بقلم: الباز عبدالإله
أعاد الملف التنظيمي للمغرب لدى الاتحاد الدولي للمحاسبين «IFAC»، المحيّن في ماي 2026، سؤال استقلال الرقابة على مدققي الحسابات إلى الواجهة، بعدما سجل أن المملكة لا تتوفر، إلى تاريخ التقييم، على هيئة عمومية مستقلة للإشراف على التدقيق، بينما تظل مسؤوليات التسجيل والتنظيم وضبط الجودة والتحقيق والتأديب مركزة أساساً داخل الهيئة المهنية نفسها التي تضم الخبراء المحاسبين.
وتكشف المعطيات المنشورة ضمن ملف المغرب لدى IFAC أن مهنة الخبرة المحاسبية مؤطرة بالقانون رقم 15.89، الصادر سنة 1993، والذي أسند إلى هيئة الخبراء المحاسبين بالمغرب «OEC-Morocco» صلاحيات واسعة تشمل مسك سجل المهنيين، ووضع معايير التدقيق والمتطلبات الأخلاقية، وإجراء مراجعات ضمان الجودة، فضلاً عن التحقيق في المخالفات وتأديب الأعضاء.
وبعد أكثر من ثلاثة عقود على إرساء الإطار القانوني للمهنة، يسجل الاتحاد الدولي للمحاسبين أن المغرب ما يزال يعمل أساساً وفق نموذج للتنظيم الذاتي المهني، من دون وجود سلطة عمومية مستقلة ومنفصلة تتولى الإشراف الخارجي على مدققي الحسابات.
ولا يقف تقييم IFAC عند توصيف الوضع القائم، إذ يشير إلى أن هيئة الخبراء المحاسبين أبلغته بوجود مناقشات مع السلطات الوطنية المعنية بشأن إمكانية إنشاء آلية مستقلة للإشراف على التدقيق، بما ينسجم مع الممارسات الدولية المتطورة، لكنه يؤكد أن هيئة مستقلة منفصلة لهذا الغرض لم تكن قد أُنشئت إلى حدود تاريخ التقييم.
ويضيف المصدر نفسه أن المغرب غير ممثل داخل «المنتدى الدولي للهيئات المستقلة لتنظيم التدقيق – IFIAR»، وهو تجمع دولي يضم سلطات مستقلة تتولى الإشراف على سوق التدقيق بعدد من الاقتصادات عبر العالم.
وتكتسب هذه الملاحظة أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة الدور الذي يؤديه مدققو الحسابات داخل الاقتصاد، إذ تفرض التشريعات المغربية عمليات تدقيق إلزامية على عدد من الشركات والمؤسسات، من بينها الشركات المساهمة والبنوك وشركات التأمين وكيانات أخرى تخضع لمتطلبات قانونية خاصة، بينما تعتمد مؤسسات المصلحة العامة على مراقبي حسابات قانونيين للتحقق من القوائم المالية وفق القواعد المعمول بها.
غير أن غياب هيئة عمومية مستقلة ليس الملاحظة الوحيدة التي يسجلها التقييم الدولي.
فعلى مستوى المعايير المهنية، يوضح IFAC أن هيئة الخبراء المحاسبين اعتمدت معايير مغربية للتدقيق متقاربة مع دليل المعايير الدولية للتدقيق الصادر عن مجلس معايير التدقيق والتأكيد الدولي «IAASB» في نسخة 2016-2017.
وتحت منهجية التقييم التي يعتمدها IFAC سنة 2026، فإن استعمال نسخة من المعايير الدولية للتدقيق تعود إلى ما قبل سنة 2018 يؤدي إلى تصنيف وضع اعتماد هذه المعايير في خانة «غير معتمدة – Not Adopted»، رغم وجود معايير مغربية متقاربة مع النسخة الدولية الأقدم.
ولا يعني هذا التصنيف أن المغرب لا يتوفر على قواعد للتدقيق أو أن عمليات التدقيق تنجز من دون معايير، وإنما يعني تحديداً أن المرجعية المعتمدة وطنياً لم تلحق، وفق تعريف IFAC الحالي، بالمستوى الزمني المطلوب لاعتبار أحدث المعايير الدولية للتدقيق معتمدة بصورة كاملة.
ويؤكد الاتحاد الدولي للمحاسبين، ضمن تقييمه لالتزامات هيئة الخبراء المحاسبين، أن الهيئة تتابع التطورات الصادرة عن مجلس معايير التدقيق والتأكيد الدولي، وتنظم تكوينات وتنشر المستجدات لفائدة أعضائها، لكنه يدعوها في الوقت نفسه إلى إعطاء الأولوية لوضع خطة محددة زمنياً لاعتماد أحدث معايير التدقيق الدولية بالنسبة لجميع عمليات التدقيق الإلزامي.
