بقلم: الباز عبدالإله
تعرض الدولة قرب الداخلة أكثر من ألف هكتار من أراضيها الفلاحية أمام المستثمرين، بكراء أساسي يقارب 700 درهم للهكتار سنوياً، داخل مشروع مرتبط بمياه البحر المحلاة والطاقة الريحية وعقود استغلال قد تمتد إلى أربعين سنة.
غير أن أهم معلومة في الملف ما تزال غائبة: من سيحصل فعلياً على الأرض؟ وبأي برنامج استثماري؟ وكم سيخلق من فرص الشغل؟ وما الحصة التي ستعود على سكان المنطقة من مشروع يوظف عقار الدولة ومورداً مائياً استراتيجياً؟
أطلقت وكالة التنمية الفلاحية، ابتداءً من 29 يونيو 2026، طلب العروض رقم 34/2026، المتعلق بالشراكة بين الدولة والقطاع الخاص حول أراضٍ فلاحية تابعة للملك الخاص للدولة، داخل مشروع الري بمياه البحر المحلاة في الداخلة.
ويشمل الطلب 35 مشروعاً فوق مساحة إجمالية دقيقة تبلغ 1090.1922 هكتاراً بإقليم وادي الذهب، بينما حُدد يوم 31 غشت 2026، على الساعة الرابعة والنصف بعد الزوال، آخر أجل لإيداع العروض.
لذلك لا توجد، إلى حدود اليوم، لائحة نهائية بالمستفيدين، وأي حديث عن شركات حصلت فعلياً على الأراضي يظل سابقاً لأوانه، ما لم يصدر إعلان رسمي بعد انتهاء مرحلة دراسة الملفات وترتيب العروض.
أعاد تقرير نشرته منظمة «Western Sahara Resource Watch»، يوم 16 يوليوز 2026، توجيه الأنظار إلى المشروع، وربط التوسع الفلاحي بدور المجموعة الفرنسية «إنجي» في محطة التحلية والطاقة المتجددة.
غير أن الوثائق الرسمية تفرض تمييزاً أساسياً: «إنجي» ليست مرشحة، وفق المعطيات المنشورة، لكراء القطع الفلاحية، ولا توجد وثيقة تثبت أنها ستحصل على الـ1090 هكتاراً.
دورها يوجد في البنية التي ستنتج الماء والطاقة، أما الأراضي فستُمنح لمستثمرين ستحددهم مسطرة طلب العروض بعد فتح الملفات وتقييمها.
يتوزع العقار المعروض بين مشروع صغير واحد مساحته 9.7672 هكتارات، و28 مشروعاً متوسطاً تمتد على نحو 345.8 هكتاراً، وثلاثة مشاريع كبرى بمساحة إجمالية تبلغ 169.433 هكتاراً، وثلاثة مشاريع للتجميع الفلاحي تستحوذ وحدها على 565.137 هكتاراً، أي أكثر من نصف المساحة المعروضة.
تكشف هذه الهندسة أن العملية لا تقتصر على توزيع قطع صغيرة أو دعم مبادرات محلية، بل تفتح الباب أمام استثمارات واسعة تتطلب رساميل وخبرة تقنية وقدرة على التمويل.
وتبرز هنا مفارقة واضحة: المشروع الوحيد المخصص حصراً للشباب المحليين لا يتجاوز عشرة هكتارات تقريباً، بينما تُفتح بقية المساحات، التي تتجاوز 1080 هكتاراً، أمام الأشخاص والشركات المغاربة والأجانب المستوفين للشروط القانونية والتقنية والمالية.
يشترط دفتر طلب العروض أن يكون المستفيد من المشروع الصغير شخصاً مغربياً أو تعاونية للشباب، وأن يكون المعنيون مقيمين بجهة الداخلة–وادي الذهب، وتقل أعمارهم عن أربعين سنة، ولهم ارتباط بالقطاع الفلاحي أو يلتزمون بتلقي تكوين فيه.
أما المشاريع المتوسطة والكبيرة ومشاريع التجميع، فتتطلب من المترشحين إثبات قدرتهم على تمويل المشروع المقترح، إلى جانب الخبرة التقنية والقدرة التنظيمية.
الأكثر إثارة للانتباه يوجد في القيمة الكرائية الأساسية للأرض.
تكشف بطاقات المشاريع الرسمية، بعد قسمة واجب الكراء السنوي المحدد لكل قطعة على مساحتها، أن الكراء الأساسي حُدد عملياً في نحو 700 درهم للهكتار سنوياً.
فالمشروع الصغير، البالغة مساحته 9.7672 هكتارات، حُدد واجب كرائه السنوي في 6837 درهماً، بينما حُدد كراء مشروع للتجميع مساحته 201.658 هكتاراً في 141161 درهماً سنوياً، بما يعادل في الحالتين تقريباً 700 درهم للهكتار.
