بقلم: الباز عبدالإله
تضع الأرقام الجديدة للمندوبية السامية للتخطيط الحكومة أمام اختبار سياسي لا يمكن حسمه بعدد المستفيدين ولا بحجم الاعتمادات المرصودة في قوانين المالية، بل بما تغيّر فعلياً في حياة الأسر المغربية بعد سنوات من رفع شعار «الدولة الاجتماعية».
صرحت 78,3 في المائة من الأسر بأن مستوى معيشتها تدهور خلال الاثني عشر شهراً الماضية، مقابل 5,2 في المائة فقط اعتبرت أنه تحسن.
كما تتوقع 51 في المائة من الأسر استمرار التدهور خلال السنة المقبلة، بينما لا تتجاوز نسبة المتفائلين بتحسن أوضاعهم 9,3 في المائة.
تكشف هذه المعطيات فجوة يصعب تجاهلها بين الخطاب الحكومي حول توسيع الحماية الاجتماعية، وبين شعور غالبية الأسر بأن أوضاعها المعيشية تسير في الاتجاه المعاكس.
وهي فجوة لا تثبت، في حد ذاتها، فشل كل البرامج الاجتماعية، لكنها تفرض مساءلة دقيقة حول أثرها الحقيقي وجدواها ومدى قدرتها على حماية القدرة الشرائية.
تراجع مؤشر ثقة الأسر خلال الفصل الثاني من سنة 2026 إلى 60,1 نقطة، مقابل 64,4 نقطة خلال الفصل السابق، رغم بقائه أفضل من المستوى المسجل خلال الفترة نفسها من سنة 2025. غير أن المقارنة السنوية الإيجابية لا تلغي الإشارة الأكثر راهنية: الثقة تراجعت بين فصلين، والتشاؤم اتسع بشأن المعيشة والأسعار والادخار وسوق الشغل.
تقدم الحكومة الدعم الاجتماعي المباشر وتعميم التغطية الصحية باعتبارهما من أبرز أوراش ولايتها.
غير أن السؤال الذي تطرحه أرقام المندوبية يتجاوز إطلاق البرامج إلى قياس نتائجها: هل خففت هذه السياسات فعلاً من هشاشة الأسر؟ وهل قلصت حاجتها إلى الاقتراض؟ وهل حسنت قدرتها على مواجهة النفقات الأساسية دون استنزاف مواردها؟
تكشف المعطيات أن 38,7 في المائة من الأسر استنزفت مدخراتها أو لجأت إلى الاقتراض لتغطية مصاريفها، بينما لم تتمكن سوى 2,6 في المائة من ادخار جزء من مداخيلها.
كما بلغ رصيد آراء الأسر بشأن قدرتها على الادخار خلال الاثني عشر شهراً المقبلة ناقص 80,9 نقطة.
لا تمثل هذه الأرقام مجرد صعوبات مالية عابرة، فالأسرة التي تضطر إلى استهلاك مدخراتها لتغطية مصاريفها اليومية تكون قد بدأت في استنزاف خط دفاعها الأخير أمام المرض أو فقدان العمل أو النفقات المفاجئة.
أما اللجوء إلى الاقتراض لتمويل الحاجيات الجارية، فينقل ضغط الحاضر إلى المستقبل ويضيف إلى الغلاء عبء الدين.
يزداد الضغط وضوحاً في أسعار المواد الغذائية، بعدما استقر رصيد آراء الأسر بشأن تطورها خلال السنة الماضية عند ناقص 97 نقطة، بما يعكس شعوراً شبه عام باستمرار ارتفاع كلفة الغذاء.
هنا يظهر الفرق بين تباطؤ التضخم وانخفاض الأسعار. فقد تتراجع وتيرة الزيادة، لكن الأثمان تظل عند مستويات مرتفعة مقارنة بمداخيل الأسر.
لذلك لا تقيس الأسرة وضعها المالي بنسبة التضخم المجردة، بل بما تدفعه عند اقتناء الغذاء، وأداء السكن، والتنقل، والعلاج، وتعليم الأبناء.