وتظهر فجوة زمنية أخرى في الجانب الأخلاقي للمهنة، إذ يسجل IFAC أن المدونة الوطنية لأخلاقيات المهنيين تستند إلى مدونة الأخلاقيات الدولية الصادرة سنة 2009 عن مجلس معايير الأخلاقيات الدولية للمحاسبين «IESBA».
وبحسب منهجية IFAC لسنة 2026، فإن الاعتماد على نسخة من مدونة الأخلاقيات تعود إلى ما قبل سنة 2018 يؤدي بدوره إلى تصنيف الوضع في خانة «غير معتمدة – Not Adopted»، بينما شهدت المرجعية الدولية منذ ذلك الحين إعادة هيكلة وتعديلات جوهرية، خصوصاً في الجوانب المتعلقة بالاستقلالية والتعامل مع التهديدات التي قد تمس موضوعية المهنيين.
ويشير تقييم IFAC لهيئة الخبراء المحاسبين إلى أن الهيئة تراقب التعديلات الدولية وتتيح لأعضائها الترجمات الفرنسية للمدونة وتدرج الأخلاقيات ضمن التكوين المستمر، لكنه يطالب أيضاً بوضع وتنفيذ خطة زمنية لمراجعة المدونة الوطنية وتحديثها وفق أحدث نسخة نافذة من المعايير الدولية للأخلاقيات والاستقلال.
ويمتد التفاوت إلى محاسبة القطاع العام، إذ يصنف IFAC اعتماد المغرب للمعايير المحاسبية الدولية للقطاع العام «IPSAS» في مستوى «معتمدة جزئياً – Partially Adopted»، موضحاً أن إصلاحات انطلقت منذ سنوات لتقريب محاسبة الدولة من هذه المرجعية، من دون توفر دليل لديه على اعتمادها الكامل وتنفيذها عبر جميع مستويات القطاع العام.
ولا يرسم التقييم، في المقابل، صورة سوداء شاملة للمنظومة، إذ تتوفر الهيئة المهنية المغربية على نظام لضمان جودة أعمال أعضائها، ويصنف IFAC هذا الجانب في خانة «معتمد»، كما يذكر أن متطلبات التكوين المهني المستمر تتضمن 120 ساعة خلال ثلاث سنوات، بينها ساعات قابلة للتحقق، مع إمكانية إحالة الأعضاء غير الممتثلين إلى المجلس التأديبي.
ويظهر كذلك أن نظام التحقيق والتأديب قائم ويشتغل فعلياً، إذ أفادت هيئة الخبراء المحاسبين IFAC بأنها عالجت 27 شكاية خلال السنوات الخمس الأخيرة. وعلى مستوى تقييم الإطار المعمول به في المغرب، يصنف الاتحاد الدولي للمحاسبين نظام التحقيق والتأديب في خانة «معتمد جزئياً – Partially Adopted»، بعدما أظهر التقييم الذاتي للهيئة استمرار فجوات مرتبطة بالمسطرة التأديبية والاستئناف والشفافية واعتبارات المصلحة العامة.
وتضع هذه المعطيات النقاش خارج منطق وجود الرقابة أو غيابها بالكامل، وتنقله إلى سؤال أكثر دقة يتعلق باستقلالها المؤسسي وحداثة المرجعيات التي تستند إليها.
فالمغرب يتوفر على هيئة مهنية تمارس مراقبة الجودة والتحقيق والتأديب، لكن الاتحاد الدولي للمحاسبين يسجل، في المقابل، أن الهيئة التي تضم المهنيين هي نفسها التي تتحمل الجزء الأكبر من مسؤولية تنظيمهم ومراقبتهم، بينما لم تتحول المناقشات المتعلقة بإنشاء سلطة عمومية مستقلة إلى مؤسسة قائمة إلى حدود ماي 2026.
وبين السعي إلى تعزيز جاذبية الاقتصاد المغربي للمستثمرين وتوسيع حضوره في الأسواق المالية وسلاسل الاستثمار الدولية، يعيد تقييم IFAC طرح سؤال يتجاوز حدود المهنة إلى الثقة في القوائم المالية والشركات نفسها: إلى متى تظل مراقبة مدققي الحسابات جزءاً من التنظيم الذاتي المهني من دون رقيب عمومي مستقل؟
