بقلم: الباز عبدالإله
لم تعد الموارد الشمسية والريحية للمغرب مرتبطة فقط بخطط تقليص التبعية للوقود الأحفوري المستورد، بل أصبحت جزءاً من حسابات الأمن الطاقي الأوروبي، بعدما أطلقت الرباط وباريس دعوة لإبداء الاهتمام بمشروع ربط كهربائي مباشر، يهدف إلى دراسة إمكان نقل الكهرباء المتجددة المنتجة داخل المملكة إلى السوق الفرنسية.
ويحمل المشروع في ظاهره وعوداً باستثمارات جديدة، وبموقع أقوى للمغرب داخل خريطة الطاقة الأوروبية، لكنه يعيد في الوقت نفسه إلى الواجهة تجربة الربط الكهربائي مع بريطانيا، التي انتهت برفض لندن مواصلة دعم مشروع بلغت كلفته التقديرية نحو 25 مليار جنيه إسترليني، بعدما وضعت مردوده على الاقتصاد والمستهلك البريطانيين في صدارة حساباتها.
ومن هنا يبرز السؤال المركزي، فإذا كانت فرنسا قد حددت منذ البداية ما تبحث عنه داخل المشروع، فهل أصبحت صورة العائد الذي سيبقى داخل الاقتصاد المغربي واضحة بالقدر نفسه.
وأُعلن عن المبادرة يوم الخميس 16 يوليوز 2026، في ختام الاجتماع المغربي الفرنسي رفيع المستوى المنعقد بالرباط، حيث قدم رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو المشروع باعتباره جزءاً من أوراش اقتصادية طموحة، ترمي إلى توسيع التعاون بين شركات البلدين وإدماجها بصورة أكبر داخل سلاسل قيمة مشتركة.
غير أن وثيقة إحاطة فرنسية اطلعت عليها وكالة «رويترز» قدمت وصفاً أكثر مباشرة للمبادرة، موضحة أن الهدف يتمثل في تحديد حلول قابلة للتنفيذ تجارياً لتصدير الكهرباء المتجددة من المغرب إلى فرنسا.
ويعني ذلك أن السوق المستهدفة معروفة منذ مرحلة الإعلان، في حين لم تكشف المعطيات المنشورة عن القدرة الكهربائية المرتقبة، ولا عن حصة محتملة للسوق المغربية، ولا عن الأثر الذي قد تتركه عائدات التصدير على كلفة الكهرباء بالنسبة إلى الأسر والمقاولات داخل المملكة.
ولا يتعلق الأمر إلى حدود الساعة بقرار نهائي لإنشاء خط كهربائي، ولا بعقد استثماري مكتمل، بل بدعوة أولية لإبداء الاهتمام، تسبق عادة إعداد دراسات الجدوى التقنية والمالية والتجارية، واختيار المستثمرين، وتحديد نموذج التمويل، وآليات إنتاج الكهرباء وشرائها ونقلها وتسويقها.
كما لم تعلن الرباط أو باريس عن المسار الذي قد يسلكه الربط، ولا نقطتي انطلاقه ووصوله، ولا كلفته الإجمالية، ولا موعد دخوله المحتمل إلى الخدمة، ولا هوية الشركات التي قد تتولى بناء المنشآت وإنتاج الكهرباء ونقلها.
وتظل معطيات أكثر ارتباطاً بالجانب الاقتصادي المغربي غير معلنة أيضاً، من بينها سعر بيع الكهرباء إلى فرنسا، ومدة عقود الشراء، وحجم الضمانات أو الامتيازات العمومية، ونسبة المكون الصناعي المحلي، وطبيعة العائدات المرتبطة بالأراضي والتراخيص واستعمال البنية التحتية الكهربائية الوطنية.
ولا تندرج هذه التفاصيل ضمن الجوانب التقنية وحدها، بل ترتبط مباشرة بمستقبل فاتورة الكهرباء، وكلفة الإنتاج الصناعي، وقدرة المقاولات المغربية على المنافسة داخل الأسواق المحلية والدولية.
ويراهن المغرب رسمياً على رفع حصة الطاقات المتجددة إلى أكثر من 52 في المائة من القدرة الكهربائية المركبة بحلول سنة 2030، وفق الاستراتيجية المنشورة من طرف وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة.
