اختار عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، مدينة بوعرفة لإطلاق واحدة من أكثر مداخلاته السياسية حدّة تجاه حكومة عزيز أخنوش، بعدما حمّلها مسؤولية ارتفاع أسعار اللحوم، وسوء توجيه الدعم العمومي، وخلط ممارسة السلطة بالمصالح الاقتصادية، داعياً المواطنين إلى تحويل غضبهم الاجتماعي إلى عقاب انتخابي خلال اقتراع 23 شتنبر.
اللقاء التواصلي لم يقتصر على عرض مواقف حزبية أو تقديم وعود انتخابية، بل تحول إلى محاكمة سياسية مفتوحة للتدبير الحكومي، استعمل خلالها بنكيران لغة مباشرة، وانتقل من الحديث عن تهميش المناطق الشرقية إلى ملفات الدعم والاستيراد وتضارب المصالح وصفقات الاستثمار.
واستهل بنكيران كلمته باعتراف صريح بتقصير الطبقة السياسية تجاه المدن البعيدة عن المركز، معتبراً أن المسؤولين اعتادوا استدعاء سكان الأقاليم إلى الرباط، دون أن يفكروا بالقدر نفسه في الانتقال إليهم والاستماع إلى مشاكلهم داخل مناطقهم.
وقال إن بوعرفة وفكيك وبني تجيت وتندرارة ليست مجرد مناطق بعيدة عن العاصمة، بل مدن مغربية تستحق أن تكون حاضرة في أجندة المسؤولين السياسيين طوال الولاية الانتخابية، لا أن تتحول إلى محطات عابرة لا يتذكرها قادة الأحزاب إلا مع اقتراب موعد التصويت.
وأكد الأمين العام لحزب العدالة والتنمية أن موقع العاصمة في الرباط لا ينبغي أن يجعل باقي مناطق المملكة خارج دائرة الاهتمام، مشدداً على أن البعد الجغرافي لا يمكن أن يبرر غياب الإنصاف المجالي أو ضعف التواصل السياسي مع المواطنين.
ودعا بنكيران المغاربة إلى اكتشاف مناطق الشرق والجنوب، وعدم اختزال المغرب في الرباط والدار البيضاء والمدن الساحلية، معتبراً أن إنعاش السياحة الداخلية يمكن أن يشكل دعماً مباشراً لاقتصاد بوعرفة وفكيك والمراكز المجاورة.
وقال إن إنفاق المواطن بضع مئات من الدراهم داخل الفنادق والمطاعم والمتاجر المحلية يمكن أن يساعد سكان المنطقة، عوض توجيه كل النفقات السياحية نحو الشمال أو إلى دول أجنبية، مضيفاً أن زيارة هذه المناطق تمثل أيضاً فرصة لتعريف الأجيال الجديدة بالمغرب الحقيقي، بتنوعه ومناخه وخصوصياته الثقافية والاقتصادية.
وتوقف بنكيران مطولاً عند مؤهلات الثروة الحيوانية بالمنطقة، خصوصاً أغنام بني كيل، معتبراً أن جودة لحومها ومذاقها المميز يمكن أن يمنحاها قيمة تجارية مرتفعة داخل المغرب وخارجه، إذا جرى الانتقال من منطق الإنتاج التقليدي إلى سياسة حقيقية للتثمين والتسويق.
وأوضح أن الكسابة يمتلكون خبرة متوارثة في تربية المواشي، لكنهم لا يتحملون وحدهم مسؤولية تطوير السلسلة الإنتاجية، لأن دور السياسيين والمنتخبين يتمثل في جلب الاستثمار، وإحداث وحدات للتثمين والتحويل، وفتح قنوات التسويق، بما يسمح برفع مداخيل المربين وتحسين الأوضاع الاجتماعية للمنطقة.
غير أن الحديث عن الأغنام قاد بنكيران إلى واحد من أكثر الملفات إحراجاً للحكومة، وهو الدعم العمومي الذي وجه إلى مستوردي المواشي واللحوم بدعوى ضمان وفرة العرض وخفض الأسعار.
واعتبر بنكيران أن تجربة الدعم أثبتت، بحسب تقييمه، فشل المقاربة الحكومية، لأن الأموال العمومية صُرفت دون أن يلمس المواطن انعكاسها على الأسعار، بينما واصل ثمن اللحوم ارتفاعه إلى مستويات تراوحت، وفق ما ورد في كلمته، بين 130 و150 درهماً للكيلوغرام.
وتساءل عن الجدوى من تقديم الدعم للمستورد أو للفاعل الاقتصادي إذا كان سيواصل بيع اللحوم بالثمن الذي يفرضه السوق، مؤكداً أن حصول المستفيد على المال العمومي لا يعني تلقائياً أنه سيخفض السعر للمستهلك.
