بقلم: الباز عبدالإله
وضع نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، منظومة التعمير والبناء في العالم القروي تحت مجهر انتقادات غير مسبوقة، بعدما اعتبر أن القوانين الحالية تنطلق من منطق الشك والعقاب، وتعامل المواطنين كما لو كانوا متهمين بالتحايل قبل أن يتقدموا بطلبات الترخيص.
وبحسب ما أوردته مجلة «TelQuel»، جاءت تصريحات بركة خلال ندوة وطنية نظمتها رابطة المهندسين المعماريين الاستقلاليين، الأربعاء 15 يوليوز 2026، حول موضوع «نحو مقاربة جديدة للتعمير والبناء بالوسط القروي، في خدمة المواطن والعدالة المجالية».
ورغم أن بركة لم يذكر فاطمة الزهراء المنصوري، وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، بالاسم، فإن مضمون كلمته وجه انتقاداً مباشراً إلى المنظومة التي تشرف عليها داخل الحكومة، بعدما دعا إلى «ثورة قانونية» تعيد صياغة قواعد التعمير القروي من أساسها.
بركة قال إن الفلسفة المؤطرة للتعمير في المغرب قامت على افتراض خاطئ مفاده أن «المغاربة كلهم غشاشون»، وهو ما أفرز، في نظره، ترسانة من المساطر المعقدة والوثائق المتعددة والإجراءات الغامضة التي تجعل المواطن في موقع المشتبه فيه سلفاً.
هذا التشخيص لا يحمّل المسؤولية للنصوص القانونية وحدها، بل يضع الحكومة أمام سؤال حصيلتها في قطاع ظل لسنوات مصدر شكاوى متكررة بسبب تعقيد الرخص، وتعدد المتدخلين، وطول آجال معالجة الملفات، واتساع هامش التأويل داخل الإدارات.
ويرى بركة أن القوانين الحالية لا تسهم بالضرورة في الحد من المخالفات، بل قد تكون جزءاً من أسبابها، لأن المواطن الذي يجد نفسه أمام مساطر طويلة وغير واضحة قد يدفع نحو البناء خارج القانون، قبل أن يعود القانون نفسه لمعاقبته على مخالفة ساهم التعقيد الإداري في إنتاجها.
ودعا الأمين العام لحزب الاستقلال إلى إنهاء ما وصفه بـ«المنطق العقابي»، وتعويضه بعلاقة قائمة على الثقة بين الإدارة والمواطن، معتبراً أن وضوح القواعد وتبسيط الإجراءات لا يعنيان التساهل مع المخالفات، بل يجعلان احترام القانون ممكناً وواقعياً.
غير أن تصريحات بركة لم تتوقف عند انتقاد الرخص والمساطر، بل انتقلت إلى توجيه اتهام سياسي أكثر خطورة، حين تحدث عن توظيف بعض مشاريع فك العزلة في الحسابات الانتخابية.
وقال إن بعض المنتخبين يوجهون مشاريع الطرق والمسالك نحو دواوير محسوبة عليهم، بينما تُقصى مناطق أخرى بسبب اختيارات سكانها السياسية، في ممارسة تجعل الاستثمار العمومي أداة للمكافأة والعقاب بدل أن يكون وسيلة لتحقيق العدالة المجالية.
وتعني هذه التصريحات، إن ثبتت على أرض الواقع، أن بعض مشاريع البنيات التحتية لا تخضع دائماً للأولويات التنموية، بل قد تتحول إلى وسيلة لشراء الولاءات أو معاقبة الناخبين، وهو ما يضرب مبدأ المساواة بين المواطنين ويحول المال العام إلى ورقة انتخابية.
بركة اعتبر أن المغرب ما يزال يسير بسرعتين؛ مدن تستفيد من الاستثمارات والتجهيزات والخدمات، في مقابل قرى تعاني خصاصاً في الطرق والماء والمدارس والمراكز الصحية والربط الرقمي.
هذه الفوارق، بحسب تشخيصه، تدفع السكان إلى مغادرة قراهم بشكل اضطراري، لأن توفير السكن وحده لا يكفي لصناعة الاستقرار، ما دام المنزل محاطاً بالعزلة وغياب الخدمات وفرص العمل.
وانتقد بركة اختزال التعمير في تحديد مناطق البناء ومنح الرخص، داعياً إلى الانتقال من «تعمير ينظم البناء» إلى «تعمير ينظم الحياة»، من خلال ربط السكن بالبنيات الأساسية، والخدمات العمومية، والأنشطة الاقتصادية، وفرص الشغل.
فالمسكن داخل دوار بلا طريق أو مدرسة أو ماء أو مركز صحي لا يعكس نجاحاً في السياسة السكنية، بل يكشف، بحسب هذا المنطق، عن تخطيط يفصل الإسمنت عن شروط العيش الكريم.
ودعا بركة إلى بلورة ميثاق وطني جديد للتعمير القروي، يقوم على قاعدة «لا بناء دون تخطيط، ولا تخطيط دون تنمية»، معتبراً أن وثائق التعمير يجب أن تتحول إلى أدوات لتحديد مستقبل المجالات القروية، لا أن تبقى مجرد خرائط للمنع والترخيص.
كما طالب بفتح المجال أمام أنشطة اقتصادية جديدة، تشمل المقاولات الصغرى جداً، والسياحة القروية، والاقتصاد الرقمي، إلى جانب توفير فضاءات للخدمات العمومية الرقمية، حتى لا يظل سكان القرى مضطرين إلى التنقل نحو المدن من أجل أبسط الإجراءات الإدارية.
كلمة بركة تبدو، في مضمونها، أقرب إلى مرافعة معارضة ضد منظومة تدبرها حكومة يشارك فيها حزبه. فهو لم يكتف بانتقاد بعض الاختلالات التقنية، بل تحدث عن «حكرة مجالية»، وقوانين عقابية، ومواطنين يعاملون كمشتبه فيهم، ومشاريع طرق قد تخضع للحسابات الانتخابية.
وهنا يبرز التناقض السياسي: حزب الاستقلال ليس خارج الحكومة، والمنصوري ليست وزيرة في حكومة منافسة، بل إن الطرفين ينتميان إلى الأغلبية نفسها التي يفترض أنها تملك الأدوات التشريعية والتنفيذية لتغيير القوانين التي ينتقدها بركة.
لذلك، لن يكون إعلان «الثورة القانونية» كافياً ما لم يتحول إلى مشاريع قوانين محددة، وآجال معلنة، ومساطر مبسطة، وآليات تمنع استعمال البنيات التحتية في تصفية الحسابات الانتخابية.
فالقرى لا تحتاج إلى مزيد من الخطب عن العدالة المجالية، بقدر ما تحتاج إلى حكومة تقرر إن كانت ستواصل تدبير منظومة تقول مكوناتها إنها تعاقب المواطنين، أم ستتحمل مسؤولية تغييرها.