ولا تمثل هذه القيمة الكلفة الإجمالية التي سيتحملها المستثمر، إذ تضاف إليها حقوق الاشتراك في خدمة مياه الري، المحددة في خمسة آلاف درهم عن كل هكتار، وخمسة آلاف درهم إضافية للهكتار مقابل الربط بشبكة الري.
كما يؤدي المستفيد تعريفة استهلاك المياه، ويتحمل كلفة الاستثمارات الفلاحية والتجهيزات والبرامج الإنتاجية التي يلتزم بها داخل عرضه.
ويرتفع واجب الكراء بنسبة عشرة في المائة كل خمس سنوات، ابتداءً من تاريخ بدء تزويد المشروع بمياه الري.
لكن توضيح هذه الرسوم لا يلغي السؤال الاقتصادي المركزي: هل تعكس قيمة الكراء الأساسية، التي تقارب 700 درهم للهكتار سنوياً، القيمة الحقيقية لأرض عمومية ستستفيد من محطة تحلية وطاقة متجددة وشبكات ري ثقيلة؟ أم أن الدولة تراهن على استرجاع القيمة عبر الاستثمار والإنتاج والتشغيل والضرائب؟
عقود الشراكة لا تتعلق باستغلال ظرفي أو موسمي، فالمدة الأصلية محددة في 25 سنة، ويمكن أن ترتفع إلى 40 سنة عندما يتضمن المشروع إحداث وحدة لتثمين المنتجات.
هذه المدد الطويلة تجعل إعلان أسماء الفائزين وتركيبة رأسمال الشركات المستفيدة وطبيعة برامجها الاستثمارية مسألة ذات أهمية عامة، لأن الأمر لا يتعلق بكراء أرض لفترة قصيرة، بل بمنح حق استغلال طويل الأمد لعقار تابع للدولة، مرتبط بمورد مائي استراتيجي وبنية تحتية ثقيلة.
وتكشف شبكة تنقيط الملفات عن ترتيب الأولويات داخل عملية الاختيار.
تمنح خبرة المترشح ومراجعه السابقة 50 نقطة في مشاريع التجميع، و45 نقطة في المشاريع الكبرى، و40 نقطة في المشاريع المتوسطة.
في المقابل، لا يمنح معيار التشغيل سوى خمس نقاط في مشاريع التجميع، وعشر نقاط في المشاريع الكبرى والمتوسطة والصغيرة.
أما الأفضلية المخصصة للشباب أو تعاونيات الشباب الذين لم يستفيدوا سابقاً من أراضي الشراكة، فتطبق فقط على المشروع الصغير، وتساوي 15 نقطة.
هذه الأوزان لا تعني أن التشغيل غائب عن التقييم، لكنها تكشف أنه أقل وزناً بكثير من الخبرة السابقة والقدرة الاستثمارية.
وهو ما يطرح سؤالاً مباشراً: هل صُممت المنافسة أساساً لجذب المستثمرين الأكثر خبرة وقوة مالية، أم لتحقيق أكبر أثر اجتماعي وتشغيلي داخل الجهة؟
دفتر التحملات يحدد أيضاً طبيعة الإنتاج، إذ يلزم أصحاب المشاريع المتوسطة والكبيرة ومشاريع التجميع بتخصيص ما لا يقل عن 75 في المائة من المساحة للزراعات الخضرية، باستثناء الفواكه الحمراء، بينما تنخفض النسبة إلى 70 في المائة بالنسبة إلى المشروع الصغير.
ويجب الحفاظ على هذه النسب طوال مدة اتفاقية الشراكة.
الدولة لا تعرض الأرض فقط، بل تحدد مسبقاً التوجه الزراعي للمحيط الجديد، الذي سيكون قائماً أساساً على إنتاج الخضر داخل منطقة جافة، اعتماداً على مياه البحر المحلاة.
غير أن الوثائق لا تحدد، في هذه المرحلة، الأسواق التي ستوجه إليها المنتجات: هل ستخدم الطلب المحلي؟ أم ستتجه أساساً نحو التصدير إلى أوروبا وإفريقيا؟ أم ستجمع بين السوقين؟
ويظهر داخل ملف الماء تباين رقمي يستحق توضيحاً رسمياً.
فنظام طلب العروض يلزم المترشحين بإعداد دراساتهم التقنية والاقتصادية على أساس حصة ري صافية تبلغ 6200 متر مكعب للهكتار سنوياً.
لكن نظام خدمة مياه الري المرفق بالملف يحدد الحصة الوحدوية التعاقدية في 5380 متراً مكعباً للهكتار عن كل موسم ري، وينص على أن عقد الاشتراك يُبنى على أساس هذا الرقم.
