كشفت أحدث مراجعة مشتركة لمنظمة الصحة العالمية ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف»، الصادرة أمس الأربعاء 15 يوليوز 2026 ضمن تقديرات التغطية الوطنية بالتلقيح لسنة 2025، عن مفارقة داخل منظومة التلقيح بالمغرب: تغطية مرتفعة لعدد من اللقاحات الأساسية، مقابل فجوة حادة بين الرقم الرسمي المغربي والتقدير الأممي الخاص بجرعة التهاب الكبد الفيروسي «B» المقدمة خلال الساعات الأربع والعشرين الأولى بعد الولادة، إلى جانب غياب بيانات تغطية لقاح فيروس الورم الحليمي البشري «HPV» برسم سنة 2025 عن التقرير الإلكتروني المشترك والمراجعة الدولية.
الوثائق المنشورة ضمن المراجعة لا تتحدث عن انهيار شامل للبرنامج الوطني، لكنها تضع جودة المعطيات، ودقة مصادرها، وطريقة تجميعها بين القطاعين العام والخاص تحت المجهر، بعدما كشفت فرقاً واسعاً بين النسبة التي أعلنتها السلطات المغربية والتقدير الذي اعتمدته المؤسستان الأمميتان استناداً إلى البيانات المتوفرة والقابلة للتحقق.
أبرز الأرقام يتعلق بجرعة لقاح التهاب الكبد الفيروسي «B» التي يفترض إعطاؤها للمولود خلال 24 ساعة من الولادة.
فقد قدرت منظمة الصحة العالمية واليونيسف تغطية هذه الجرعة في المغرب بـ37 في المائة خلال سنة 2024، واعتمدتا النسبة نفسها تقديراً لسنة 2025، في انتظار معطيات ميدانية جديدة ومكتملة.
لا يعني هذا الرقم أن 63 في المائة من الأطفال المغاربة لم يتلقوا أي لقاح ضد التهاب الكبد الفيروسي، كما لا يتعلق بالجرعات اللاحقة المدرجة ضمن الجدول الوطني للتلقيح.
المؤشر يقيس حصراً نسبة المواليد الذين حصلوا على الجرعة الأولى خلال الساعات الأربع والعشرين الأولى، وهي المدة التي تعتمدها المؤسستان لتعريف «جرعة الولادة».
المفارقة تبدأ عند مقارنة هذا التقدير بالرقم الرسمي المغربي الخاص بسنة 2024، والمحدد في 80 في المائة.
منظمة الصحة العالمية واليونيسف لم تعتمدا هذه النسبة ضمن تقديرهما النهائي، بعدما اعتبرتا أن البيانات المتاحة لا تسمح بتأكيدها على مستوى مجموع الولادات المسجلة وطنياً.
وأوضحت المراجعة أن تقارير البرنامج الوطني سجلت تغطية إدارية بلغت 67 في المائة داخل جزء يمثل 55 في المائة من الفئة المستهدفة، قبل إعادة تقييم النسبة قياساً إلى مجموع المواليد المعنيين وطنياً.
كما أشارت إلى أن البيانات المتوفرة ترتبط أساساً بالولادات المسجلة داخل القطاع العام، بينما لا تمثل هذه الولادات، وفق المعطيات التي اعتمدتها المؤسستان، سوى 32 في المائة من مجموع الولادات بالمملكة.
الأكثر حساسية في الوثيقة هو تسجيل غياب نظام معلومات وطني يسمح بالتقاط الجرعات المقدمة داخل المستشفيات والمصحات الخاصة.
ورغم أن الرقم الرسمي المغربي يتضمن تقديراً للقاحات المقدمة في القطاع الخاص، اعتبرت المؤسستان أن المعطيات المتوفرة لا تكفي لاعتماد نسبة 80 في المائة، وقدرتا التغطية القابلة للإسناد إلى البيانات الحالية في 37 في المائة.
المشكلة، بناء على الوثيقة، لا تكمن بالضرورة في عدم تقديم اللقاح داخل القطاع الخاص، بل في غياب سجل وطني موحد يسمح بمعرفة عدد الجرعات المقدمة فعلاً، وتاريخ تقديمها، والفئات التي استفادت منها.
وقد تكون جرعات إضافية قد أُعطيت داخل المصحات الخاصة من دون أن تنتقل تفاصيلها إلى منظومة التتبع، كما قد تكون بعض الأرقام الرسمية مبنية جزئياً على تقديرات لا تسندها سجلات فردية قابلة للتحقق.
يضع هذا الوضع المغرب أمام سؤال يتجاوز توفر اللقاح داخل المؤسسات الصحية إلى القدرة على إثبات وصوله إلى المستفيدين في الوقت المحدد. فحين تعلن الإدارة نسبة 80 في المائة، بينما تعتمد منظمتان أمميتان تقديراً في حدود 37 في المائة، يصبح الخلاف حول مصدر الرقم ومنهج احتسابه جزءاً من جوهر السياسة الصحية نفسها.
تقدير سنة 2025 لم يُبن بدوره على قياس ميداني مستقل ومكتمل، بل جرى تمديد تقدير السنة السابقة.
وأوضحت منظمة الصحة العالمية واليونيسف أنهما على علم بالبحث الوطني متعدد المؤشرات الجاري إنجازه خلال سنتي 2025 و2026، وأنهما تنتظران نتائجه النهائية، فيما صنفتا التقدير الحالي ضمن الحالات التي لا تتوفر بشأنها بيانات تجريبية مقبولة بشكل مباشر.
