بقلم: الباز عبدالإله
أعاد إخطار رسمي صادر عن نظام الإنذار السريع للأغذية والأعلاف التابع للمفوضية الأوروبية فتح النقاش حول فعالية مراقبة الأعشاب العطرية المغربية، بعدما أعلنت السلطات الفنلندية رصد بكتيريا Bacillus cereus في شحنة من إكليل الجبل الطري، المعروف في المغرب باسم «أزير».
الإخطار، المسجل تحت رقم 2026.6309، أُبلغ عنه يوم 15 يوليوز 2026 من طرف فنلندا، ويتعلق بمنتوج مصدره المغرب، وصل إلى السوق الفنلندية عبر هولندا، وفق البيانات المنشورة في الواجهة العمومية لنظام الإنذار الأوروبي.
لا تكشف المعطيات المتاحة للعموم عن اسم الشركة المغربية المصدرة، أو الضيعة التي أنتجت الشحنة، أو وحدة التلفيف التي مرت عبرها، كما لا تتضمن اسم علامة تجارية محددة.
وتوضح المفوضية الأوروبية أن قاعدة «RASFF Window» تتيح للعموم الاطلاع على ملخصات الإخطارات، لكنها لا تنشر عادة التفاصيل التجارية المتعلقة بالعلامات والمتعاملين الاقتصاديين.
هذه المحدودية في المعلومات لا تسمح بتوجيه المسؤولية إلى شركة أو منتج بعينه، لكنها لا تلغي دلالة الواقعة ولا الأسئلة التي تطرحها بشأن مسار المراقبة الذي خضعت له الشحنة منذ خروجها من الحقل إلى أن وصلت إلى المستهلك الأوروبي.
فبكتيريا Bacillus cereus ليست مجرد مؤشر تقني عابر. ووفق الهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية، يتعلق الأمر بمجموعة من البكتيريا الموجودة بصورة طبيعية في التربة، ويمكن لبعض سلالاتها أن تتسبب في أمراض منقولة عبر الغذاء، تظهر غالباً في شكل قيء أو إسهال.
كما توصي الهيئة بالتحكم الصارم في درجات حرارة حفظ الأغذية للحد من تكاثرها والمخاطر المرتبطة بها.
ومع ذلك، لا يعني صدور الإخطار أن جميع منتجات إكليل الجبل المغربية غير سليمة، ولا يثبت أن الشحنة المعنية تسببت في إصابات أو حالات تسمم.
المعطى الرسمي المتاح يخص شحنة محددة، وأي تعميم على مجموع الإنتاج المغربي سيكون غير دقيق علمياً وغير منصف مهنياً.
لكن حصر الواقعة في شحنة واحدة لا ينبغي أن يحول دون مساءلة منظومة التتبع والمراقبة.
فالإخطار الأوروبي يفترض أن منتوجاً فلاحياً مغربياً عبر سلسلة من عمليات الجني والتجميع والتوضيب والنقل والتوزيع، قبل أن تكشف السلطات الفنلندية وجود البكتيريا داخله.
من هنا تبرز الحاجة إلى تحديد المرحلة التي وقع فيها التلوث. هل مصدره التربة أو مياه السقي؟ هل حدث أثناء الجني أو الغسل والتوضيب؟ أم ارتبط بظروف النقل والتخزين، خصوصاً أن الشحنة مرت عبر هولندا قبل وصولها إلى فنلندا؟
كما يطرح الإخطار سؤالاً حول ما إذا كانت السلطات المغربية المختصة قد توصلت بجميع التفاصيل التقنية المرتبطة بالواقعة، وما إذا جرى فتح تحقيق لتحديد مصدر الشحنة، والتحقق من وجود دفعات أخرى مرتبطة بالمنتج أو وحدة التلفيف نفسها.
المفوضية الأوروبية توضح أن نظام «RASFF» أُنشئ لتمكين سلطات سلامة الغذاء من تبادل المعلومات بسرعة عند ظهور مخاطر مرتبطة بالسلسلة الغذائية، بما يسمح باتخاذ إجراءات عاجلة قد تصل إلى سحب المنتجات من الأسواق.
كما تمثل واجهته العمومية قناة لإخبار الدول غير الأعضاء بالإخطارات المتعلقة بمنتجات صُنعت فوق أراضيها أو صُدرت منها.
وتسبق عملية نشر الإخطار، بحسب المفوضية، إجراءات تشمل التفتيش وأخذ العينات وإجراء التحاليل المختبرية، ثم التحقق من المعطيات وإرفاقها، عند الاقتضاء، بتقارير التحليل ووثائق التتبع وقوائم الجهات التي توصلت بالمنتوج.
القضية، لذلك، لا ترتبط فقط بصورة الصادرات المغربية داخل الأسواق الأوروبية.
فإكليل الجبل من الأعشاب المتداولة على نطاق واسع داخل المغرب، سواء في الأسواق التقليدية أو محلات العطارة أو بعض المتاجر، ويُعرض طرياً أو مجففاً، معبأً أو في أكوام مفتوحة.
وهنا ينتقل السؤال من شحنة جرى اكتشافها في فنلندا إلى الأعشاب التي يستهلكها المواطن المغربي يومياً.
هل تخضع المنتجات المعروضة في الأسواق الوطنية لتحاليل ميكروبيولوجية منتظمة؟ وما حجم العينات التي تفحص سنوياً؟ وهل تنشر نتائج المراقبة، وأسماء المنتجات التي تُسحب، وطبيعة المخاطر المكتشفة؟
لا يتعلق الأمر بالمطالبة بإثارة الخوف حول «أزير» أو باقي الأعشاب المغربية، بل بإرساء قاعدة بسيطة في تدبير سلامة الغذاء: عندما يُكتشف خلل، ينبغي تحديد مصدره، وتطويق امتداده، ثم إخبار المستهلك بما وقع وبالإجراءات التي اتخذت.
فالرقابة لا تقاس فقط بعدد الزيارات الميدانية أو العينات التي تؤخذ، بل بقدرة المؤسسات على اكتشاف الخطر، وتتبع مصدره، والتدخل عند الضرورة، ثم نشر معطيات واضحة تسمح ببناء الثقة بدل الاكتفاء ببلاغات عامة.
الإخطار الفنلندي لا يدين قطاع الأعشاب العطرية المغربي، لكنه يضعه أمام اختبار للشفافية والتتبع.
وإذا كانت منظومة أوروبية قد تمكنت من رصد البكتيريا في شحنة عبرت من المغرب إلى هولندا ثم فنلندا، فإن السؤال الذي يحتاج إلى جواب داخل المملكة يظل أكثر مباشرة: من يراقب الأعشاب التي تصل إلى موائد المواطنين، ومتى يحق لهم الاطلاع على نتائج هذه المراقبة؟