تظهر أيضاً حدود أي سياسة اجتماعية تركز على التحويلات المالية بمعزل عن بقية السياسات العمومية.
فالدعم المباشر يظل أداة ضرورية لتخفيف الضغط عن الفئات الهشة، لكنه لا يستطيع وحده تعويض ضعف الدخل، أو ارتفاع كلفة الخدمات، أو اضطراب الأسواق، أو محدودية فرص الشغل.
قد تستفيد الأسرة من تحويل مالي، ثم يتبدد أثره أمام فاتورة العلاج أو النقل أو التعليم أو المواد الأساسية.
وعندها لا يتحول الدعم إلى وسيلة للارتقاء الاجتماعي، بل يبقى تعويضاً جزئياً عن اختلالات لم تعالجها سياسات أخرى.
يمتد القلق إلى سوق الشغل، إذ تتوقع 57,2 في المائة من الأسر ارتفاع البطالة خلال السنة المقبلة، مقابل 18,4 في المائة تتوقع انخفاضها.
ويعكس هذا المؤشر تشاؤماً واسعاً بشأن قدرة الاقتصاد على توفير وظائف مستقرة ودخول منتظمة.
لا يمكن للدعم الاجتماعي، مهما اتسع، أن يحل محل الشغل القار. فالتحويلات قد تخفف الفقر، لكنها لا تبني وحدها استقراراً مالياً دائماً، ولا تمنح الأسر القدرة على الادخار أو التخطيط أو مواجهة الأزمات.
تفرض هذه النتائج على الحكومة مراجعة طريقة عرض حصيلتها. فعدد الملفات المعالجة، وقيمة الاعتمادات المصروفة، ونسب تنفيذ البرامج، تظل مؤشرات على النشاط الإداري والمالي، لكنها لا تكفي لإثبات النجاح الاجتماعي.
تبدأ النجاعة من أسئلة أكثر صرامة: هل انخفضت نسبة الأسر التي تقترض لتغطية نفقاتها؟ هل تحسنت قدرتها على الادخار؟ هل تراجعت حصة الغذاء والعلاج والسكن من دخلها؟ وهل أدت البرامج الاجتماعية إلى تقليص هشاشة المستفيدين بدل الاكتفاء بإدارة آثارها؟
يضع هذا النقاش البرلمان بدوره أمام مسؤوليته الرقابية فمراقبة الحكومة لا ينبغي أن تتوقف عند مناقشة الاعتمادات أو الاستماع إلى عروض الوزراء، بل يفترض أن تشمل تتبع الأثر بعد التنفيذ، ومقارنة الأهداف المعلنة بالنتائج المحققة، وطلب تقييمات مستقلة تكشف ما نجح وما تعثر وما يحتاج إلى مراجعة.
لا تقول معطيات المندوبية إن الأموال اختفت، ولا تمنح حكماً نهائياً على كل ورش اجتماعي.
لكنها تقول بوضوح إن الأثر المعيشي لم يصل، بالقدر الكافي، إلى غالبية الأسر التي ما تزال ترى أن مستوى معيشتها يتراجع.
المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بحجم الإنفاق، بل بقدرة الحكومة على تحويل المال العمومي إلى نتائج ملموسة وقابلة للقياس. فالدولة الاجتماعية لا تُختبر في البلاغات ولا في جداول الميزانية، بل في قدرة الأسرة على تغطية مصاريفها دون دين، وعلى الادخار دون حرمان، وعلى مواجهة المرض والبطالة والغلاء دون السقوط في الهشاشة.
وحين تقول 78,3 في المائة من الأسر إن معيشتها تدهورت، يصبح السؤال السياسي مشروعاً: من يتتبع أثر مليارات «الدولة الاجتماعية»، ومن يحاسب الحكومة عندما تظل الحصيلة المالية بعيدة عن الواقع المعيشي؟
