بقلم: الباز عبدالإله
تكشف دراسة جامعية حديثة أن اختلال التوازن بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في المغرب لا يرتبط فقط بالممارسة السياسية، بل يستند أيضاً إلى بنية دستورية ومسطرية تمنح الحكومة موقعاً متقدماً في صناعة القوانين، مقابل تراجع ملموس لدور البرلمان في المبادرة والتعديل ومراقبة تنفيذ النصوص المصادق عليها.
الدراسة، التي أعدها الباحث عبد العزيز الهلالي بجامعة محمد الخامس بالرباط، ونُشرت في مجلة «دفاتر برلمانية» تحت عنوان «هيمنة الحكومة على الإنتاج التشريعي: تحليل المحددات الدستورية وآليات التحكم في المسطرة التشريعية»، تخلص إلى أن السلطة التنفيذية أصبحت الطرف الأكثر تأثيراً في مختلف مراحل إنتاج القانون، بدءاً من اقتراح النصوص وترتيب مناقشتها، مروراً بضبط التعديلات والتصويت، وانتهاءً بإصدار النصوص التطبيقية اللازمة لتنزيلها.
وتنطلق الورقة من ملاحظة مفادها أن ترجيح كفة السلطة التنظيمية على حساب المؤسسة التشريعية لا يعود حصراً إلى مقتضيات الدستور، بل يتغذى أيضاً من الممارسة البرلمانية والحزبية، حيث يتنازل البرلمان، في حالات متعددة، عن جزء من اختصاصه، إما بسبب ضعف المبادرة التشريعية، أو نتيجة محدودية قدرته على فرض مقترحاته داخل جدول الأعمال.
ورغم أن الفصل 70 من الدستور ينص على أن البرلمان يمارس السلطة التشريعية، فإن هذه السلطة تظل، وفق الدراسة، محكومة بقيود تمنح الحكومة أدوات واسعة لتوجيه مسار إنتاج القوانين.
فالفصل 71 يحصر المجالات التي يختص بها القانون، فيما يجعل الفصل 72 كل ما لا يندرج ضمنها من اختصاص المجال التنظيمي، وهو ما يوسع عملياً دائرة تدخل الحكومة في عدد من القضايا التي لا تدخل صراحة ضمن المجال المحفوظ للبرلمان.
كما يتيح الفصل 79 للحكومة الدفع بعدم قبول أي مقترح أو تعديل تعتبره خارج مجال القانون، على أن تفصل المحكمة الدستورية في النزاع عند الاقتضاء.
ويمنح الفصل 77 الحكومة أداة إضافية لرفض المقترحات والتعديلات التي قد تؤدي إلى تخفيض الموارد العمومية، أو إحداث تكليف مالي جديد، أو الزيادة في تكليف قائم.
وتكتسي هذه الصلاحية أهمية خاصة، بالنظر إلى أن قسماً كبيراً من المبادرات التشريعية ذات الطابع الاجتماعي والاقتصادي يترتب عنه أثر مالي، ما يجعل مصيرها، في نهاية المطاف، رهيناً بموافقة السلطة التنفيذية.
ولا يقتصر نفوذ الحكومة على قبول المقترحات أو رفضها، بل يمتد إلى التأثير بقوة في ترتيب الأولويات التشريعية. فالفصل 82، وإن كان ينص على أن مكتب كل مجلس يضع جدول أعماله، فإنه يفرض إدراج مشاريع ومقترحات القوانين بالأسبقية ووفق الترتيب الذي تحدده الحكومة.
وبذلك تحتفظ السلطة التنفيذية بقدرة مؤثرة على تحديد النصوص التي تحظى بالأولوية، فيما يمكن أن تظل مقترحات برلمانية مسجلة داخل المسطرة لمدد طويلة دون أن تبلغ مرحلة المناقشة والتصويت.