الفجوة الثانية ترتبط بلقاح فيروس الورم الحليمي البشري «HPV»، الذي أدرجه المغرب في برنامج التلقيح الروتيني لفائدة الفتيات البالغات 11 سنة ابتداء من دجنبر 2021، ضمن جهود الوقاية من سرطان عنق الرحم.
أما الوثيقة الأممية الخاصة بتقديرات تغطية هذا اللقاح، فقد وضعت المغرب ضمن عشر دول قدمت استمارة التقرير الإلكتروني المشترك إلى منظمة الصحة العالمية داخل الآجال المحددة، من دون أن تدرج فيها بيانات تغطية لقاح «HPV» برسم سنة 2025.
وضمت اللائحة، إلى جانب المغرب، كلاً من بوتسوانا والصين وكرواتيا وغيانا والكويت وليبيا وجزر مارشال وصربيا وجنوب إفريقيا.
ولا تعني هذه الملاحظة أن التلقيح توقف داخل هذه الدول، كما لا تثبت غياب بيانات وطنية خارج الاستمارة، بل تؤكد فقط أن أرقام التغطية الخاصة بالسنة المعنية لم تُدرج في التقرير الإلكتروني المشترك الذي اعتمدته المراجعة الدولية.
غياب النسبة المغربية يظل ذا دلالة، لأن قياس التغطية هو الأداة التي تسمح بتحديد مدى وصول البرنامج إلى الفتيات المستهدفات، ورصد الفوارق بين المدن والقرى والجهات ومؤسسات التعليم العمومي والخصوصي.
إدراج اللقاح في الجدول الوطني يمثل قراراً صحياً مهماً، لكن تقييم أثره يظل ناقصاً عندما تغيب بيانات سنة كاملة عن التقرير الدولي المعتمد.
الصورة التي تقدمها الوثائق ليست سلبية بالكامل، فقد قدرت المؤسستان تغطية الجرعة الثالثة من لقاح الدفتيريا والكزاز والسعال الديكي بـ96 في المائة خلال سنة 2025، والجرعة الثالثة من لقاح التهاب الكبد «B» بالنسبة نفسها، فيما بلغت تقديرات الجرعتين الأولى والثانية من لقاح الحصبة 98 في المائة لكل واحدة منهما.
تحول هذه الأرقام دون قراءة المراجعة باعتبارها دليلاً على انهيار البرنامج الوطني للتلقيح، لكنها لا تلغي وجود مؤشرات أخرى تستحق التفسير، من بينها تراجع تقدير الجرعة النهائية من لقاح المكورات الرئوية من 98 في المائة سنة 2022 إلى 88 في المائة سنة 2023، ثم إلى 77 في المائة خلال سنتي 2024 و2025.
حتى هذا التراجع تحيط به إشكالات مرتبطة بجودة البيانات فقد أوضحت الوثيقة أن الأرقام الإدارية لسنة 2023 المتعلقة بلقاح المكورات الرئوية أظهرت هبوطاً غير عادي من 98 إلى 3 في المائة، بالتزامن مع تغيير الجدول من ثلاث إلى أربع جرعات.
لذلك استبعدت المؤسستان هذه المعطيات واعتمدتا تقديراً معدلاً في حدود 88 في المائة، قبل اعتماد الرقم الرسمي لسنة 2024، البالغ 77 في المائة، وتمديده تقديرياً إلى سنة 2025 في انتظار نتائج البحث الوطني.
تكشف المراجعة أن التحدي لا يقتصر على إيصال اللقاحات إلى الأطفال والفتيات، بل يشمل أيضاً بناء نظام معلومات صحي قادر على تتبع كل جرعة، مهما كان مكان تقديمها، وربط القطاع العام بالمستشفيات والمصحات الخاصة، وتفسير الفوارق بين الأرقام الإدارية والتقديرات الرسمية والدولية.
تجد وزارة الصحة والحماية الاجتماعية نفسها، تبعاً لذلك، أمام أسئلة لا تقبل التأجيل: لماذا لا تلتقط المنظومة الوطنية جرعات الولادة المقدمة داخل القطاع الخاص؟ وهل تشمل نسبة 80 في المائة جرعات موثقة بسجلات فردية، أم أنها مبنية جزئياً على تقديرات إجمالية؟ وعلى أي أساس جرى احتسابها قبل أن تعتمد المؤسستان الأمميتان تقديراً مختلفاً في حدود 37 في المائة؟ ولماذا غابت بيانات تغطية لقاح «HPV» لسنة 2025 عن التقرير الإلكتروني المشترك، رغم تقديم المغرب استمارته داخل الآجال؟
قوة البرنامج الوطني للتلقيح لا تقاس فقط بعدد الجرعات التي تقتنيها الدولة أو توفرها داخل المراكز الصحية، بل أيضاً بقدرتها على إثبات وصولها إلى المستفيدين، وتحديد الأطفال والفتيات الذين لم تشملهم التغطية، ونشر أرقام موحدة قابلة للتدقيق والدفاع عنها وطنياً ودولياً.
فالفراغ الإحصائي، عندما يتعلق بالصحة الوقائية، لا يبقى مجرد خلل تقني، بل يتحول إلى ثغرة تمس دقة القرار الصحي وتوجيه الميزانيات وتحديد الفئات والمناطق التي تحتاج إلى تدخل عاجل.
