بقلم: الباز عبدالإله
حوّل عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، لقاءه التواصلي مع ساكنة فجيج إلى مرافعة سياسية ضد العزوف الانتخابي وبيع الأصوات وتداخل المال بالسلطة، موجهاً انتقادات مباشرة إلى رئيس الحكومة عزيز أخنوش، وداعياً المواطنين إلى تحمل مسؤوليتهم في اختيار ممثليهم خلال الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026.
واستهل بنكيران كلمته بالإشادة بمدينة فجيج وساكنتها، معتبراً أن شهرتها تتجاوز حجمها الجغرافي والديمغرافي، بالنظر إلى ما يعرف عن أهلها من الجدية والتعاون والتشبث بالأصالة واللباس التقليدي.
وقال إن المدن البعيدة عن المراكز الكبرى لا ينبغي أن تظل مجرد محطات انتخابية موسمية، مقدماً اعتذاره، باسم الفاعلين السياسيين، عن التأخر في زيارة مناطق مثل فجيج والاستماع إلى سكانها خارج فترات الحملات الانتخابية.
وأكد أن زيارته للمدينة ليست تفضلاً على ساكنتها، وإنما حق لهم على المسؤولين السياسيين، الذين اعتادوا تنظيم أنشطتهم في العواصم والمدن الكبرى، في وقت يقطع فيه مناضلو المناطق البعيدة مئات الكيلومترات للمشاركة في المؤتمرات والمجالس الوطنية واللقاءات الحزبية.
ودعا الأمين العام لحزب العدالة والتنمية الحاضرين إلى عدم الابتعاد عن السياسة، معتبراً أن تراجع الثقة في الأحزاب لا يلغي تأثير القرارات السياسية في الحياة اليومية للمواطنين، سواء تعلق الأمر بالأسعار أو التعليم أو الصحة أو النقل أو الاستثمار أو الرخص والخدمات العمومية.
وأوضح أن المواطن قد يرفض الانتماء إلى حزب سياسي، لكنه لا يستطيع الانفصال عن نتائج السياسات العمومية، لأن القرارات المتخذة داخل الحكومة والبرلمان والجماعات الترابية تنعكس بصورة مباشرة على أسرته ودخله ومستقبل أبنائه.
وشدد على أن المشاركة السياسية لا تعني بالضرورة الانخراط الحزبي، موضحاً أن الحد الأدنى منها يتمثل في التسجيل في اللوائح الانتخابية ومتابعة أداء المنتخبين والتصويت للأشخاص والأحزاب التي يراها المواطن أكثر نزاهة وكفاءة.
وحذر بنكيران من بيع الأصوات خلال الانتخابات، واصفاً هذه الممارسة بأنها تنازل من المواطن عن حقه في المساهمة في إدارة شؤون بلاده، لأن التصويت مقابل المال يمنح أشخاصاً قد لا تتوفر فيهم شروط النزاهة سلطة اتخاذ القرارات المتعلقة بالمدرسة والمستشفى والطريق والميزانية والمال العام.
وأضاف أن من يبيع صوته لا يمكنه لاحقاً إعفاء نفسه من المسؤولية حين تتراجع الخدمات أو تضيع فرص أبنائه في التعليم والعلاج والشغل، لأنه يكون قد ساهم، بحسب تعبيره، في إيصال من يدبر تلك القطاعات إلى مواقع القرار.
واعتبر أن الانتخابات السابقة عرفت استعمالاً واسعاً للمال، داعياً كل من سبق له التصويت مقابل منفعة مادية إلى اعتبار ذلك خطأً جسيماً ينبغي عدم تكراره.
وشبه بنكيران اختيار المنتخب باختيار شخص يؤتمن على ممتلكات المواطنين، موضحاً أن الكفاءة تظل ضرورية، لكنها لا تكفي في غياب الأمانة والنزاهة، لأن المسؤول الذي يوظف موقعه لخدمة مصالحه الخاصة قد يكون أكثر خطراً من مسؤول محدود الخبرة.
وقال إن السياسة ليست مجالاً لجمع الثروة، وإنما فضاء لخدمة الدولة والمجتمع، مضيفاً أن من حق المسؤول الحصول على أجر يسمح له بالعيش بصورة مناسبة والتفرغ لمهامه، دون تحويل المسؤولية العمومية إلى وسيلة للاغتناء أو الحصول على الصفقات والامتيازات.
واستحضر في هذا السياق معاناة الفلاحين والعمال الذين يحصلون على دخلهم بعد مجهود يومي شاق، معتبراً أنه لا يمكن تبرير تحقيق ثروات كبيرة عبر استغلال النفوذ السياسي أو التلاعب بالصفقات العمومية والفواتير.