وفي مرحلة مناقشة النصوص، يمنح الفصل 83 الحكومة إمكانية الاعتراض على بحث تعديلات لم تعرض مسبقاً على اللجنة المختصة، كما يسمح لها بطلب التصويت دفعة واحدة على النص كله أو على جزء منه، مع الاقتصار على التعديلات التي اقترحتها أو وافقت عليها.
وترى الدراسة أن هذه المقتضيات تجعل الحكومة حاضرة في مختلف حلقات المسار التشريعي، ليس فقط باعتبارها صاحبة النصيب الأكبر من مشاريع القوانين، بل أيضاً بصفتها طرفاً يتوفر على أدوات دستورية وإجرائية لتوجيه النقاش وضبط مخرجات التصويت.
وتزداد هذه الأفضلية وضوحاً في ظل أغلبية برلمانية مرتبطة سياسياً بالحكومة، إذ قد يتحول الانضباط الحزبي إلى عامل يحد من استقلالية النواب وقدرتهم على تعديل المشاريع أو مراقبة الوزراء بعيداً عن حسابات التحالف الحكومي.
ولا ينتهي نفوذ السلطة التنفيذية بمجرد مصادقة البرلمان على القانون. فعدّة نصوص تظل في حاجة إلى مراسيم وقرارات تطبيقية حتى تدخل حيز التنفيذ، وعندما تتأخر الحكومة في إصدارها، يبقى القانون معلقاً رغم استكماله المسطرة التشريعية ونشره رسمياً.
وتشير الدراسة إلى أن النواب لا يتوفرون على آلية دستورية مباشرة تلزم الحكومة بإصدار جميع النصوص التطبيقية داخل آجال محددة، ولا يبقى أمامهم في حالات كثيرة سوى اللجوء إلى وسائل الرقابة التقليدية، وفي مقدمتها الأسئلة الشفوية والكتابية.
ويترتب عن هذا الوضع أن البرلمان لا يضمن دائماً التنفيذ الفعلي للنصوص التي يصادق عليها، فيما تحتفظ الحكومة عملياً بالكلمة الأخيرة في انتقال القانون من حيز النشر إلى التطبيق.
غير أن الورقة لا تعفي المؤسسة التشريعية من المسؤولية، إذ تعتبر أن ضعف البرلمان لا ينتج فقط عن اتساع صلاحيات الحكومة، بل يرتبط أيضاً بمحدودية المبادرة التشريعية، وضعف استعمال الآليات الرقابية، وهيمنة منطق الأغلبية على عمل اللجان والجلسات العامة.
وفي ظل هذه المعادلة، يتحول البرلمان تدريجياً من فضاء لإنتاج القواعد القانونية ومساءلة السياسات العمومية إلى مؤسسة يغلب على دورها مناقشة مشاريع السلطة التنفيذية والمصادقة عليها، دون قدرة مماثلة على فرض أجندة تشريعية مستقلة.
ولا تحصر الدراسة هذه الظاهرة في حكومة بعينها، بل تقدمها باعتبارها اختلالاً ممتداً في بنية العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.
غير أن هذا الطابع البنيوي لا يعفي الحكومات المتعاقبة، ومنها الحكومة الحالية، من مسؤولية الاستفادة من هذه الأدوات وتكريسها داخل الممارسة السياسية.
وتضع خلاصات الورقة سؤالاً مؤسساتياً مباشراً حول فعالية الوظيفة التشريعية وجدوى البرلمان، عندما تكون الحكومة صاحبة القسم الأكبر من المبادرة، والمؤثرة بقوة في ترتيب الأولويات، والمتحكمة في جزء مهم من مسطرة التعديل والتصويت، ثم المسؤولة عن إصدار النصوص التطبيقية.
وخلص الباحث إلى أن معالجة هذا الاختلال تتطلب إصلاحات دستورية وتشريعية ومؤسساتية تعزز استقلال البرلمان، وتعيد التوازن بين السلط، وتمنح المبادرة البرلمانية قدرة فعلية على التأثير، بدل بقائها محدودة أمام التفوق الحكومي في صناعة القانون.
