بقلم: الباز عبدالإله
دخل الجدل المرتبط بالصادرات الفلاحية المغربية إلى السوق الأوروبية مرحلة مؤسساتية جديدة، بعدما أدرج البرلمان الأوروبي عريضة تقدم بها مواطن إسباني يطالب فيها بمساءلة المفوضية الأوروبية قضائياً بشأن طريقة تطبيق اتفاق الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والمغرب.
الوثيقة، التي نشرها البرلمان الأوروبي بتاريخ 14 يوليوز 2026، تحمل رقم 2579/2025، وتعود إلى مواطن إسباني اكتفت المؤسسة التشريعية الأوروبية بالإشارة إليه بالأحرف الأولى من اسمه، F. C. R.، في موضوع يتعلق بتأثير الاتفاق على قطاع الفواكه والخضر داخل الاتحاد.
وأُدرجت العريضة ضمن وثائق لجنة الالتماسات تحت المرجع PE790.891v01-00، حيث عرض صاحبها مجموعة من الادعاءات القانونية والاقتصادية المرتبطة بتنفيذ الاتفاق، خصوصاً ما يتصل بدخول المنتجات الفلاحية المغربية إلى السوق الأوروبية وتداعيات ذلك على المنتجين الإسبان.
واعتبر مقدم العريضة أن المفوضية الأوروبية لم تتعامل بالصرامة المطلوبة مع الالتزامات القانونية المترتبة عن الاتفاق، واتهمها بالتقاعس عن اتخاذ الإجراءات التي يراها ضرورية لضمان احترام قانون الاتحاد الأوروبي والاجتهادات الصادرة عن محكمة العدل التابعة له.
وربط صاحب العريضة بين هذا التقاعس المفترض وبين ما وصفه بأضرار اقتصادية واجتماعية تلحق بالمنتجين الأوروبيين، معتبراً أن استمرار تطبيق الاتفاق بالصورة الحالية يتيح، وفق تقديره، شروط منافسة غير متكافئة بين المنتجات المغربية ونظيرتها الأوروبية.
كما زعم أن ضعف إجراءات المراقبة وغياب تدابير تصحيحية فعالة ينعكسان سلباً على الفلاحين الإسبان، ولا سيما في قطاعات الفواكه والخضر، ويمتدان إلى منتجين آخرين داخل الاتحاد الأوروبي.
وانتقلت مطالب صاحب العريضة من الدعوة إلى مراجعة طريقة تنفيذ الاتفاق إلى مطالبة البرلمان الأوروبي برفع دعوى تقاعس أمام محكمة العدل ضد المفوضية الأوروبية، على أساس أنها امتنعت، بحسب طرحه، عن اتخاذ إجراءات كان يتعين عليها مباشرتها بموجب قانون الاتحاد.
وطالب أيضاً بأن يلتمس البرلمان الأوروبي رأياً قانونياً من محكمة العدل بشأن مدى توافق الاتفاق المطبق مع المغرب مع التشريعات والمعاهدات الأوروبية، مستحضراً الإجراء الذي سبق اعتماده بخصوص الاتفاق التجاري بين الاتحاد الأوروبي ودول تجمع «ميركوسور».
غير أن المفوضية الأوروبية رفضت الأساس الذي استندت إليه العريضة، معتبرة أن العناصر الواردة فيها لا تثبت وجود خرق لقانون الاتحاد الأوروبي، ولا تقدم أدلة كافية تسمح بالقول إن المؤسسة امتنعت عن تنفيذ التزام قانوني محدد.
ودافعت المفوضية عن ضرورة تقييم اتفاق الشراكة مع المغرب ضمن سياقه التجاري الكامل، وعدم اختزاله في حجم المنتجات الفلاحية المغربية التي تدخل السوق الأوروبية أو في تأثيرها على فئة بعينها من المنتجين.
وأوضحت أن الاتفاق لا يقتصر على فتح الأسواق الأوروبية أمام الواردات المغربية، بل يتيح في المقابل فرصاً مهمة للصادرات الأوروبية داخل السوق المغربية، بما يشمل المنتجات الصناعية والغذائية والفلاحية.
واعتبرت أن العلاقات التجارية مع المغرب حققت مكاسب لعدد من القطاعات والشركات الأوروبية، وأن تقييمها ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار المصالح الاقتصادية المتبادلة، لا أن يقتصر على الآثار التي قد تسجلها بعض القطاعات المتضررة من المنافسة.
كما أقرت المفوضية بأن الاتفاقات التجارية تقوم بطبيعتها على تنازلات ومصالح متبادلة، وقد تكون لها آثار متفاوتة من قطاع إلى آخر، لكنها شددت على أن تسجيل ضغط اقتصادي على بعض المنتجين لا يشكل، في حد ذاته، دليلاً على وقوع مخالفة قانونية.
وبخصوص اتهامها بعدم احترام أحكام محكمة العدل الأوروبية، أكدت المفوضية أنها تعاملت مع القرارات القضائية الصادرة في الملفات المرتبطة باتفاقات الاتحاد الأوروبي مع المغرب، سواء في ما يتعلق بوضع الصحراء أو بالقواعد الخاصة ببيانات المنشأ ووضع العلامات على المنتجات القادمة من المنطقة.
ولا تعني إحالة العريضة على لجنة الالتماسات أن البرلمان الأوروبي تبنى ما ورد فيها من اتهامات، كما لا تعني أن المؤسسة التشريعية قررت مقاضاة المفوضية أو الشروع في مراجعة الاتفاق مع المغرب.
فالوثيقة تندرج ضمن المساطر العادية لمعالجة الالتماسات التي يتقدم بها مواطنو الاتحاد، وتجمع بين ادعاءات صاحب العريضة والملاحظات التي قدمتها المفوضية رداً عليها، من دون أن تتضمن قراراً قضائياً أو سياسياً ضد الاتفاق.
كما أن صفة مقدم العريضة تظل عنصراً أساسياً في تقدير حجم الخطوة، إذ يتعلق الأمر بمبادرة فردية صادرة عن مواطن إسباني، وليست موقفاً رسمياً للحكومة الإسبانية أو للبرلمان الإسباني أو لمؤسسة أوروبية.
ومع ذلك، تكشف العريضة عن استمرار الضغوط التي تواجهها الصادرات الفلاحية المغربية داخل بعض الأوساط الإسبانية، وعن محاولة نقل النزاع من مستوى المنافسة التجارية والاحتجاجات المهنية إلى المجال القانوني والمؤسساتي الأوروبي.
في المقابل، يعكس رد المفوضية تمسك بروكسيل بالفصل بين الآثار الاقتصادية التي قد تلحق بقطاع معين وبين إثبات وقوع خرق قانوني، معتبرة أن العريضة لم تقدم ما يكفي لتبرير إحالة الملف على القضاء الأوروبي.
وبذلك، انتهت هذه المرحلة من النقاش إلى تثبيت موقفين متقابلين: صاحب عريضة يرى أن المفوضية تقاعست عن حماية المنتجين الأوروبيين واحترام القانون، ومفوضية تؤكد أن الاتفاق مع المغرب يحقق مصالح متبادلة، وأن الادعاءات الموجهة ضدها لا تستند إلى أدلة قانونية كافية.
