لم تُغلق قضية لجنة تقصي الحقائق حول استيراد الأغنام والدعم العمومي الموجه للقطاع بقرار مؤسساتي واضح، ولا بتصويت يحسم المواقف، ولا بتقرير يكشف الوقائع أمام الرأي العام. انتهت إلى الصمت، بعدما تحولت من معركة سياسية صاخبة إلى ملف بلا لجنة، وبلا تحقيق، وبلا أجوبة.
تسابقت أحزاب من الأغلبية والمعارضة، على مدى أيام، إلى إصدار البلاغات ورفع سقف التصريحات، وقُدمت المبادرة للمغاربة باعتبارها خطوة وشيكة لكشف المستفيدين، وفحص شروط الاستيراد، وتحديد أثر الأموال العمومية على أسعار اللحوم وقدرة الأسر على اقتنائها.
تابع المواطن الجدل على أساس أن البرلمان يستعد لفتح ملف رقابي جدي، لا للدخول في جولة إضافية من تبادل الاتهامات وتسجيل النقاط. غير أن التطورات أظهرت أن المسافة بين حرارة الخطاب والقدرة على تحويله إلى مسطرة مؤسساتية كانت أوسع مما أوحت به المواقف المعلنة.
لم تُحدث اللجنة، ولم تنطلق أعمال التحقيق، ولم تُعرض الوثائق التي انتظرها الرأي العام. ولم يقدم أي طرف رواية متكاملة تشرح كيف سقطت المبادرة، ومن يتحمل مسؤولية تعطيلها أو التفريط فيها.
لا يتعلق الأمر فقط بتعثر إجراء برلماني، بل بطريقة إدارة توقعات المواطنين فعندما تُسوّق مبادرة سياسية باعتبارها معركة لكشف الحقيقة، ثم تختفي من دون نتيجة، يصبح التساؤل مشروعاً حول ما إذا كان الهدف فعلاً هو الوصول إلى الحقيقة، أم استثمار الغضب الاجتماعي في مواجهة حزبية قصيرة العمر.
كان الفاعلون المعنيون يعلمون أن تشكيل لجنة لتقصي الحقائق يتطلب شروطاً دستورية وإجرائية محددة، وتوقيعات كافية، وتنسيقاً سياسياً، وزمناً يسمح بجمع المعطيات وإنجاز التقرير.
ومع ذلك، استمر الخطاب كما لو أن اللجنة أصبحت أمراً واقعاً، قبل أن يتبين أن التوافقات المعلنة لم تكن كافية لإخراجها إلى الوجود.
لو كانت الأحزاب المؤيدة للمبادرة جادة في موقفها، لكان من المفترض أن تترجمه إلى توقيعات وإجراءات رسمية داخل مجلس النواب.
ولو كانت الأطراف الرافضة ترى أن الزمن المتبقي من الولاية التشريعية لا يسمح بإنجاز المهمة، لكان عليها إعلان ذلك بوضوح منذ البداية، لا بعد رفع سقف انتظار الرأي العام.
أما إعلان الدعم، ثم ترك المبادرة تضيع وسط خلافات حول الاجتماعات والتنسيق والتوقيت، فلا يعكس فقط ضعفاً في التدبير السياسي، بل يكشف خفة مقلقة في التعامل مع ثقة المواطنين.
لا يعني المواطن كثيراً من دعا إلى الاجتماع، ومن لم يتوصل بالدعوة، ومن حضر، ومن غاب. ما يعنيه أن ملفاً يرتبط بالمال العام وبأسعار اللحوم انتهى دون جواب يقنعه بأن المؤسسات مارست دورها الرقابي كاملاً.
الأغلبية لم تقدم ما يكفي لإغلاق باب الشكوك، والمعارضة لم تنجح في تحويل احتجاجها إلى نتيجة مؤسساتية. وبين الطرفين، بدا أن الجميع حريص على تسجيل موقفه، فيما غاب الاستعداد نفسه لتحمل كلفة الوصول بالملف إلى نهايته.
المعارك السياسية لا تُقاس بعدد البلاغات ولا بحدة التصريحات، بل بقدرتها على إنتاج الوثائق وكشف الأرقام وترتيب المسؤوليات.
وحين ينتهي ملف بهذا الحجم إلى فراغ كامل، يتحول الخطاب نفسه إلى جزء من الأزمة.
تعمق هذه النهاية شعوراً متزايداً لدى المواطنين بأن بعض القضايا تُفتح حين تكون قابلة للاستهلاك الإعلامي، ثم تُغلق بمجرد أن تصبح المحاسبة جدية، وتحتاج إلى توقيعات واضحة والتزامات مؤسساتية وكشف فعلي للمعطيات.
لا يمكن الجزم بأن الأحزاب تعمدت تضليل المغاربة، لكن طريقة إدارة الملف منحت المواطن كل الأسباب ليشعر بأنه استُدعي لمتابعة معركة لم تكن شروطها مكتملة، وأن غضبه استُعمل لرفع حرارة الصراع قبل أن يُترك وحده أمام حصيلة منعدمة.
كان من حق المغاربة معرفة من استفاد من الدعم، وما معايير الاستفادة، وما حجم الكميات المستوردة، وهل انعكست التدابير على الأسعار، ومن راقب العملية من بدايتها إلى نهايتها.
بدلاً من ذلك، حصلوا على عناوين كبيرة، ووعود بالتحقيق، ومواقف متضاربة، ثم صمت سياسي جماعي.
سقطت اللجنة قبل أن تولد، لكن الذي تضرر ليس مجرد مبادرة برلمانية، الذي تلقى ضربة جديدة هو ما تبقى من الثقة بين المواطن والسياسة، بعدما انتهى من طالب بالتحقيق ومن رفضه إلى النتيجة نفسها: لا حقيقة ظهرت، ولا مسؤولية ترتبت، ولا أحد خرج ليشرح للمغاربة لماذا انتهت المعركة قبل أن تبدأ.