قد يتعلق الأمر بفرق تقني بين الحصة المرجعية اللازمة لإعداد المشروع والكمية التعاقدية للاشتراك، لكن الفارق البالغ 820 متراً مكعباً للهكتار يحتاج إلى تفسير واضح من الجهة المشرفة، خصوصاً بالنسبة إلى مشاريع ستبني حساباتها المالية والإنتاجية لعقود.
وتبرز ملاحظة أخرى داخل النسخة المنشورة من نظام خدمة الري، إذ تُركت الخانات الخاصة بسعر المتر المكعب من الماء فارغة، سواء في ما يتعلق بتكلفة إنتاج وتوزيع المياه أو بطاقة الضخ، مع الإشارة إلى أن وزارة الفلاحة تحدد التعريفة وأنها تخضع للمراجعة السنوية.
لا يعني ذلك بالضرورة أن المستثمرين لن يتوصلوا بالتعريفة ضمن الوثائق التعاقدية النهائية، لكنه يعني أن الرأي العام لا يستطيع، انطلاقاً من الملف المنشور، معرفة الكلفة الحقيقية للماء المحلى الذي سيُوضع في خدمة المشاريع، ولا حجم مساهمة الدولة أو المستثمرين في تمويل إنتاجه ونقله وتوزيعه.
أما البنية الصناعية للمشروع، فتتوزع بين أكثر من فاعل.
تؤكد «ناريفا»، التابعة لمجموعة «المدى»، أن شركة «DAWEC» أُحدثت بشراكة متساوية بينها وبين «إنجي» لتنفيذ واستغلال مشروع تحلية مياه البحر المرتبط بحظيرة رياح.
وتعرض الشركة قدرة سنوية لمحطة التحلية تبلغ 37 مليون متر مكعب، مدعومة بطاقة ريحية تصل إلى 60 ميغاواط.
في المقابل، تسمي وثيقة خدمة الري شركة «TIRISMA» باعتبارها المزود المسؤول عن نظام توزيع مياه الري داخل المحيط.
وهذا يؤكد أن المشروع يتكون من حلقات منفصلة: إنتاج الماء والطاقة، ثم نقل المياه وتوزيعها، ثم كراء الأرض واستغلالها من طرف المستثمرين الفلاحيين.
إذن، لا تكتري «إنجي» الأراضي المعروضة في طلب العروض الحالي، ولا توجد إلى اليوم أسماء نهائية للمستثمرين الذين سيستغلونها.
لكن وجودها إلى جانب «ناريفا» في الحلقة المائية والطاقية يجعلها فاعلاً رئيسياً في البنية التي ستسمح بتحويل أراضٍ جافة إلى محيط فلاحي تجاري.
ولا تمثل المساحة المعروضة حالياً سوى جزء من البرنامج العقاري الإجمالي المرتبط بالمشروع.
فالبرنامج الكامل الذي تعرضه وكالة التنمية الفلاحية يشمل 219 مشروعاً فوق مساحة تبلغ 5196.5633 هكتاراً، موزعة بين مشاريع صغيرة ومتوسطة وكبرى ومشاريع للتجميع.
الاختبار الحقيقي لن يبدأ عند تدفق الماء فقط، بل عند إعلان نتائج المنافسة.
فدفتر طلب العروض ينص على نشر نتائج الاختيار في موقع وكالة التنمية الفلاحية، لكن الشفافية المطلوبة ينبغي ألا تتوقف عند أسماء الفائزين وأرقام المشاريع.
المصلحة العامة تقتضي نشر هوية الشركات المستفيدة، ومساهميها الفعليين، والمساحات الممنوحة لكل طرف، والقيم الكرائية، وحجم الاستثمارات، وعدد مناصب الشغل الدائمة والموسمية، وتعريفة مياه الري، وطبيعة المحاصيل، والأسواق المستهدفة، ومدى إشراك المقاولات المحلية في النقل والتبريد والتلفيف والتحويل.
مشروع الداخلة يقدم نموذجاً متقدماً للزراعة في المناطق الجافة: الدولة توفر الأرض، والبحر يوفر الماء، والرياح توفر الطاقة، والقطاع الخاص يتولى الإنتاج والتسويق.
لكن نجاح المعادلة لن يقاس بعدد البيوت المغطاة ولا بأطنان الخضر المصدرة وحدها.
النجاح الحقيقي سيقاس بما سيعود على المنطقة مقابل وضع أرض عمومية وماء محلى وبنية تحتية ثقيلة في خدمة استثمارات تمتد 25 أو 40 سنة.
وعندما تُفتح الأظرفة، لن يكون السؤال فقط: من قدم أفضل ملف؟
السؤال الأهم سيكون: من حصل على الأرض والماء، وبأي كلفة، وماذا سيحصل المواطنون في المقابل؟
