عاد اسم المغرب إلى واجهة ملف «بيغاسوس»، عقب نشر شبكة «Forbidden Stories»، يوم الخميس 16 يوليوز 2026، تحقيقاً دولياً جديداً يتتبع ما تصفه بمسار استفادة أجهزة أمنية مغربية من برنامج التجسس الإسرائيلي، اعتماداً على شهادات مجهلة ووثائق تقنية ومذكرات استخباراتية.
المعطيات المنشورة تطرح أسئلة مشروعة بالنظر إلى حساسية الاتهامات، لكنها لا تلغي السؤال المركزي الذي طرحه المغرب منذ انفجار القضية سنة 2021: هل تتوفر الجهات التي تنسب استعمال «بيغاسوس» إلى المملكة على دليل مادي مباشر يثبت شراء البرنامج، وتشغيله، وإصدار أوامر باستهداف الأشخاص المذكورين؟
قدّم التحقيق اسماً حركياً هو «مورغان»، ظهر داخل وثيقة داخلية لشركة «NSO Group» أُدرجت ضمن ملف قضائي في الولايات المتحدة. غير أن الوثيقة، وفق ما نشرته الشبكة، لا تنص صراحة على أن الاسم يشير إلى المغرب.
وتستند نسبة «مورغان» إلى المملكة، بحسب التحقيق، إلى إفادات مصادر سابقة داخل الشركة وقطاع المراقبة الإلكترونية، قالت إن «NSO» كانت تمنح بعض زبنائها أسماء سيارات تبدأ بالحرف الأول من اسم الدولة المعنية.
يشكل هذا المعطى قرينة صحفية تستحق الاهتمام، لكنه لا يعادل، من الناحية القانونية، عقداً يحمل اسم الدولة المغربية، أو رخصة تصدير موجهة إليها، أو فاتورة أداء، أو شهادة قضائية علنية لمسؤول داخل الشركة تؤكد أن المغرب كان صاحب الحساب المسمى «مورغان».
ونشر التحقيق وثيقة مالية مرتبطة بصفقة منفصلة بين شركة «NSO» وحكومة بنما، بلغت قيمتها ثمانية ملايين دولار، لكنه لم يعرض وثيقة مماثلة تخص المغرب.
كما أقر بأن التدفقات المالية المفترضة المرتبطة بالمملكة ما تزال غير واضحة، وأن هوية الجهة التي تحملت التكلفة لم تُحسم بصورة قاطعة.
الرواية الأساسية اعتمدت على مصدر يحمل الاسم المستعار «سفير»، قدمته الشبكة باعتباره عنصراً سابقاً في المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني.
وقال المصدر، بحسب التحقيق، إن ممثلين عن الشركة الإسرائيلية قدموا عرضاً تقنياً داخل فيلا بالرباط سنة 2017، وإن البرنامج استُخدم لاحقاً في عمليات مراقبة.
لكن «Forbidden Stories» أوضحت داخل تحقيقها أنها لم تتمكن من التحقق بصورة مستقلة من جميع تفاصيل شهادة المصدر، خصوصاً ما يرتبط بطريقة حصول المغرب على البرنامج، والدور المنسوب إلى الوسيط الإماراتي وشركة «FSSYS Maroc».
هذا الإقرار لا يسقط التحقيق ولا يلغي الأسئلة التي يطرحها، لكنه يفرض التمييز بين الوقائع التي تدعمها وثائق قابلة للفحص، والشهادات التي جرى تأكيد أجزاء منها بمصادر إضافية، والفرضيات التي ما تزال في حاجة إلى أدلة مباشرة.
ويظهر هذا التمييز بوضوح عند تناول فرضية التمويل الإماراتي.
فبينما رجحت مصادر استند إليها التحقيق احتمال تكفل الإمارات بتكلفة البرنامج، أكد موظف سابق في «NSO» ومصدر آخر من القطاع أنهما لا يتوفران على معلومات تثبت أداء أبوظبي أموالاً نيابة عن المغرب.
بذلك، تظل فرضية التمويل الإماراتي رواية غير محسومة، وليست حقيقة ثابتة. فوجود شركة وسيطة أو علاقة تقنية بين أطراف متعددة لا يثبت تلقائياً هوية الجهة التي دفعت ثمن البرنامج أو الجهة التي كانت تتحكم في تشغيله.
أما الرقم الذي يتجاوز 12 ألف هاتف، فقد يوحي بوجود عملية مراقبة واسعة ومثبتة، بينما أوضح التحقيق نفسه أن الأمر يتعلق بأرقام نُسب اختيارها إلى مستخدم يُعتقد أنه مرتبط بالمغرب، وأن وجود رقم داخل قاعدة البيانات لا يثبت بالضرورة اختراق الهاتف أو تثبيت البرنامج عليه.
وقد تكون بعض الأرقام، وفق المصدر ذاته، أُدخلت لاختبار الثغرات التقنية فقط.
