، بعدما أثارت حالات إقصاء أسر من الدعم بسبب المؤشر الاجتماعي الموحد موجة من الانتقادات.
وفي دجنبر 2025، عاد الوزير ليؤكد أن معادلة التنقيط تحتاج إلى أن «تتغير وتتطور وتصحح»، بما يعني أن الأداة التي تقرر من يستفيد من الدعم ومن يُحرم منه لم تصل بعد إلى مستوى الدقة والاستقرار المطلوبين.
وبحسب ما نقلته وسائل إعلام عن مداخلة للقجع داخل لجنة المالية بمجلس النواب في يونيو 2026، تحدث الوزير عن هامش للخطأ قد يشمل ألفاً أو خمسة آلاف حالة، مستعملاً عبارة «الله يسامح»، كما أبدى استعداد الحكومة لمراجعة بعض المعايير، ومنها معيار الهاتف، إذا ثبت أنه يحرم أسراً مستحقة من الاستفادة.
لكن الأسرة التي تفقد الدعم بسبب مؤشر غير دقيق لا تواجه مجرد خطأ تقني قابل للتصحيح لاحقاً، بل تتحمل أثراً فورياً يمس الغذاء والدواء والتمدرس والقدرة على تدبير المصاريف اليومية.
ولا يمكن التعامل مع آلاف الحالات باعتبارها هامشاً مقبولاً داخل نظام اجتماعي، لأن الخطأ حين يقع في برنامج يستهدف الفقر لا يُقاس فقط بنسبة الدقة، بل بالثمن الإنساني الذي تؤديه الأسر المقصية.
المفارقة الأخرى أن التصريح بالعمل لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي قد يؤدي إلى فقدان بعض الأسر للدعم، وهو ما دفع الحكومة إلى إحداث آليات انتقالية تضمن استمرار الإعانة لفترة محددة بعد الولوج إلى العمل المصرح به.
وحده هذا الإجراء يكشف أن المشكلة لم تكن دائماً في غياب رغبة المستفيدين في العمل، بل أيضاً في قواعد جعلت الشغل المهيكل قراراً محفوفاً بالمخاطر.
فالأسرة قد تجد نفسها أمام الاختيار بين إعانة محدودة لكنها منتظمة، ووظيفة مؤقتة أو هشة قد تؤدي فوراً إلى حذفها من لائحة المستفيدين، دون ضمان استمرار الدخل أو الاستقرار المهني.
لذلك لا يكفي إعلان الانتقال من «المساعدة» إلى «الاستقلالية الاقتصادية»، ما لم يكن العمل المتاح قادراً فعلاً على حماية الأسرة من العودة إلى الهشاشة.
أما الجانب المالي، فيحتاج بدوره إلى توضيحات أكثر دقة.
وثائق الوكالة تشير إلى دعم بقيمة مليوني يورو مقدم من الاتحاد الأوروبي، يضاف إليه تمويل مشترك قدره 200 ألف يورو من منظمة اليونيسف، في إطار دعم التمثيلية الترابية النموذجية بالجديدة.
كما أدرجت الوكالة ضمن ميزانية الاستثمار لسنة 2026 اعتماداً يبلغ 11.20 مليون درهم تحت بند مرتبط بتجربة الاتحاد الأوروبي واليونيسف وإجراءات مواكبة المستفيدين.
غير أن هذا المبلغ لا يمثل، وفق المعطيات المتاحة، الكلفة الإجمالية للمشروع، بل اعتماداً مرصوداً خلال سنة مالية واحدة، بينما تظل تفاصيل توزيع التمويلات غير معلنة بما يسمح بمعرفة حصة الأسر، وكلفة الدراسات والاستشارات والتجهيزات والتكوين وجمع البيانات والتقييم.
ومن حق الرأي العام أن يعرف كم سيصل مباشرة إلى المستفيدين، وكم سيُخصص للمكاتب والخبراء والدراسات، وما الجهات التي ستستفيد من العقود المرتبطة بالتجربة.
جواب لقجع تحدث عن الاستعانة بـ«خبراء دوليين»، لكن الوثائق المتاحة للعموم لا تقدم أسماء هؤلاء الخبراء، ولا صفاتهم، ولا المؤسسات التي يمثلونها، ولا طبيعة المهام المسندة إليهم، ولا قيمة الأتعاب أو العقود المبرمة معهم.
المعلن هو وجود شراكة مع الاتحاد الأوروبي واليونيسف، لكن الشراكة مع مؤسسات دولية لا تكشف هوية من صمم التجربة، أو وضع منهجية توزيع الأسر بين مجموعات المعالجة والمراقبة، أو سيتولى تقييم نتائجها.
غياب هذه التفاصيل يطرح سؤالاً مشروعاً حول سبب إبراز الصفة الدولية دون الكشف عن هوية الخبراء ومسؤولياتهم، خاصة أن التقرير السنوي نفسه يؤكد توفر الوكالة على كفاءات داخلية، وأن تكوين المرافقين الاجتماعيين أُنجز بمواردها وخبراتها الوطنية.
كما تشارك في المشروع مؤسسات مغربية تملك خبرة مباشرة في التشغيل والتكوين والتعليم والصحة والعمل الاجتماعي، من بينها الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات، ومكتب التكوين المهني، إلى جانب قطاعات حكومية وسلطات محلية وهيئات وطنية.
فأين يقف الخبراء المغاربة داخل عملية التصميم والتقييم؟ ومن يملك القرار العلمي النهائي؟ وهل يتعلق الأمر بنقل خبرة دولية إلى المؤسسات الوطنية، أم بإسناد جانب من القرار إلى جهات خارجية دون كشف كافٍ لأدوارها؟
الاستعانة بالخبرة الدولية ليست موضع اعتراض في حد ذاتها، لكنها لا يمكن أن تتحول إلى صفة فضفاضة تُستخدم لمنح المشروع شرعية تقنية دون كشف الأسماء والعقود والكلفة ومنهجية العمل.
المغرب يتوفر على باحثين وخبراء في الاقتصاد الاجتماعي والتربية والتشغيل والإحصاء وتقييم السياسات العمومية، ومن حق الرأي العام معرفة موقعهم داخل مشروع يمس آلاف الأسر المغربية.
المشكلة ليست في أن تختبر الحكومة برنامجاً قبل تعميمه، بل في أن يجري التجريب على مواطنين هشين دون نشر بروتوكول واضح يحدد حقوقهم، وطريقة اختيارهم، والضمانات التي تحميهم، والفارق بين من يحصل على الحوافز ومن يوضع داخل مجموعة المراقبة.
قبل أن تُطالب الأسر بإثبات استعدادها للعمل، على الحكومة أن تثبت استعدادها للشفافية.
وقبل أن تضع المواطنين داخل مجموعات للمعالجة والمراقبة، عليها أن تضع التمويلات والخبراء والعقود والمنهجية تحت مراقبة الرأي العام.
الفقر ليس مختبراً مفتوحاً، والمواطن ليس عينة صامتة. وإذا أرادت الحكومة اختبار قدرتها على تحويل الدعم إلى تمكين، فإن الاختبار الحقيقي يبدأ بكشف من يقرر، ومن يمول، ومن يستفيد، ومن يتحمل كلفة الخطأ.
