بقلم: الباز عبدالإله
خفض البنك الدولي تقييم التقدم العام في تنفيذ برنامج «النجاعة» لإصلاح أداء القطاع العام المغربي، الممول بقرضين تبلغ قيمتهما الأصلية مجتمعة 700 مليون دولار، بعدما سجل استمرار نقائص مرتبطة بقيادة البرنامج وتوفر بيانات تنفيذ الميزانية وآليات تتبع حالات الغش والفساد.
وجاءت الملاحظات في تقرير «حالة التنفيذ والنتائج» الصادر بتاريخ 21 مارس 2026 بشأن برنامج «Morocco Public Sector Performance – ENNAJAA»، الذي يستهدف تحسين أداء وشفافية العمليات الحكومية وجودة تقديم الخدمات العمومية.
وتظهر صفحة التقييم أن البنك أبقى تصنيف التقدم نحو تحقيق الهدف التنموي للبرنامج عند مستوى «مرضٍ – Satisfactory»، لكنه خفض في المقابل تقييم التقدم العام في التنفيذ من «مرضٍ» إلى «مرضٍ بدرجة متوسطة – Moderately Satisfactory».
وأكد التقرير أن البرنامج يواصل تحقيق تقدم في مجالاته الرئيسية، لكنه سجل في الوقت نفسه وجود جوانب تحتاج إلى تسريع، بما يكشف عن فارق بين استمرار الإصلاح من حيث المبدأ ووتيرة تنزيل بعض مكوناته العملية.
وتبرز أكثر الملاحظات حساسية في الشق المرتبط بالتدبير المالي والرقابي، إذ سجلت بعثة البنك الدولي المنجزة في يناير 2026 ثلاث نقاط تحتاج إلى المعالجة.
وتتعلق الملاحظة الأولى بلجنة قيادة البرنامج «COPIL»، بعدما أكد التقرير أن اجتماعاتها لا تُعقد بالوتيرة المطلوبة، رغم الدور المفترض لهذه الآلية في تنسيق ومتابعة برنامج إصلاحي يمتد عبر عدد من الإدارات والمؤسسات الحكومية.
أما الملاحظة الثانية، فتهم توفر البيانات المالية، إذ سجل البنك أن معطيات تنفيذ الميزانية لا تتوفر في الوقت الحقيقي بالنسبة إلى بعض النفقات، بما يحد من إمكانية التتبع الآني للتنفيذ المالي للبرنامج.
وجاءت الملاحظة الثالثة في صلب الحكامة، حيث أكد البنك الدولي عدم وجود آلية مركزية أو جهة محددة مكلفة بتتبع حالات الغش والفساد والإبلاغ عنها داخل البرنامج.
ولا يعني ذلك أن البنك الدولي رصد حالات فساد داخله، إذ يشير التقرير نفسه، في القسم المتعلق بالمشتريات، إلى عدم اكتشاف حالات غش أو فساد، كما لم تحصل أي شركة مدرجة ضمن لوائح الإقصاء على عقد ممول في إطار البرنامج.
غير أن الملاحظة تظل ذات وزن خاص، لأن البنك يسجل غياب بنية مركزية محددة لتجميع وتتبع والإبلاغ عن مثل هذه الحالات إذا ظهرت، داخل برنامج يقوم جزء أساسي من فلسفته على تحسين الأداء والشفافية.
ويكتسب الموضوع ثقله أيضاً من الحجم المالي للبرنامج، إذ حصل المغرب على تمويل أول بقيمة 450 مليون دولار، قبل إضافة تمويل ثان بقيمة 250 مليون دولار، لترتفع القيمة الأصلية الإجمالية للقرضين إلى 700 مليون دولار.
وتكشف معطيات التقرير أن القرض الأول صرف منه نحو 260.55 مليون دولار إلى تاريخ إعداد الوثيقة، فيما بلغ المصروف من القرض الإضافي حوالي 78.82 مليون دولار، ما يعني أن رقم 700 مليون دولار يمثل الحجم الأصلي الإجمالي للتمويل وليس المبلغ المصروف كاملاً.
وبحسب التقرير، بلغت الدفعات التراكمية، محسوبة باليورو، حوالي 293.43 مليون يورو، أي ما يقارب 44.7 في المائة من إجمالي التمويل وفق طريقة الاحتساب الواردة في الوثيقة، بينما كان تقرير تحقق إضافي يراجع نتائج جديدة يمكن أن ترفع مستوى الصرف بعد اعتمادها.
وسجل البنك كذلك أن 52 في المائة من أهداف الأداء السنوية لوزارة الاقتصاد والمالية تحققت، مقابل هدف للبرنامج يبلغ 55 في المائة، في حين وصف إدارة الضرائب بأنها المجال الأقوى داخل البرنامج بعد تسجيل تقدم في مؤشرات مرتبطة بالمداخيل والرقمنة.
وفي مجال الأنظمة البيئية والاجتماعية، صنف البنك الأداء في مستوى «مرضٍ بدرجة متوسطة»، مشيراً إلى أن أول تقرير جهوي بيئي واجتماعي خاص بجهة فاس-مكناس ظل غير منجز عند إعداد الوثيقة، رغم التوصل بحوالي عشر استمارات مبسطة للتتبع.
وفي المقابل، ظل الأداء المالي العام مصنفاً في مستوى «مرضٍ»، كما بقي مستوى المخاطر المرتبطة بالتدبير المالي والمشتريات متوسطاً، وهو ما يؤكد أن خفض تقييم التنفيذ لا يعني حكماً شاملاً بفشل البرنامج، وإنما يعكس نقائص محددة في عدد من آليات القيادة والتتبع والرقابة.
لكن المفارقة تبقى قائمة: برنامج بمئات ملايين الدولارات يحمل عنوان تحسين الأداء والشفافية، بينما يسجل البنك الدولي أن لجنة قيادته لا تجتمع بالوتيرة المطلوبة، وأن جزءاً من بيانات تنفيذ الميزانية غير متوفر في الوقت الحقيقي، وأن آلية مركزية مخصصة لتتبع حالات الغش والفساد والإبلاغ عنها ما تزال غائبة.
وبين استمرار التمويل وتحقيق تقدم في بعض المؤشرات، يضع خفض تقييم التنفيذ الحكومة أمام سؤال مباشر حول ما إذا كانت آليات القيادة والرقابة والشفافية تتقدم بالسرعة نفسها التي يتقدم بها تنفيذ البرنامج.
