لم تتوقف النائبة البرلمانية فاطمة التامني عند اسم فوزي لقجع أو الحزب الذي تتحدث معطيات إعلامية عن استعداده للترشح باسمه، بل نقلت النقاش إلى مستوى أكثر حساسية: أي نموذج سياسي يجري تكريسه عندما يصبح استقطاب أصحاب النفوذ ومراكز القرار أهم من إقناع المواطنين بالبرامج والرؤى والبدائل؟
وفاطمة التامني أستاذة راكمت أكثر من عقدين من العمل داخل قطاع التعليم العمومي، وفاعلة سياسية يسارية بدأت مسارها التنظيمي داخل حزب المؤتمر الوطني الاتحادي، قبل أن تشارك في مسار توحيد مكونات اليسار ضمن فيدرالية اليسار الديمقراطي، التي تشغل عضوية مكتبها السياسي.
وانتُخبت عضواً بمجلس النواب خلال الولاية التشريعية 2021-2026 عن الدائرة الجهوية للدار البيضاء-سطات، وتعمل داخل لجنة القطاعات الاجتماعية، حيث عُرفت بمواقفها المعارضة وبأسئلتها الرقابية المرتبطة بالتعليم والصحة والحريات والمالية العمومية والعدالة الاجتماعية.
وجاء موقفها الأخير على خلفية ما يروج بشأن التحاق الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، بحزب الأصالة والمعاصرة، واستعداده لخوض الانتخابات التشريعية المقبلة باسم الحزب.
وكتبت التامني، في تدوينة نشرتها على صفحتها بموقع «فيسبوك»، اليوم الأربعاء 22 يوليوز 2026، أن الإشكال لا يكمن في انتقال شخص بعينه إلى حزب معين، لأن الانتماء الحزبي والترشح للانتخابات يظلان حقاً سياسياً، وإنما في النموذج الذي ترسمه مثل هذه الاستقطابات لطبيعة المنافسة الحزبية بالمغرب.
وقالت: «ليس الإشكال في انتقال هذا الشخص أو ذاك إلى حزب معين، وإنما في النموذج السياسي الذي يتكرس أمام أعين المغاربة».
بهذه العبارة، أخرجت التامني النقاش من دائرة الأشخاص، وفتحته على سؤال أوسع: هل تتنافس الأحزاب المغربية على إقناع الناخبين بمشاريع مجتمعية مختلفة، أم باتت تتسابق لضم أسماء تجمع بين المسؤولية الحكومية والنفوذ الإداري والحضور داخل مراكز صناعة القرار؟
وأضافت: «حين يصبح التنافس الحزبي قائماً على استقطاب أصحاب النفوذ ومراكز القرار، بدل التنافس حول البرامج والرؤى والبدائل، نكون أمام انزياح خطير في معنى السياسة نفسها».
ولا يتضمن كلام التامني اتهاماً مباشراً بخرق القانون أو باستعمال النفوذ انتخابياً، لكنه يطرح إشكالاً سياسياً مشروعاً بشأن تكافؤ الفرص بين الأحزاب والمرشحين، وحدود الفصل المطلوب بين مواقع المسؤولية داخل الدولة والتدافع الحزبي والانتخابي.
فالمسؤول الحكومي يحظى، بحكم منصبه، بحضور إعلامي واسع، ويتولى تدبير ملفات عمومية كبرى، ويرتبط اسمه ببرامج ومشاريع تمولها الدولة من أموال دافعي الضرائب. وحين يدخل هذا الرصيد إلى الحلبة الانتخابية، يصبح السؤال مطروحاً حول قدرة المرشحين الآخرين على خوض المنافسة بالشروط نفسها، وحول الضمانات التي تحول دون تحوّل الموقع العمومي إلى أفضلية سياسية غير متاحة للجميع.
واعتبرت التامني أن جوهر الانتخابات في الأنظمة الديمقراطية لا يتمثل في تجميع الشخصيات الأكثر نفوذاً داخل حزب واحد، وإنما في عرض مشاريع واضحة على المواطنين، وتمكينهم من الاختيار الحر، وترك الكلمة الأخيرة لصناديق الاقتراع.
وكتبت: «فالانتخابات في الديمقراطيات ليست سباقاً للاستحواذ على أدوات القوة، بل مناسبة لعرض المشاريع المجتمعية والاحتكام الحر إلى إرادة المواطنين».