غير أن ارتفاع حصة الطاقة الشمسية والريحية لا يؤدي تلقائياً إلى انخفاض السعر الذي يؤديه المستهلك، لأن الفاتورة النهائية لا تتشكل من كلفة الإنتاج وحدها، بل تشمل أيضاً التمويل والنقل والاستثمار في الشبكة والتخزين وتحقيق التوازن بين العرض والطلب، إضافة إلى طبيعة العقود الموقعة مع المنتجين الخواص.
ويزداد السؤال إلحاحاً عندما تُوجه المشاريع الجديدة منذ البداية إلى زبون أوروبي مضمون بعقود طويلة الأمد، لأن هذا النموذج قد يعزز موقع المغرب باعتباره قاعدة لإنتاج الطاقة النظيفة لفائدة أوروبا، من دون أن يكشف في المقابل عن حجم الأثر المتوقع على كلفة الكهرباء داخل المملكة.
ولا يعني ذلك أن تصدير الكهرباء يخلو من المكاسب، إذ يمكن للمشروع أن يجذب استثمارات جديدة، ويسهم في تطوير البنية التحتية الكهربائية، ويخلق فرص شغل خلال مرحلتي البناء والصيانة، ويوفر مداخيل من بيع الطاقة، ويقوي موقع المغرب داخل شبكة الربط الطاقي بين إفريقيا وأوروبا.
لكن القيمة الفعلية للمشروع لن تظهر في حجم الاستثمار المعلن وحده، بل في ما سيبقى داخل الاقتصاد الوطني بعد أداء كلفة المعدات المستوردة، وتسديد القروض، وتحويل أرباح الشركات الأجنبية، واحتساب الامتيازات العقارية والضريبية المحتملة.
وسيكون الفارق كبيراً بين مشروع تقتصر آثاره على إقامة محطات فوق الأراضي المغربية وتصدير إنتاجها، ومشروع يترك وراءه صناعة محلية وخبرة تقنية وفرصاً مستدامة للمقاولات واليد العاملة الوطنية.
ولا يزال غير واضح ما إذا كانت الكهرباء الموجهة إلى فرنسا ستُنتج في محطات جديدة مستقلة ومخصصة للتصدير، أم ستُسحب جزئياً من قدرات مرتبطة بالشبكة الوطنية، كما لم تُعلن تفاصيل تتعلق بكيفية حماية التزويد الداخلي خلال فترات ارتفاع الاستهلاك أو تراجع الإنتاج الشمسي والريحي.
وتكتسب هذه الأسئلة أهمية إضافية عند استحضار تجربة مشروع الربط الكهربائي بين المغرب وبريطانيا، التي تقدم مثالاً واضحاً على الطريقة التي تقيس بها الدول المستوردة المشاريع الطاقية بمردودها الداخلي قبل أي اعتبار آخر.
ففي يونيو 2025، رفضت الحكومة البريطانية مواصلة دعم مشروع بلغت كلفته التقديرية نحو 25 مليار جنيه إسترليني، وكان يهدف إلى نقل الكهرباء الشمسية والريحية المغربية عبر كابل بحري طويل لتزويد ما يصل إلى سبعة ملايين منزل بريطاني.
وأوضحت وكالة «رويترز» أن لندن فضلت مشاريع محلية اعتبرتها أكثر قدرة على تحقيق منافع اقتصادية، رغم أن مستثمرين كباراً كانوا قد أنفقوا أكثر من 100 مليون جنيه إسترليني على تطوير المشروع.
ولم تتعامل بريطانيا مع الكهرباء المغربية باعتبارها مجرد مصدر نظيف يساعدها على تحقيق أهدافها المناخية، بل قارنت المشروع بما سيخلقه من وظائف داخل اقتصادها، وما سيفتحه من فرص أمام مقاولاتها، وما قد يرتبه من مخاطر مالية وأمنية على المستهلك البريطاني.
وبذلك تحول القرار البريطاني إلى معيار واضح في قراءة المشاريع العابرة للحدود، إذ لم تكن نظافة الكهرباء وحدها كافية لإقناع لندن، ما لم يكن العائد الاقتصادي المحلي أكثر وضوحاً من البدائل المتاحة داخل البلاد.