وخصص بنكيران جزءاً مهماً من كلمته لانتقاد رئيس الحكومة عزيز أخنوش، معتبراً أن الجمع بين رئاسة السلطة التنفيذية وامتلاك مصالح اقتصادية في قطاعات تتأثر بقرارات الدولة يطرح إشكالاً سياسياً وأخلاقياً يتعلق بتضارب المصالح.
وتوقف عند مشروع محطة تحلية مياه البحر بالدار البيضاء، قائلاً إن الصفقة آلت إلى تحالف يضم شركة مرتبطة بالمصالح الاقتصادية لرئيس الحكومة، معتبراً أن أخنوش كان مطالباً بالابتعاد عن أي مشروع تشرف الحكومة على تحديد شروطه أو دعمه.
وقال بنكيران إن الشركة المعنية تقدمت، بعد حصولها على المشروع، بطلب للاستفادة من دعم إضافي قدره 260 مليار سنتيم، قبل أن يعلن رئيس الحكومة أمام البرلمان أن الشركة لن تستفيد من هذا المبلغ.
وأضاف أن القرار الذي أقر الدعم لم يجر، وفق قوله، إلغاؤه بصورة رسمية، معتبراً أن الجمع بين الحصول على الصفقة والتقدم بطلب دعم عمومي إضافي يفرض تقديم توضيحات دقيقة للرأي العام.
واتهم بنكيران رئيس الحكومة بدخول السياسة محملاً بمصالح اقتصادية، معتبراً أن طبيعة القيادة تنعكس على تركيبة الحكومة وعلى طريقة تدبير عدد من الملفات.
وأوضح أنه لا يتهم جميع الوزراء بانعدام النزاهة أو الكفاءة، لكنه يرى أن الإشكال الأساسي يرتبط بموقع رئيس الحكومة وبالحدود الفاصلة بين القرار العمومي والمصالح الخاصة.
وأشار إلى أن أخنوش لم يتدرج داخل العمل السياسي بالطريقة التي تسمح للمواطنين بمتابعة مساره ومواقفه لسنوات، بل انتقل من عالم الأعمال والمحروقات إلى الوزارة ثم إلى رئاسة الحكومة.
وأضاف أن المسؤولية لا تقع على رئيس الحكومة وحده، لأن وصوله إلى منصبه جاء نتيجة انتخابات منح خلالها جزء من المغاربة أصواتهم لحزبه، داعياً الناخبين إلى تقييم نتائج هذا الاختيار خلال الاستحقاق المقبل.
وعاد بنكيران إلى مرحلة رئاسته للحكومة، متحدثاً عن طريقة تدبير صندوق المقاصة، وقال إن الإدارة لم تكن تتوفر آنذاك على الوسائل التقنية الكافية للتحقق من جميع المعطيات التي تقدمها شركات المحروقات بشأن الكميات المستوردة والتكاليف المصرح بها.
وأوضح أن الشركات كانت تقدم فواتير تحدد كميات الوقود التي اشترتها وأدخلتها إلى المغرب، في وقت لم تكن فيه الإدارة قادرة دائماً على التأكد من تطابق الكميات المصرح بها مع الكميات التي دخلت فعلياً إلى السوق الوطنية.
وتحدث عن مسؤولة سابقة في صندوق المقاصة قال إنها صرحت خلال اجتماع رسمي بعدم توفرها على الإمكانيات اللازمة للتحقق من صحة جميع الفواتير، متهماً أخنوش بملاحقتها إلى أن غادرت منصبها.
كما ربط بنكيران هذا الملف بما وصفه بـ«البلوكاج» الذي أعقب انتخابات سنة 2016 وانتهى بإبعاده عن رئاسة الحكومة، محملاً أخنوش مسؤولية المشاركة في تدبيره.
ودافع رئيس الحكومة الأسبق عن قرار رفع الدعم عن المحروقات، مؤكداً أن صندوق المقاصة كان يكلف ميزانية الدولة نحو 57 مليار درهم، قبل أن تتراجع كلفته إلى حوالي 12 أو 13 مليار درهم.
وقال إن الأموال التي جرى توفيرها ساعدت الدولة على تمويل برامج اجتماعية في التعليم والصحة، مضيفاً أن مسؤولين في الحكومة الحالية أقروا بأن عدم إصلاح المقاصة كان سيجعل تمويل عدد من الأوراش الاجتماعية أكثر صعوبة.
وانتقد تحميل الحكومة الحالية المسؤولية للحكومة السابقة، معتبراً أن رئيس الحكومة كان يستطيع، لو كان يعارض إصلاح المقاصة، العودة إلى النظام القديم عبر إصدار المراسيم اللازمة.
وأضاف أن عدم القيام بذلك يؤكد، في تقديره، أن الحكومة تدرك أن العودة إلى الدعم الشامل للمحروقات ستفرض أعباء ثقيلة على ميزانية الدولة.