وتزداد حساسية هذا النقاش عندما تتقدم الأسماء على البرامج، وتبدأ صناعة صورة «المرشح القوي» أو «رجل المرحلة» قبل أن يعلن المعني بالأمر مشروعه السياسي، أو يقدم حصيلته للناخبين، أو يكشف تصوراته بشأن البطالة والمديونية والعدالة الضريبية والتعليم والصحة وتوزيع الثروة ومحاربة تضارب المصالح.
فالانتخابات، وفق هذا المنطق، تصبح معرضة للتحول من منافسة بين اختيارات سياسية إلى مواجهة غير متكافئة بين مواقع النفوذ؛ أحزاب تقدم برامج وتحاول بناء حضورها ميدانياً، وأخرى تراهن على أسماء ارتبطت، في أذهان المواطنين، بالدولة ومؤسساتها ومشاريعها الكبرى.
وحذرت التامني من الرسالة التي قد تصل إلى الناخب عندما يرى أن السباق الانتخابي يجري تقديمه باعتباره محسوماً بقوة الأسماء والمواقع، بدل الاحتكام إلى البرامج والقدرة على الإقناع والعمل الميداني.
وقالت: «أما حين يُختزل الرهان في كسب من يملك النفوذ أو التأثير داخل الدولة، فإن الرسالة التي تصل إلى المواطن هي أن موازين القوة تُحسم خارج صناديق الاقتراع، وأن البرنامج والكفاءة والعمل الميداني تصبح عناصر ثانوية».
إنها رسالة ثقيلة سياسياً، لأنها تمس الثقة في جدوى المشاركة نفسها.
فما الذي سيدفع المواطن إلى قراءة البرامج وحضور التجمعات ومحاسبة المرشحين، إذا ترسخ لديه الاعتقاد بأن موازين المنافسة تُرتب مسبقاً عبر استقطاب أصحاب النفوذ إلى الأحزاب الأكثر حظاً؟
القضية لا تتعلق بحق لقجع أو غيره في الانتماء إلى حزب سياسي، ولا بحق «البام» أو سواه في استقطاب شخصيات يصفها بالكفاءات.
الإشكال الذي تطرحه التامني يرتبط بالشروط السياسية المحيطة بهذه الانتقالات، وبقدرة المؤسسات على ضمان ألا تتحول مواقع الدولة إلى رأسمال انتخابي، وألا تختلط في نظر المواطن صورة المسؤول العمومي بصورة المرشح الحزبي.
وشددت البرلمانية اليسارية على أن المغرب لا يحتاج إلى مجرد نقل النفوذ من حزب إلى آخر، لأن تغيير عناوين الانتماء لا يعني، في حد ذاته، تغيير السياسات أو تجديد الممارسة الديمقراطية.
وقالت: «ما يحتاجه المغرب اليوم ليس إعادة توزيع النفوذ بين الأحزاب، وإنما إعادة الاعتبار للسياسة نفسها، باعتبارها تنافساً نزيهاً بين الأفكار والبرامج، في ظل فصل واضح بين الدولة والتدافع الحزبي، وتكافؤ حقيقي للفرص بين جميع الفاعلين».
بهذا الموقف، أعادت التامني السؤال إلى مكانه الأصلي: من يمنح الشرعية السياسية؟ هل هو الناخب الذي يختار بين برامج متنافسة، أم الموقع الذي يشغله المرشح قبل دخوله الانتخابات؟ وهل تريد الأحزاب إقناع المواطنين بمشاريعها، أم تعتقد أن استقطاب الأسماء النافذة يكفي لصناعة الفوز؟
وختمت تدوينتها بعبارة تلخص جوهر انتقادها: «الديمقراطية ليست سوقاً لانتقال أصحاب النفوذ بين الأحزاب، ولا سباقاً على استقطاب مراكز القوة. الديمقراطية تُبنى حين يكون مصدر الشرعية الوحيد هو إرادة المواطنين، لا ثقل المواقع ولا وزن المصالح».
هكذا، لم تعد القضية مجرد خبر عن انتقال مسؤول حكومي إلى حزب سياسي، بل تحولت إلى اختبار لمصداقية الانتخابات المقبلة: هل تدخل الأحزاب السباق ببرامجها وتقنع المواطنين بمنحها أصواتهم، أم تستبق فتح صناديق الاقتراع بسباق آخر على استقطاب النفوذ ومراكز القوة؟
