بقلم: الباز عبدالإله
كشفت مصادر إعلامية أن وزير العدل عبد اللطيف وهبي ربط نجاح تنزيل قانون المسطرة المدنية الجديد بتأهيل الموارد البشرية، وتكوين القضاة والمحامين وموظفي كتابة الضبط وباقي العاملين في المهن القانونية والقضائية، إلى جانب توحيد العمل القضائي وإصدار النصوص التنظيمية والتطبيقية الضرورية.
غير أن الحديث عن شروط نجاح القانون لم يعد نقاشاً نظرياً أو وعداً إدارياً مفتوحاً على الزمن، بعدما حسم المشرع موعد دخوله حيز التنفيذ بنص صريح، ومنح المؤسسات المعنية فترة انتقالية كان يفترض استثمارها في إعداد المحاكم والمنصات الرقمية والموارد البشرية والإطار التنظيمي المواكب.
فالقانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية نُشر في الجريدة الرسمية عدد 7485 بتاريخ 23 فبراير 2026، ونصت المادة 643 منه على دخوله حيز التنفيذ بعد مرور ستة أشهر على تاريخ نشره، ما يجعل 23 غشت 2026 موعداً قانونياً للشروع في تطبيقه.
وبذلك، جاء جواب وهبي قبل نحو 37 يوماً فقط من موعد النفاذ، دون أن يقدم حصيلة رقمية توضح عدد القضاة وموظفي كتابة الضبط والمحامين والمفوضين القضائيين الذين استفادوا من التكوين، أو عدد المحاكم التي خضعت لاختبارات عملية، أو نسبة جاهزية المنصات الإلكترونية، أو النصوص التنظيمية التي أُعدت ونُشرت استعداداً للمرحلة الجديدة.
وأوضح الوزير، في جواب كتابي عن سؤال للنائبة البرلمانية عن الفريق الحركي لطيفة أعبوث، أن نجاح تنزيل القانون يظل رهيناً بتأهيل الموارد البشرية وتكوين مختلف المتدخلين في منظومة العدالة، فضلاً عن توحيد العمل القضائي وإصدار النصوص التنظيمية والتطبيقية اللازمة.
غير أن هذا التشخيص، رغم وجاهته من الناحية المبدئية، لا يقدم جواباً عملياً عن مستوى تقدم الاستعدادات، ولا يكشف ما إذا كانت الشروط التي تحدث عنها الوزير قد تحققت فعلاً، أم أنها ما تزال أوراشاً مفتوحة قبل أسابيع قليلة من موعد التطبيق الملزم.
ولا يتعلق الأمر بتعديلات إجرائية محدودة يمكن استيعابها بواسطة منشور إداري أو لقاء تواصلي، بل بقانون يعيد تنظيم أجزاء واسعة من مسار التقاضي، ابتداء من الاختصاص والتبليغ والطعون، وصولاً إلى التنفيذ والحجز والبيع بالمزاد العلني، فضلاً عن إحداث منظومة متكاملة للمساطر والإجراءات الإلكترونية.
وتنص المادة 624 على إحداث نظام معلوماتي لتدبير المساطر أمام محاكم الدرجتين الأولى والثانية، تتولى السلطة القضائية تدبيره ومسك قاعدة بياناته بتنسيق مع وزارة العدل.
كما تنص المادة 625 على إحداث منصات مهنية خاصة بالمحامين والموثقين والعدول والمفوضين القضائيين والخبراء والتراجمة، وهو ما يفيد بأن التطبيق يتطلب بنية رقمية وطنية مترابطة ومؤمنة، وليس مجرد خدمات إلكترونية متفرقة أو تجارب محدودة داخل بعض المحاكم.
وتجيز المادة 628 إيداع المقالات والطلبات والطعون وأداء الرسوم والمصاريف القضائية عبر المنصة الإلكترونية، لكنها تحيل تحديد كيفيات الإيداع والأداء إلى نص تنظيمي.
ويطرح ذلك سؤالاً مباشراً حول ما إذا كان النص التنظيمي المطلوب قد صدر، وما إذا كانت المنصة أصبحت جاهزة لاستقبال المقالات والطعون وعمليات الأداء ابتداء من 23 غشت، أم أن مقتضيات أساسية من القانون ستدخل حيز التنفيذ قبل استكمال شروط تفعيلها.
