بقلم: الباز عبدالإله
قدّمت منابر مغربية عديدة فوزي لقجع، خلال السنوات الأخيرة، باعتباره «مهندس مونديال 2030»، والرجل الذي قاد المملكة إلى تنظيم كأس العالم إلى جانب إسبانيا والبرتغال.
غير أن مراسلات إسبانية تعود إلى صيف سنة 2018 تعيد ترتيب الأدوار، وتشير إلى أن أولى الاتصالات المعروفة بشأن إدماج المغرب في المشروع الثلاثي لم تنطلق، وفق الوثائق المنشورة، من مكاتب الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، ولم تكن ثمرة قرار رياضي منفرد، بل مرت عبر قنوات دبلوماسية وسياسية سبقت الواجهة التي تصدرها لقجع لاحقاً.
وتفيد الرسائل التي نشرتها صحيفة «The Objective» الإسبانية بأن الاتصالات الأولى المعروفة حول تنظيم مونديال 2030 بشكل مشترك بين المغرب وإسبانيا والبرتغال بدأت في يونيو 2018، بين الرئيس السابق للاتحاد الإسباني لكرة القدم لويس روبياليس وسفيرة المغرب في مدريد كريمة بنيعيش.
في 10 يونيو 2018، بعث روبياليس رسالة إلى السفيرة المغربية تحدث فيها عن التزام سابق قطعه لها، وعن استعداده لدعم المغرب رغم صعوبة المعركة داخل الاتحاد الدولي لكرة القدم.
وبعد ثلاثة أيام، كتب لها بوضوح: «سننظم كأس العالم معاً، مع البرتغال».
كان المشروع، إذن، موجوداً داخل اتصالات مغربية إسبانية قبل أشهر من ظهوره للعموم، وكان الاسم المغربي الحاضر في نقطة انطلاق هذه المراسلات هو اسم السفيرة كريمة بنيعيش، لا اسم فوزي لقجع.
وفي 8 يوليوز 2018، انتقلت الفكرة من مستوى التواصل بين الاتحاد الإسباني والسفارة المغربية إلى المستوى السياسي، بعدما أخبر روبياليس رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز بأنه يعمل بصورة سرية على إعداد ترشح مشترك مع المغرب والبرتغال.
ولم يقدّم روبياليس المشروع باعتباره مجرد ملف كروي، بل وصفه بأنه سيتحول إلى «قضية دولة»، في إشارة واضحة إلى أن الحسم فيه يتجاوز الاتحادات الرياضية، ويمر عبر الحكومات والعلاقات الدبلوماسية ومصالح الدول.
وتوحي المراسلات بأن سانشيز انتقل بعد ذلك إلى صدارة الاتصالات السياسية المرتبطة بالمشروع.
وفي 27 أكتوبر 2018، أبلغ رئيس الحكومة الإسبانية روبياليس بأن البرتغال وافقت على المشروع، وأنه ينتظر جواب المغرب، مشيراً إلى أن الحسم بات مرتبطاً بموافقة الملك محمد السادس.
ثم جاءت رسالة 19 نونبر 2018، حين أخبر سانشيز رئيس الاتحاد الإسباني بأن المغاربة وافقوا على إطلاق مشروع كأس العالم الثلاثي.
وفي اليوم نفسه، خرجت الفكرة إلى العلن.
خلال زيارته الرسمية إلى الرباط، أعلن بيدرو سانشيز أنه اقترح على المغرب تنظيم كأس العالم 2030 في ملف مشترك مع إسبانيا والبرتغال، مؤكداً أنه طرح المبادرة على الحكومة المغربية ثم على الملك محمد السادس.
هذا التسلسل يثبت أن قصة إدماج المغرب في المشروع الثلاثي بدأت سنة 2018، وليس سنة 2023.
أما إعلان مارس 2023، فلم يكن لحظة ولادة الفكرة، بل عودة المغرب بصورة نهائية إلى مشروع عرف تعثرات وتغييرات، بعدما واصلت إسبانيا والبرتغال تطوير ملف إيبيري خالص، قبل إضافة أوكرانيا، ثم إعادة إدماج المملكة في الصيغة التي انتهت بالفوز بتنظيم مونديال 2030.