وفي المقابل، أقر بنكيران بأنه كان يتعين على حكومته استكمال إصلاح المقاصة ومعالجة باقي الاختلالات المرتبطة بالفواتير والدعم العمومي، لمنع استفادة جهات غير مستحقة من أموال المواطنين.
ووجه انتقادات إلى نظام الدعم الاجتماعي المباشر، ولا سيما اعتماد السجل الاجتماعي الموحد والمؤشر الذي يحدد الأسر المستفيدة.
وقال إن بعض الأسر قد تحرم من الدعم بسبب امتلاك هاتف أو وسيلة نقل بسيطة أو بلوغ مستوى معين من الاستهلاك، معتبراً أن هذه المؤشرات لا تعكس دائماً الوضع الاقتصادي والاجتماعي الحقيقي للمواطنين.
وقارن بين النظام الحالي وبرنامج دعم الأرامل الذي أقرته حكومته، موضحاً أن قيمة المنحة كانت ترتفع بحسب عدد الأطفال، قبل أن تستبدل الحكومة الحالية هذا النظام بمساعدات قد تكون أقل بالنسبة إلى بعض الأسر.
وذكر أن أرملة كانت تستفيد من مبلغ يصل إلى 1050 درهماً عن ثلاثة أطفال قد تجد نفسها أمام دعم يقل عن المبلغ السابق، متسائلاً عن المبرر الاجتماعي لتقليص دخل أسرة فقيرة تعتمد على هذه المساعدة في تلبية حاجاتها الأساسية.
وحذر بنكيران أيضاً من استنزاف صناديق التغطية الصحية بسبب ممارسات قال إنها تتمثل في نقل مواطنين إلى مصحات خاصة وإخضاعهم لفحوصات أو علاجات غير ضرورية، ثم تحميل تكاليفها لصناديق التأمين.
واعتبر أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى إنهاك الموارد المالية للصناديق ودفع الدولة إلى الاقتراض أو تقليص الخدمات، مؤكداً أن الديون العمومية تؤدى في النهاية من ضرائب المواطنين ومن موارد الأجيال المقبلة.
وفي الشق السياسي والمؤسساتي من خطابه، دافع بنكيران عن النظام الملكي، معتبراً أنه وفر للمغرب عاملاً أساسياً للاستقرار، خصوصاً خلال احتجاجات سنة 2011 والاضطرابات التي عرفتها عدة دول عربية.
وقال إن الملكية تمنح الدولة قدرة على التفكير في المصالح الاستراتيجية بعيدة المدى، بعيداً عن ضغط الانتخابات الدورية، كما تساهم، بحسب رأيه، في منع تغول مؤسسة أو فئة على باقي المؤسسات والمكونات المجتمعية.
وأكد أن الدفاع عن الملكية لا يعني منع المواطنين من مناقشة طريقة تدبير الشأن العام، لأن الحكومة والبرلمان والجماعات الترابية تتحمل بدورها مسؤوليات دستورية واضحة.
واستحضر قرار تعميم نظام المساعدة الطبية «راميد»، موضحاً أنه جاء بتوجيه ملكي، وأن وزير الصحة الأسبق الحسين الوردي أشرف على تنزيله، واصفاً إياه بأحد أبرز الوزراء الذين تولوا قطاع الصحة في المغرب.
وجدد بنكيران تمسك حزبه بشعار «الإصلاح في إطار الاستقرار»، الذي رفعه خلال احتجاجات سنة 2011، معتبراً أن المغرب استطاع بفضل هذا التوجه تفادي سيناريوهات الاضطراب والانهيار التي عرفتها دول أخرى.
وختم كلمته بدعوة ساكنة فجيج إلى تقييم أداء ممثليها السابقين بعيداً عن الخطابات والاستعراضات الانتخابية، والنظر في مدى دفاعهم عن مصالح المنطقة وتتبعهم لملفاتها وعودتهم إلى المواطنين لتقديم حصيلة عملهم.
وقال إن المنتخب الذي أثبت نزاهته وقدرته على الدفاع عن السكان يستحق تجديد الثقة، أما من لم يتواصل معهم ولم يتابع قضاياهم فلا معنى، بحسب تعبيره، لإعادة انتخابه والسير في الاتجاه نفسه.
وقدم مرشحي حزبه باعتبارهم أبناء المنطقة الذين يعرفهم السكان وسبق لهم اختبار أدائهم، مؤكداً أنه لا يقدم أشخاصاً من عائلته أو من دائرة مصالحه الخاصة.
وبين انتقاد الحكومة والتحذير من بيع الأصوات، حمل خطاب بنكيران في فجيج رسالة انتخابية واضحة، مفادها أن استحقاقات 23 شتنبر لن تكون، من وجهة نظره، مجرد منافسة بين البرامج، بل اختباراً لمعايير النزاهة والأمانة وحدود الفصل بين المال والسلطة.