وقال بنكيران إن الدعم كان يفترض أن يتجه إلى صغار الكسابة المتضررين من الجفاف وارتفاع كلفة الأعلاف، بدل تركيزه لدى كبار المستوردين والفاعلين الذين يمتلكون إمكانات مالية واسعة ولا يحتاجون، في نظره، إلى مساعدة خزينة الدولة.
وطالب رئيس الحكومة بتقديم تفسير واضح للمغاربة بشأن أسباب انتقال سعر اللحوم من حوالي 70 درهماً إلى ما يفوق 130 درهماً، معتبراً أن استمرار الغلاء رغم الدعم والاستيراد يكشف خللاً في السياسة الحكومية، سواء على مستوى التشخيص أو التنفيذ أو مراقبة المستفيدين.
ورفع بنكيران سقف خطابه عندما وصف الحكومة بـ«حكومة الفراقشية»، موضحاً أن العبارة تستهدف، حسب قوله، الذين يستفيدون من أموال الدولة دون موجب مشروع، أو يوظفون القرار العمومي لخدمة مصالحهم الاقتصادية.
ومع ذلك، ظل توصيف بنكيران موقفاً سياسياً صادراً عنه، وليس حكماً قضائياً أو إثباتاً قانونياً لوقوع جرائم مالية، وهو تمييز ضروري بالنظر إلى خطورة الاتهامات التي أطلقها خلال اللقاء.
وربط الأمين العام لحزب العدالة والتنمية بين ما يجري في ملف الدعم وبين ظاهرة أوسع تتمثل في سيطرة المال على السياسة، معتبراً أن الحكم لا يمكن أن يتحول إلى وسيلة لتكوين الثروة أو توسيع الأعمال الخاصة.
وقال إن من يرغب في جمع المال يمكنه الاستثمار في التجارة أو الفلاحة أو الصناعة أو الخدمات، أما المسؤولية الحكومية فيفترض أن تقوم على خدمة الصالح العام، والدفاع عن المواطنين، وحماية المال العمومي.
وأضاف أن المسؤول الذي يصل إلى السلطة بدعم المال والنفوذ يصبح، في نظره، أكثر ميلاً إلى حماية مصالح الممولين والمقربين، بدل إعطاء الأولوية للفقراء والفئات الهشة والمناطق المهمشة.
واعتبر بنكيران أن ظاهرة خضوع القرار السياسي لرأس المال ليست مغربية خالصة، بل أصبحت مطروحة في عدد من الديمقراطيات الغربية، حيث تملك المجموعات الاقتصادية الكبرى قدرة متزايدة على التأثير في الحكومات والسياسات العمومية.
إلا أن أخطر ما ورد في كلمته تعلق بإعادة فتح ملف محطة تحلية مياه البحر بالدار البيضاء، التي فازت بصفقتها مجموعة ترتبط بمصالح رئيس الحكومة الاقتصادية.
وادعى بنكيران أن الشركة الفائزة بالصفقة سعت بعد ذلك إلى الاستفادة من دعم استثماري يبلغ 260 مليار سنتيم، قبل أن يجري التراجع عن القرار عقب إثارة الموضوع سياسياً وإعلامياً.
وشبه العملية بمقاول يفوز بصفقة بناء منزل بأقل عرض مالي، ثم يعود بعد حصوله عليها ليطلب مبلغاً إضافياً كبيراً من صاحب المشروع، معتبراً أن وجود الدعم كان ينبغي أن يعلن ضمن شروط المنافسة منذ البداية حتى يتقدم جميع المتنافسين على الأساس نفسه.
وطالب بنكيران عزيز أخنوش بتوضيح ملابسات الملف، ونشر الموقف النهائي للجنة الاستثمار، وتقديم اعتذار للمغاربة إذا ثبت أن طلب الدعم كان غير مستحق، معتبراً أن مبلغاً بقيمة 260 مليار سنتيم لا يمكن أن يمر دون مساءلة سياسية ومؤسساتية.
كما وجّه انتقادات إلى أحد أعضاء الحكومة بسبب امتلاكه مصالح تجارية في قطاع الأدوية، مدعياً أن أرباح نشاطه ارتفعت بصورة كبيرة بعد دخوله الوزارة.
ولم يسم بنكيران المسؤول المعني بصورة واضحة داخل الجزء المتداول من كلمته، غير أن حديثه أعاد طرح سؤال تضارب المصالح، وحدود الجمع بين المسؤولية الحكومية والاستفادة التجارية من قطاع يخضع لقرارات الدولة وتنظيمها.
واعتبر أن المسؤول الحكومي مطالب بتقديم أجوبة واضحة عندما تتقاطع اختصاصاته العمومية مع مصالح اقتصادية خاصة، لأن الشك في تضارب المصالح يضعف الثقة في القرار الحكومي، حتى في غياب إثبات قانوني لوقوع مخالفة.
وانتقل بنكيران بعد ذلك إلى دعوة سكان بوعرفة إلى الانخراط في السياسة، محذراً من الخطابات التي تدفع المواطنين إلى مقاطعة الشأن العام أو اعتباره مجالاً فاسداً لا فائدة من دخوله.