وينطبق الأمر نفسه على الجلسات عن بعد، إذ اشترطت المادة 90 الموافقة المسبقة والصريحة للأطراف، وتوفير فضاء مجهز، وضمان الاتصال المتزامن، واحترام حقوق الدفاع، وحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي.
كما أحال القانون تحديد كيفية تنظيم هذه الجلسات إلى نص تنظيمي، بما يؤكد أن المشرع لم يترك تدبيرها لاجتهاد كل محكمة أو لتعليمات إدارية داخلية غير منشورة.
وأجازت المادة 636 المشاركة في إجراءات البيع بالمزاد العلني حضورياً أو عن بعد عبر المنصة الإلكترونية، مع إحالة شروط وكيفيات المشاركة عن بعد إلى نص تنظيمي، رغم ارتباط هذه العمليات بحق الملكية وشفافية البيع والمساواة بين المتزايدين وحماية مصالح المدينين والدائنين.
ولا يمكن التعامل مع هذه المقتضيات باعتبارها تفاصيل تقنية قابلة للتأجيل، لأن غياب النصوص المنظمة لها أو تأخر صدورها قد ينعكس مباشرة على حقوق المتقاضين وعلى سلامة الإجراءات المتخذة داخل المحاكم.
وحتى الأعطاب التقنية رتب عليها القانون آثاراً قانونية دقيقة، إذ تنص المادة 639 على تمديد الأجل إلى أول يوم يلي استئناف المنصة لخدماتها إذا تعذر الولوج إليها خلال اليوم الأخير من الأجل، كما تلزم الإدارة المختصة بنشر بلاغ يثبت حدوث العطب ومدته.
وتطرح هذه المقتضيات أسئلة عملية تتجاوز مجرد تشغيل منصة إلكترونية، وتتعلق بالجهة المخول لها إثبات العطل، وطريقة نشر البلاغات، وكيفية تحديد توقيت بداية الخلل ونهايته، والضمانات المقررة لحماية المتقاضي من سقوط حقه في الطعن بسبب عطب تقني لا يتحمل مسؤوليته.
فجاهزية النظام المعلوماتي ليست مجرد عنصر لتحسين الإدارة القضائية، بل قد تحدد قبول دعوى، أو سقوط طعن، أو صحة تبليغ، أو استمرار مسطرة تنفيذية، بما يجعل أي اضطراب تقني مرشحاً للتحول إلى نزاع قانوني حول الآجال وحقوق الدفاع والمسؤولية عن ضياع الحقوق.
وأشار وهبي إلى المعهد الوطني لكتابة الضبط والمهن القانونية والقضائية باعتباره إحدى المؤسسات التي ستتولى تكوين موظفي كتابة الضبط ومساعدي القضاء.
غير أن وجود المعهد من الناحية التنظيمية لا يشكل وحده دليلاً على جاهزية الموارد البشرية المعنية بتطبيق القانون.
فالمعهد أُحدث بموجب المرسوم رقم 2.24.371 الصادر في 20 يونيو 2024، باعتباره مديرية مركزية تابعة لوزارة العدل، وأسندت إليه مهام إعداد استراتيجية الوزارة في مجال التكوين، ووضع البرامج والمخططات، وتنفيذها وتقييمها.
لكن جواب الوزير لم يحدد عدد الدورات التي نُظمت بشأن القانون رقم 58.25، ولا عدد المستفيدين منها، ولا طبيعة المحاور التي شملتها، ولا نسبة موظفي كتابة الضبط والمهنيين الذين أصبحوا مؤهلين للتعامل مع المساطر الجديدة.
كما أن المسؤولية لا تقع على المعهد وحده، لأن تكوين القضاة يعود إلى المعهد العالي للقضاء، فيما يتطلب تكوين المحامين والموثقين والعدول والمفوضين القضائيين والخبراء والتراجمة تنسيقاً مؤسساتياً مع الهيئات المهنية المعنية.
أما تدبير النظام المعلوماتي، فقد جعله القانون مسؤولية مشتركة بين السلطة القضائية ووزارة العدل، وهو ما يقتضي خطة حكامة واضحة تحدد توزيع المسؤوليات والآجال ومؤشرات الإنجاز والجهات المكلفة بكل مرحلة من مراحل التنفيذ.
