بقلم: الباز عبدالإله
تضع الحسابات السنوية للمكتب الوطني للصيد زكية الدريوش، كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري، أمام مفارقة سياسية واقتصادية لا تكفي عبارات الحكامة والرقمنة لتفسيرها: حجم المنتجات المسوقة تراجع، وقيمتها الإجمالية انخفضت، بينما ارتفعت أرباح المؤسسة التي تدير شبكة التسويق.
صادق المجلس الإداري للمكتب، المنعقد الثلاثاء 14 يوليوز 2026 برئاسة الدريوش، على نتائج سنة 2025، بعدما بلغ حجم المنتجات المسوقة نحو 1.31 مليون طن، بانخفاض قدره 14 في المائة مقارنة بسنة 2024، فيما تراجعت قيمتها الإجمالية بنسبة 4 في المائة إلى 10.88 مليارات درهم.
في المقابل، أنهى المكتب السنة نفسها بنتيجة صافية ربحية بلغت 21.8 مليون درهم، مسجلاً ارتفاعاً بنسبة 17 في المائة.
لا يتعلق الأمر بمجرد تفاوت محاسبي بين تراجع النشاط وتحسن النتيجة المالية، بل بمعادلة تفتح سؤالاً مباشراً حول مصادر الربحية داخل قطاع تتراجع كمياته المسوقة، ويتحمل مهنيوه كلفة الوقود وتقلب المصطادات، بينما يواجه المستهلك ارتفاع الأسعار واتساع الفارق بين أثمان الميناء وأثمان البيع النهائي.
ارتفاع أرباح المكتب لا يثبت، في حد ذاته، وجود مخالفة أو اختلال مالي.
كما أن الحسابات السنوية حصلت، بحسب المعطيات المعلنة، على شهادة مراقب الحسابات الخارجي دون تحفظ.
لكن سلامة الحسابات لا تعفي المسؤولة الحكومية عن القطاع من واجب التفسير السياسي، ولا تجيب عن السؤال المركزي: كيف ارتفع الربح الصافي للمكتب في سنة فقدت فيها شبكة التسويق 14 في المائة من حجم منتجاتها؟
البلاغ الصادر عقب اجتماع مجلس الإدارة أعلن النتيجة المالية، لكنه لم يقدم تفاصيل تسمح بفهم مصادرها.
لم يكشف تطور مداخيل المكتب، ولا حجم الرسوم والعمولات المحصلة، ولا مستوى نفقات التسيير، ولا ما إذا كانت الزيادة في الأرباح ناتجة عن تقليص المصاريف أو تحسن مردودية الأسواق أو مداخيل غير متكررة.
تقديم رقم الربح دون الكشف عن بنيته يجعل خطاب النجاح ناقصاً، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمؤسسة عمومية توجد في قلب سلسلة اقتصادية تمس مداخيل البحارة، واستمرار النشاط المهني، وأسعار منتوج واسع الاستهلاك يصل إلى موائد المغاربة.
الأرقام المعلنة تكشف أن انخفاض الكميات كان أسرع بكثير من تراجع القيمة.
فقد انخفض الحجم المسوق بنسبة 14 في المائة، في حين لم تتراجع قيمته سوى بـ4 في المائة، ما يعني أن متوسط القيمة التجارية للطن ارتفع مقارنة بالسنة السابقة.
لا يسمح هذا المعطى بالقول إن أسعار جميع أصناف السمك ارتفعت بالنسبة نفسها، لأن المتوسط يتأثر بنوعية المنتجات وتركيبة المصطادات واختلاف مناطق التسويق.
لكنه يؤكد أن تقلص الكميات لم يؤد إلى انخفاض مماثل في القيمة، ويضع توزيع العائدات داخل سلسلة البيع تحت المجهر.
من استفاد من ارتفاع متوسط قيمة الطن؟ وهل انعكس ذلك على مداخيل البحارة والعاملين في الصيد التقليدي والساحلي، أم توزعت الزيادة بين الرسوم والعمولات وهوامش البيع والتوزيع؟
المكتب أرجع تراجع النشاط أساساً إلى انخفاض مفرغات سفن الصيد المجهزة بأنظمة التبريد بالمياه، المعروفة اختصاراً بـRSW، بنسبة 35 في المائة، إلى جانب تراجع مصطادات أسطولي الصيد التقليدي والساحلي.
انخفاض بهذا الحجم لا يمكن التعامل معه باعتباره رقماً تقنياً عابراً داخل بلاغ مؤسساتي.