ويعيد هذا المنطق طرح الأسئلة نفسها في الحالة المغربية، حول حجم القيمة المضافة المحلية، وعدد مناصب الشغل الدائمة، ونسبة المعدات التي ستُصنع داخل المملكة، والأثر المنتظر على كلفة الكهرباء بالنسبة إلى الاقتصاد الوطني.
ولا يأتي المشروع الفرنسي الجديد في سياق معزول، بل يندرج ضمن توسع متدرج لحضور باريس وشركاتها داخل قطاع الطاقة المغربي.
ففي أبريل 2024، أعلنت فرنسا استعدادها للمشاركة في تمويل خط كهربائي بقدرة ثلاثة جيغاواط يربط الدار البيضاء بالداخلة، إلى جانب تعاون يشمل الطاقة الشمسية والريحية والهيدروجين الأخضر، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» عن وزير الاقتصاد والمالية الفرنسي آنذاك برونو لومير.
وخلال زيارة الرئيس إيمانويل ماكرون إلى المغرب في أكتوبر 2024، وقعت شركات فرنسية اتفاقات جديدة في قطاع الطاقة، من بينها اتفاق بين «توتال إنرجيز» والوكالة المغربية للطاقة المستدامة في مجال الهيدروجين الأخضر، وفق الوثيقة الرسمية التي نشرتها الرئاسة الفرنسية.
كما أبرمت «إنجي» اتفاقاً واسعاً مع المجمع الشريف للفوسفاط، يشمل إنتاج الطاقة المتجددة، والبنية التحتية الكهربائية، وتحلية المياه، ودراسة مشاريع الهيدروجين ومشتقاته، بينما وقعت «كهرباء فرنسا» اتفاقات مرتبطة بتطوير مشاريع الطاقات المتجددة داخل المملكة.
وأفادت «رويترز» بأن القيمة الإجمالية للاتفاقات والالتزامات الموقعة خلال زيارة ماكرون تجاوزت عشرة مليارات يورو، من دون إعلان توزيع مالي دقيق يوضح قيمة كل مشروع على حدة، أو حجم التمويل الفعلي الذي التزمت به كل جهة.
وتشير هذه التحركات إلى أن فرنسا لا تبحث فقط عن كميات إضافية من الكهرباء، بل تسعى أيضاً إلى تثبيت موقع شركاتها داخل المشاريع التي يُنتظر أن تنتج الكهرباء والهيدروجين والأمونيا الخضراء الموجهة إلى أوروبا خلال العقود المقبلة.
ولا تكمن الإشكالية في تصدير الطاقة من حيث المبدأ، لأن المغرب يحتاج إلى أسواق خارجية وعقود شراء طويلة الأمد، تسمح للمشاريع الكبرى بالحصول على التمويل والاستقرار المالي، وتدعم تحول المملكة إلى فاعل إقليمي في مجال الكهرباء النظيفة.
لكن النقاش يبدأ عندما يكون الزبون الأوروبي معروفاً منذ الإعلان الأول، بينما يظل حجم الأثر الذي سيظهر داخل المغرب غير محدد، وعندما تُقاس الفائدة بعدد الاتفاقات وقيمتها الإجمالية، من دون الكشف عما ستحتفظ به المملكة فعلياً من وظائف وصناعة ومداخيل وتكنولوجيا.
وإلى أن تُنشر معطيات القدرة والكلفة ونموذج التمويل وسعر البيع ومدة العقود وحجم الضمانات العمومية، سيظل تقييم المشروع محصوراً في الوعود العامة، من دون إمكانية قياس أثره الحقيقي على الاقتصاد الوطني.
فرنسا تعرف ما تريده من المشروع، كهرباء متجددة منتجة في المغرب تساعدها على تنويع مصادرها، وتأمين احتياجاتها، ودعم انتقالها الطاقي، وفتح فرص جديدة أمام شركاتها.
أما داخل المغرب، فما يزال السؤال قائماً حول ما إذا كان المشروع سيقتصر على تصدير الكهرباء، أم سيترك أثراً ملموساً في الصناعة والتشغيل وتنافسية المقاولات وكلفة الطاقة بالنسبة إلى المستهلك.