ولا يتيح القانون تأجيل تطبيقه عملياً بسبب استمرار التكوين أو عدم استكمال الرقمنة.
فالمادة 643 حددت موعد دخوله حيز التنفيذ بعد ستة أشهر من تاريخ نشره، بينما أبقت المادة 641 كل إجراء أُنجز بصورة صحيحة في ظل القانون السابق مرتباً لآثاره القانونية.
كما حافظت المادة 643 على قواعد الاختصاص السابقة بالنسبة للقضايا الجاهزة للحكم، وعلى الآجال التي بدأ سريانها، واستثنت الأحكام الصادرة قبل دخول القانون الجديد حيز التنفيذ من قواعد الطعن الجديدة.
ويعني ذلك أن المحاكم ستجد نفسها، ابتداء من 23 غشت، أمام نظامين إجرائيين متداخلين داخل الملفات الجارية.
وسيكون على القضاة وموظفي كتابة الضبط والمحامين التمييز بين الإجراء الذي يظل خاضعاً للقانون السابق والإجراء الذي ينتقل إلى القانون الجديد، وهو ما يضاعف الحاجة إلى دلائل تطبيقية موحدة وتكوين دقيق، تفادياً لاختلاف التأويل والممارسة من محكمة إلى أخرى.
وتزداد حساسية الملف لأن الدستور لا يتعامل مع الإجراءات القضائية باعتبارها شكليات إدارية ثانوية.
فالفصل 118 يضمن حق التقاضي لكل شخص للدفاع عن حقوقه ومصالحه التي يحميها القانون، بينما ينص الفصل 120 على الحق في محاكمة عادلة وفي حكم يصدر داخل أجل معقول، ويؤكد ضمان حقوق الدفاع أمام جميع المحاكم.
كما يلزم الفصل 126 السلطات العمومية بتقديم المساعدة اللازمة أثناء المحاكمة، والمساعدة على تنفيذ الأحكام القضائية.
وسبق للمحكمة الدستورية أن تدخلت في الصيغة السابقة من قانون المسطرة المدنية رقم 02.23، وصرحت بعدم مطابقة عدد من مقتضياتها للدستور، بسبب مساس بعضها بالأمن القضائي وحقوق الدفاع واستقلال السلطة القضائية ومتطلبات وضوح القاعدة القانونية.
وأُعيد النص بعد ذلك إلى المسار التشريعي، قبل أن يصدر في صيغته النهائية تحت رقم 58.25، ما يجعل الدقة في تنزيله امتداداً للرقابة الدستورية التي خضع لها، وليس مجرد مرحلة تقنية يمكن تدبيرها بالتدرج أو بواسطة تعليمات داخلية.
وكان جواب وهبي سيكون أكثر إقناعاً لو كشف عدد النصوص التنظيمية المطلوبة والمنشورة، ونسبة جاهزية النظام المعلوماتي، والمحاكم التي خضعت للاختبارات التقنية، وعدد القضاة وموظفي كتابة الضبط والمهنيين الذين استفادوا من التكوين، فضلاً عن خطة الوزارة والسلطة القضائية للتعامل مع الأعطاب الرقمية واختلاف التأويل خلال الأسابيع الأولى من التطبيق.
أما الاكتفاء بالتأكيد على أن القانون يحتاج إلى تكوين ورقمنة وموارد بشرية، قبل أسابيع قليلة من دخوله حيز التنفيذ، فيحول الجواب البرلماني من أداة للمحاسبة إلى توصيف عام لمتطلبات كان يفترض أن تقدم الوزارة حصيلة تنفيذها، لا أن تعيد الإعلان عنها بصيغة المستقبل.
السؤال لم يعد هل يحتاج قانون المسطرة المدنية إلى المواكبة، لأن النص والواقع حسما هذا الأمر، بل هل المحاكم والمنصات والموارد البشرية والنصوص التنظيمية جاهزة فعلاً ليوم 23 غشت، أم سيبدأ تطبيق أحد أكثر القوانين ارتباطاً بحقوق المغاربة، بينما شروط نجاحه ما تزال مرتبطة بوعود وتكوينات وإجراءات لم تُكشف حصيلتها بعد.