فهو يطرح أسئلة حول وضع الموارد السمكية، وفعالية مخططات تدبير المصايد، وتأثير التغيرات المناخية ومجهود الصيد، فضلاً عن انعكاس التراجع على البحارة والوحدات الصناعية والأنشطة المرتبطة بالموانئ.
الدريوش ليست مسؤولة عن حركة البحر أو جميع العوامل الطبيعية التي تتحكم في حجم المصطادات، لكنها تتحمل المسؤولية السياسية عن القطاع، وترأست المجلس الإداري الذي صادق على الحسابات واحتفى بتحسن نتائج المؤسسة.
تبدأ المساءلة عندما تتحول النتيجة المالية الإيجابية إلى عنوان للنجاح، دون تقديم قراءة واضحة لأسباب تراجع المفرغات أو آثار ذلك على المهنيين والسوق والمستهلك.
قدم المكتب نمو قيمة الصيد الساحلي بنسبة 3 في المائة باعتباره مؤشراً على متانة النشاط وقدرته على الحفاظ على استدامته.
غير أن ارتفاع القيمة المالية لا يكفي لإثبات الاستدامة، فقد ترتفع قيمة المنتجات نتيجة زيادة الأسعار أو تغير تركيبة المصطادات، حتى عندما تتراجع الكميات أو تتضرر مداخيل فئات من المهنيين.
قياس الاستدامة يقتضي نشر معطيات حول حالة المخزونات السمكية، ومجهود الصيد، ومعدلات تجدد الأنواع، وفترات الراحة البيولوجية، وتطور إنتاجية الأساطيل ومداخيل البحارة، لا الاكتفاء بمؤشرات مالية منفصلة عن الواقع البيئي والاجتماعي للقطاع.
المفارقة تتسع أيضاً أمام إشادة المكتب بتعميم رقمنة عمليات البيع بالمزاد العلني، وتطوير آليات التتبع، وتعزيز الأمن السيبراني.
هذه أوراش ضرورية، لكن قيمتها لا تقاس بعدد المنصات والتجهيزات، بل بقدرتها على ضمان شفافية المزادات، وتحسين السعر الذي يحصل عليه البحار، وتقليص حلقات الوساطة غير المنتجة، والحد من الفارق بين ثمن البيع الأول والثمن الذي يؤديه المستهلك.
سوق السمك بالجملة في الدار البيضاء استحوذ وحده على 62 في المائة من الكميات و60 في المائة من القيمة الإجمالية لمعاملات البيع الثاني.
هذا التركيز يطرح بدوره أسئلة حول مركزية منظومة التوزيع، وعدالة استفادة الجهات من البنيات التسويقية، ومدى تأثير تمركز الجزء الأكبر من المعاملات في سوق واحد على مسارات التزويد والأسعار وهوامش التوزيع.
لم تقدم الدريوش، وفق المعطيات المنشورة، قراءة سياسية أو اجتماعية لهذه النتائج. صادق المجلس الإداري على الحسابات، ونوه بالتحديث والحكامة والنجاعة، لكنه لم يوضح للرأي العام كيف تحققت زيادة في الأرباح وسط تراجع النشاط، ولا من تحمل الكلفة الاقتصادية لانخفاض المفرغات.
قد تكون النتيجة المالية الجيدة ثمرة تحسين فعلي للتدبير وضبط النفقات ورفع مردودية الأسواق، لكن إثبات ذلك يقتضي نشر عناصر الحسابات وتفاصيل المداخيل والتكاليف، بدل الاكتفاء برقم صاف يقدم منفصلاً عن سياقه الاقتصادي والاجتماعي.
يحق للدريوش أن تعتبر ارتفاع أرباح المكتب مؤشراً إيجابياً على مستوى المؤسسة، لكن من حق المهنيين والمغاربة أيضاً أن يسألوا إن كان هذا النجاح قد امتد إلى القطاع، أم توقف عند حدود حسابات الجهاز الذي يدير تسويقه.
البحار لا يقيس أداء القطاع بنسبة الربح الصافي للمكتب، بل بما يتبقى له بعد خصم الوقود والمصاريف والاقتطاعات.
والمستهلك لا تعنيه شهادة مراقب الحسابات بقدر ما يعنيه ثمن السمك ومدى قدرته على شرائه.
ربح المكتب الوطني للصيد 21.8 مليون درهم، بينما تراجعت المنتجات المسوقة عبر شبكته بنسبة 14 في المائة.
الحساب السياسي الذي ينتظر الدريوش لا يتعلق بسلامة الأرقام فقط، بل بما لم تكشفه: من أين جاءت الأرباح، ومن استفاد من ارتفاع متوسط قيمة الطن، ومن دفع كلفة تراجع المفرغات؟