وقال إن السياسة تحدد أسعار المواد في الأسواق، وبرامج تعليم الأطفال، وعدد المستشفيات، وشروط الاستفادة من الدعم، وطريقة إنفاق القروض التي تؤديها الأجيال المقبلة.
وأضاف أن المواطن قد يقرر الابتعاد عن السياسة، لكن السياسة لن تبتعد عنه، لأنها تدخل إلى منزله عبر قرارات الأسعار والضرائب والتعليم والصحة والتشغيل.
وشدد على أن الدولة الحديثة حاضرة في مختلف تفاصيل حياة المواطنين، ما يفرض عليهم الحضور بدورهم في مراقبتها واختيار من يسير مؤسساتها، محذراً من أن الفراغ الذي يتركه المواطنون تستفيد منه شبكات المال والنفوذ.
ودعا بنكيران الناخبين إلى رفض بيع أصواتهم، مؤكداً أن التصويت مقابل المال لا يستقيم شرعاً ولا عقلاً ولا منطقاً، لأن المواطن الذي يبيع صوته يفقد حقه في محاسبة من اشترى ذلك الصوت بعد وصوله إلى السلطة.
وطالب سكان بوعرفة باختيار المرشحين الذين تتوفر فيهم النزاهة والغيرة على البلاد والقدرة على الدفاع عن مصالح المنطقة، بدل الانسياق وراء المال الانتخابي أو الوعود الموسمية.
وحول شعار المواجهة السياسية، قال بنكيران إن الرد على الحكومة لا ينبغي أن يكون بالحجر أو العنف، بل بصناديق الاقتراع، مستعيداً عبارة عبد الله بوانو: «اضربوهم بالأصوات ديالكم نهار 23».
وحاول الأمين العام لحزب العدالة والتنمية تقديم حزبه باعتباره البديل الأكثر قدرة على الفصل بين السياسة والمال، مؤكداً أن مسؤوليه سبق أن تولوا رئاسة الحكومة وتسيير كبريات المدن دون أن تثبت، حسب قوله، استفادة أي منهم من درهم واحد بغير حق.
واستعاد بنكيران حصيلة حكومته بين سنتي 2011 و2017، مشيراً إلى إصلاح صندوق المقاصة ونظام التقاعد، وإقرار دعم الأرامل، وتوسيع المنح لفائدة متدربي التكوين المهني، والرفع من بعض المعاشات الدنيا.
ودافع عن تلك الإصلاحات باعتبارها قرارات أنقذت التوازنات المالية للدولة، رغم ما أثارته من احتجاجات اجتماعية وانتقادات سياسية، مؤكداً أن مسؤوليته كانت تفرض عليه مواجهة الملفات الصعبة بدل ترحيلها إلى الحكومات اللاحقة.
كما استحضر حضوره الدوري إلى البرلمان خلال رئاسته الحكومة، قائلاً إنه لم يكن يتهرب من المساءلة الشهرية أمام مجلسي النواب والمستشارين، ومعتبراً أن رئيس الحكومة مطالب بأن يشرح قراراته للمؤسسات وللرأي العام.
وأعاد بنكيران التذكير بمرحلة احتجاجات سنة 2011، معتبراً أن خطاب الملك محمد السادس في 9 مارس، إلى جانب موقف حزب العدالة والتنمية الداعي إلى الإصلاح داخل إطار الاستقرار، ساهما في تجنيب المغرب مصير عدد من دول المنطقة.
وأكد أن المؤسسة الملكية تحظى، بحسب قوله، بإجماع واسع بين المغاربة، بينما تظل الحكومة خاضعة للتقييم والمحاسبة والتغيير عبر الانتخابات.
وخاطب الحاضرين قائلاً إن خمس سنوات من التدبير الحكومي كافية للحكم على حصيلة حكومة أخنوش، مضيفاً: «إلا ما عجبكمش هاد الشي، موعدنا نهار 23 شتنبر».
بهذه اللغة، بدا لقاء بوعرفة أقرب إلى افتتاح مبكر للحملة الانتخابية منه إلى نشاط تواصلي عادي، بعدما وضع بنكيران الدعم العمومي، وأسعار اللحوم، وتضارب المصالح، ومحطة التحلية، والعلاقة بين المال والسلطة في صلب المواجهة المقبلة.
الرسالة السياسية كانت واضحة: الحكومة، وفق رواية بنكيران، لم تعد تواجه فقط سؤال الحصيلة، بل سؤال من استفاد من قراراتها، ومن دفع كلفة غلاء الأسعار، ومن حاز الدعم العمومي دون أن يظهر أثره في حياة المواطنين.
أما الرسالة الانتخابية فكانت أكثر مباشرة: لا تواجهوا الحكومة بالغضب العابر، بل حاسبوها بالأصوات.
