وضع رشيد حموني، رئيس فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، حصيلة خمس سنوات من تدبير حكومة عزيز أخنوش تحت مجهر النقد، معتبراً أن الأغلبية الواسعة التي أفرزتها انتخابات 2021 لم تنتج توازناً مؤسساتياً أو نقاشاً سياسياً أكثر نضجاً، بقدر ما كرست، وفق تعبيره، منطق الاحتكام إلى العدد داخل البرلمان.
وقال حموني، خلال لقاء نظمته مؤسسة الفقيه التطواني بمدينة سلا، مساء الثلاثاء 14 يوليوز 2026، حول موضوع «خمس سنوات من الأغلبية والمعارضة… ماذا ربح المغرب سياسياً ومؤسساتياً؟»، إن الحكومة الحالية وُلدت في ظروف وصفها بـ«غير الطبيعية»، وأفرزت برلماناً يفتقد إلى التوازن بين أغلبية مريحة ومعارضة محدودة العدد.
وأوضح أن القوة العددية التي تمتلكها أحزاب الأغلبية لم تتحول إلى رافعة للنقاش الديمقراطي أو إلى وسيلة لتجويد العمل التشريعي، بل استُعملت، في محطات عدة، لتمرير القوانين وإسقاط مبادرات المعارضة دون منحها ما تستحقه من نقاش سياسي ومؤسساتي.
وشدد رئيس الفريق النيابي لحزب التقدم والاشتراكية على أن الديمقراطية لا تختزل في امتلاك الأغلبية اللازمة للتصويت، بل تقوم على الإنصات لمختلف فئات المجتمع، والتفاعل مع مطالبها، واستباق الأزمات الاجتماعية قبل تحولها إلى احتجاجات مفتوحة.
واستحضر حموني، في هذا السياق، مقترح قانون تقدمت به المعارضة لمنع بيع السجائر للقاصرين، قائلاً إن مناقشته داخل اللجنة أظهرت اقتناعاً واسعاً بأهميته، قبل أن تنتهي العملية التشريعية بتصويت الأغلبية ضده.
واعتبر أن هذه الواقعة تكشف إحدى مفارقات العمل البرلماني خلال الولاية الحالية، حيث قد يلقى مقترح معين قبولاً خلال المناقشة، ثم يسقط لحظة التصويت، بما يطرح، بحسبه، سؤال استقلالية القرار البرلماني وحدود تأثير الانضباط الحزبي في المواقف التشريعية.
وانتقد حموني الخطاب الذي تروج له الحكومة حول حصيلتها، معتبراً أنه يقدم صورة إيجابية لا تنسجم دائماً مع الواقع الذي يعيشه المواطن في مجالات الأسعار والصحة والتعليم والخدمات العمومية.
وقال إن اتساع الفجوة بين الأرقام المعلنة والنتائج الملموسة يضعف الثقة في السياسة والمؤسسات، لأن المواطن لا يقيس أداء الحكومة بحجم الميزانيات المرصودة، وإنما بما تغير فعلياً في حياته اليومية.
وأقر بأن الحكومة رفعت الاعتمادات المخصصة للاستثمار والصحة والتعليم، لكنه تساءل عن أثر هذه الزيادات على جودة الخدمات، وعن جدوى الإعلان عن ميزانيات أكبر إذا ظل المواطن يواجه الصعوبات نفسها عند ولوج المستشفيات، وإذا لم تنعكس النفقات الإضافية على مستوى المدرسة العمومية.
ورأى أن المال العمومي لا يكتسب قيمته بمجرد رصده في القوانين المالية، بل بقدرته على إنتاج نتائج قابلة للقياس، محذراً من أن غياب التقييم وربط المسؤولية بالمحاسبة قد يحول الإنفاق إلى عبء دون أثر حقيقي.
وانتقل حموني إلى وضعية الرقابة البرلمانية، معتبراً أن التفاوت العددي الكبير بين الأغلبية والمعارضة جعل الأخيرة عاجزة، في بعض الملفات، عن بلوغ النصاب المطلوب لتفعيل آليات دستورية من قبيل لجان تقصي الحقائق.
كما اتهم بعض القطاعات الحكومية بعدم التعاون الكافي مع المهام الاستطلاعية، سواء عبر عدم توفير الوثائق والمعطيات المطلوبة أو بسبب غياب بعض الوزراء عن جلسات الاستماع، مؤكداً أن هذه الممارسات تحد من قدرة البرلمان على ممارسة رقابته بشكل فعلي.
ووجه انتقادات مباشرة إلى مستوى التفاعل الحكومي داخل المؤسسة التشريعية، قائلاً إن بعض الوزراء يحضرون إلى البرلمان بأجوبة مكتوبة، دون قدرة كافية على مناقشة تعقيبات النواب أو التفاعل مع الأسئلة الخارجة عن النصوص المعدة مسبقاً.
وتساءل حموني عن موقع النقاش السياسي الحقيقي عندما تتحول الجلسات إلى تلاوة أوراق جاهزة، بدل أن تكون فضاءً للمواجهة بالحجج وتقديم التوضيحات وتحمل المسؤولية أمام ممثلي الأمة.
وأشار إلى أن المعارضة تقدمت بمقترحات مرتبطة بتسقيف الأسعار ومحاربة الوسطاء، مؤكداً أنها لا ترتب أعباء مباشرة على ميزانية الدولة، ومع ذلك لم تجد طريقها إلى المناقشة الجدية أو التبني من طرف الحكومة وأغلبيتها.
واعتبر أن ضعف المعارضة عددياً لم يمنعها من فرض نقاش عمومي حول عدد من الملفات الاجتماعية والاقتصادية، مشدداً على أن قوة المعارضة لا تقاس فقط بعدد مقاعدها، بل بقدرتها على مراقبة الحكومة وكشف الاختلالات وتقديم البدائل.
وحمّل حموني مختلف مكونات المشهد السياسي نصيباً من مسؤولية تراجع الثقة في المؤسسات، لكنه شدد على أن المسؤولية الأكبر تقع على من يملك القرار والأغلبية والميزانيات، دون أن ينجح، وفق تقييمه، في تحويلها إلى أثر واضح يلمسه المغاربة.
