وجّهت نبيلة منيب، البرلمانية عن الحزب الاشتراكي الموحد وأمينته العامة السابقة، انتقادات حادة إلى طريقة تنزيل ورش الدولة الاجتماعية، معتبرة أن آليات الاستهداف المعتمدة لصرف الدعم المباشر والتغطية الصحية أفضت إلى إقصاء عدد من الأسر التي تعيش أوضاعاً اجتماعية هشة.
وقالت منيب، خلال مشاركتها في ندوة نظمها مركز محمد بنسعيد آيت إيدر للأبحاث والدراسات، يوم أمس الجمعة 17 يوليوز 2026 بالدار البيضاء، تحت عنوان «الدولة الاجتماعية بين الوعود المعلنة والإنجازات الفعلية»، إن المؤشر الاجتماعي المعتمد لا يعكس دائماً الوضع الحقيقي للأسر، وقد يحرم مواطنين من الاستفادة بسبب معايير إدارية لا تراعي بدقة حجم الهشاشة أو الالتزامات المعيشية.
وتساءلت عن أسباب عدم اعتماد نظام للتغطية الصحية الشاملة ممول من الضرائب، بما يضمن استفادة المواطنين من العلاج باعتباره حقاً اجتماعياً، بدل ربط الولوج إلى التغطية بنتائج مؤشر قد تتغير دون أن تتغير الأوضاع الاجتماعية للأسر المعنية.
وأضافت أن الانتقال من نظام المساعدة الطبية «راميد» إلى نظام «أمو تضامن» أدى، وفق المعطيات التي قدمتها، إلى إقصاء نحو مليون شخص، وهو رقم يطرح الحاجة إلى توضيحات رسمية دقيقة بشأن عدد المواطنين الذين فقدوا التغطية بعد الانتقال إلى النظام الجديد، وأسباب خروجهم من دائرة الاستفادة.
واعتبرت منيب أن الدولة الاجتماعية لا ينبغي أن تقتصر على توزيع مساعدات محدودة على الفئات الفقيرة، بل يجب أن تقوم على إعادة توزيع عادلة للثروة، وضمان تكافؤ الفرص، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.
وانتقدت ما وصفته باستفادة «الأوليغارشية» من الثروات والامتيازات، مقابل الاكتفاء بتقديم «الفتات» للفئات الهشة، معتبرة أن الدعم الاجتماعي، بصيغته الحالية، قد يتحول إلى أداة لتدبير الفقر بدل القضاء على أسبابه البنيوية.
ولخصت موقفها بعبارة لافتة قالت فيها إن هذا النموذج يجعل «الفقير يبتسم في وجه جلاده»، في إشارة إلى أن الفئات المتضررة قد تصبح مرتبطة بمساعدات محدودة، دون أن تستفيد من إصلاحات حقيقية تمس توزيع الثروة والولوج إلى الخدمات العمومية والشغل والتعليم والصحة.
كما وجّهت منيب انتقادات مباشرة إلى حكومة عزيز أخنوش، معتبرة أنها همشت قضايا الديمقراطية والحريات، وركزت اهتمامها على التدبير التقني والاقتصادي للسياسات العمومية، دون إحداث تحول سياسي ومؤسساتي يضمن ربط المسؤولية بالمحاسبة.
وتوقفت عند إسناد دور مركزي لوزارة الداخلية في إعداد وتتبع برامج التنمية الترابية المندمجة، متسائلة عن الموقع الذي سيبقى للمجالس المنتخبة وللانتخابات وتجديد النخب، إذا كانت الإدارة الترابية ستتحكم في تحديد الأولويات وبرمجة المشاريع ومراقبة تنفيذها.
وقالت في هذا السياق إن تركيز القرار التنموي داخل أجهزة الإدارة يهدد بتحويل المؤسسات المنتخبة إلى بنيات محدودة التأثير، في وقت يفترض فيه أن تكون الجماعات والجهات في صلب إعداد وتنفيذ السياسات الترابية.
وانتقدت أيضاً ما وصفته بإضعاف المؤسسات الدستورية والرقابية، من بينها مجلس المنافسة، مؤكدة أن برامج التنمية والدولة الاجتماعية لا يمكن أن تحقق أهدافها في غياب بناء ديمقراطي فعلي، وفصل حقيقي للسلط، واستقلال القضاء، ومحاربة الفساد، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ووسعت منيب دائرة انتقاداتها لتشمل سياسة الانفتاح التجاري، معتبرة أن إبرام عدد كبير من اتفاقيات التبادل الحر لم ينعكس بالضرورة إيجاباً على الميزان التجاري أو على حماية الصناعة والإنتاج الوطنيين.
كما هاجمت الميثاق الوطني للاستثمار، واعتبرت أنه «يشرعن بيع المغرب»، في تعبير سياسي حاد يعكس اعتراضها على الامتيازات العقارية والضريبية والمالية التي تمنح لبعض المستثمرين، دون أن تقترن دائماً، بحسب موقفها، بعائد اجتماعي واقتصادي يوازي حجم الدعم العمومي المقدم.
وأدانت ما وصفته بالسطو على الأراضي الفلاحية ومصادر المياه، وتمكين دائرة محدودة من المستفيدين من الدعم والامتيازات، معتبرة أن ذلك يساهم في توسيع نفوذ فئات تجمع بين القوة الاقتصادية والتأثير السياسي، ويمنحها القدرة على بناء امتداد انتخابي يحمي مصالحها.
وقالت منيب إن المغرب «ابتلي بقوم لا يخجلون ويعتقدون أن المغاربة بلا ذاكرة ولا يدركون ما يقع في البلاد»، في انتقاد مباشر للنخب التي تتولى تدبير الشأن العام، وللطريقة التي تقدم بها السياسات الاجتماعية باعتبارها إنجازات كبرى، بينما يستمر الجدل حول أثرها الحقيقي على حياة المواطنين.
وتعيد تصريحات منيب إلى الواجهة سؤالاً أساسياً بشأن مضمون الدولة الاجتماعية: هل يتعلق الأمر بمنظومة متكاملة لإعادة توزيع الثروة وضمان الخدمات والحقوق الأساسية، أم بمجرد آلية لتقديم مساعدات مالية محدودة إلى الفئات الهشة، في مقابل استمرار تركّز الثروة والامتيازات داخل دوائر اقتصادية وسياسية محدودة؟