هنا تظهر الفجوة بين الوقائع الموثقة والرواية التي بنتها بعض المنابر المغربية لاحقاً.
ففي الوقت الذي تكشف فيه المراسلات أن المبادرة مرت منذ بدايتها عبر السفارة المغربية في مدريد، وروبياليس، ثم سانشيز والقرار السياسي في الرباط، منحت منابر مغربية لقجع لقب «مهندس المونديال»، وقدمت نجاح الملف كما لو أنه ثمرة تحرك شخصي قاده رئيس الجامعة من نقطة الصفر.
غير أن البحث في تصريحات لقجع لا يكشف عن قول صريح نسب فيه إلى نفسه إدماج المغرب، أو ادعى أنه صاحب فكرة الترشح الثلاثي.
بل سبق له، منذ غشت 2018، أن أكد أن شكل ترشح المغرب لتنظيم مونديال 2030 يبقى «قراراً سياسياً»، سواء تعلق الأمر بملف منفرد أو بترشح مشترك مع دول أوروبية أو مغاربية.
وهذه العبارة تكتسب اليوم دلالة أكبر، لأنها تنسجم مع ما تكشفه الرسائل الإسبانية.
فالقرار بدأ دبلوماسياً، ثم أصبح حكومياً، قبل أن ينتقل إلى المؤسسات الرياضية لتنفيذه.
هذا لا يلغي الدور الذي لعبه لقجع بعد عودة المغرب إلى الملف سنة 2023.
لقد قاد الجانب المغربي في الاجتماعات التقنية والتنظيمية، وأشرف على التنسيق مع الاتحادين الإسباني والبرتغالي، وتولى إدارة الملفات المرتبطة بالملاعب والاستثمارات وتوزيع المباريات والتحضير التنظيمي.
لكن قيادة مرحلة التنفيذ لا تعني صناعة قرار الإدماج.
والفرق بين المرحلتين جوهري.
المرحلة الأولى كانت سياسية ودبلوماسية، وبدأت سنة 2018 في مدريد والرباط.
أما المرحلة الثانية، التي تصدرها لقجع، فهي مرحلة إدارة الملف والدفاع عن المصالح المغربية داخله بعد تثبيت عودة المملكة إليه سنة 2023.
المراسلات لا تتهم لقجع بسرقة إنجاز غيره، لأنه لم يثبت أنه نسب المبادرة إلى نفسه.
لكنها تضع الصحافة المغربية أمام سؤال مهني واضح: لماذا اختُزل مسار دبلوماسي وسياسي معقد في شخص واحد؟
ولماذا جرى تضخيم دور الواجهة الرياضية، مقابل تهميش الدور الذي لعبته السفارة المغربية في مدريد، والاتصالات التي قادها سانشيز، والقرار الذي حُسم على مستوى الدولة؟
لقد صنعت بعض المنابر صورة «مهندس المونديال»، بينما تكشف الوثائق أن الملف لم يكن هندسة فردية.
كان مساراً متعدد الأطراف، بدأ بمراسلات سرية، وانتقل إلى الحكومة الإسبانية، ثم إلى القرار السياسي في الرباط، قبل أن يعود بعد سنوات إلى الواجهة تحت قيادة لقجع من الناحية الرياضية والتنفيذية.
القضية، إذن، ليست في إنكار دور لقجع، بل في وضعه داخل حجمه الحقيقي.
هو قائد المرحلة التنفيذية المغربية وأبرز وجوه المشروع بعد 2023.
أما إدماج المغرب في أصل المشروع الثلاثي، فتظهر المراسلات أنه بدأ قبل ذلك بخمس سنوات، وصُنع داخل دوائر سياسية ودبلوماسية لم تكن الجامعة وحدها صاحبة القرار فيها.
ويبقى السؤال الذي تطرحه هذه المراسلات أبعد من اسم فوزي لقجع نفسه.
من يكتب رواية الإنجازات الكبرى في المغرب؟
الوثائق التي تحفظ تسلسل القرار وتوزع الأدوار بين الدبلوماسية والسياسة والرياضة، أم إعلام يختزل مساراً مؤسساتياً معقداً في «بطل أوحد» يسهل وضعه في واجهة كل نجاح؟