وهذه نقطة أساسية، لأن وجود رقم في قائمة محتملة يختلف قانونياً وتقنياً عن إثبات إصابة الجهاز، كما أن العثور على آثار «بيغاسوس» داخل هاتف لا يحدد تلقائياً الجهة التي أصدرت الأمر أو شغلت البنية التقنية المسؤولة عن العملية.
سبق لمنظمة العفو الدولية أن أوضحت، عند نشر أسماء مرتبطة بقاعدة البيانات سنة 2021، أنها لم تتمكن من إجراء فحوص جنائية على هواتف جميع رؤساء الدول والشخصيات الواردة أرقامهم، للتحقق من استهدافهم أو نجاح اختراق أجهزتهم.
كما نفت شركة «NSO» آنذاك أن يكون الملك محمد السادس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مدرجين ضمن أهداف زبنائها، مؤكدة أن وجود الأرقام في البيانات المتداولة لا يثبت استعمال البرنامج ضد أصحابها.
تمسكت المملكة، منذ بداية القضية، بنفي شراء «بيغاسوس» أو استخدامه، ووصفت الاتهامات بأنها غير مؤسسة، مطالبة الجهات التي تنسب إليها عمليات تجسس بتقديم أدلة مادية قابلة للفحص والمناقشة أمام القضاء.
ولجأت السلطات المغربية إلى المساطر القانونية دفاعاً عن سمعة مؤسسات المملكة، غير أن بعض الدعاوى التي رُفعت أمام محاكم أوروبية لم تُقبل لأسباب إجرائية أو مرتبطة بالصفة القانونية للدولة.
ولا يمكن اعتبار عدم قبول هذه الدعاوى حكماً يثبت صحة الاتهامات أو ينفيها، لأن المحاكم المعنية لم تصدر، في هذه الحالات، حكماً موضوعياً يقرر أن المغرب اشترى البرنامج أو استعمله ضد أشخاص محددين.
وأشار التحقيق الجديد كذلك إلى مذكرة للاستخبارات الخارجية الفرنسية تقول إن المغرب والإمارات استعملا منتجات شركة «NSO» منذ سنة 2017.
غير أن المذكرة، كما عُرضت صحفياً، لا تكشف تفاصيل علنية حول مصادر المعلومة، ولا تعرض العقود أو الرخص أو العمليات التقنية التي بُني عليها هذا التقدير الاستخباراتي.
كما لم يعثر معدو التحقيق، بحسب وسائل إعلام شاركت فيه، على أدلة على عمليات مراقبة مرتبطة بـ«بيغاسوس» داخل المغرب بعد أواخر سنة 2021، بينما ظلت تحقيقات قضائية أوروبية أخرى عاجزة عن تحديد المسؤولية النهائية عن عدد من عمليات الاختراق.
لا تعني هذه الملاحظات أن التحقيق الجديد يخلو من القيمة، أو أن المعطيات المنشورة لا تستحق توضيحاً رسمياً.
فتقاطع الاسم الحركي مع وثيقة داخلية ومذكرة استخباراتية وشهادات متعددة يطرح أسئلة لا يمكن تجاهلها، لكنه لا يسمح بتحويل القرائن الصحفية إلى أحكام نهائية.
فالفرق واضح بين القول إن مصادر التحقيق نسبت الاسم الحركي «مورغان» إلى المغرب، وبين الجزم بأن وثيقة رسمية أثبتت أن المملكة اشترت «بيغاسوس» واستعملته ضد أهداف محددة.
المعطى الأول منشور ويستحق النقاش والتحقق، أما المعطى الثاني فلم يُثبت حتى الآن بعقد شراء مغربي معلن، أو بمسار مالي موثق، أو بحكم قضائي نهائي.
يبقى عبء إثبات الاتهامات الخطيرة على الجهات التي تنشرها، خصوصاً عندما يتعلق الأمر باتهام دولة بالتجسس على رؤساء وحكومات وصحافيين وحقوقيين.
ولا يكفي، في مثل هذه الملفات، الاعتماد على اسم حركي وشهادات مجهلة واستنتاجات تقنية قابلة للتأويل، مهما كانت أهميتها الصحفية.
وفي المقابل، يظل من حق الرأي العام انتظار توضيح رسمي مغربي يتعامل مباشرة مع الوثائق الجديدة، لأن الرد التفصيلي أكثر قدرة على حماية صورة المؤسسات من الاكتفاء بإعادة التذكير بالنفي الصادر قبل خمسة أعوام.
تحقيق «مورغان» أعاد فتح ملف حساس، لكنه لم يقدم بعد الدليل الحاسم الذي يسمح بتقديم الاتهامات باعتبارها حقائق نهائية.
وتظل المعطيات الجديدة جديرة بالفحص والرد، من دون أن تتحول إلى إدانة مسبقة للمغرب أو لمؤسساته خارج قواعد الإثبات والمحاكمة العادلة.
