بقلم: الباز عبدالإله
تحول تقييم واحد من أضخم البرامج العمومية التي عرفها المغرب إلى مهمة مؤجلة لولاية أخرى، بعدما عجزت المجموعة الموضوعاتية بمجلس النواب عن استكمال تقريرها حول «مخطط المغرب الأخضر»، الذي أُطلق سنة 2008 واستمر إلى غاية 2020 تحت إشراف عزيز أخنوش، عندما كان وزيراً للفلاحة، قبل أن ينتقل إلى رئاسة الحكومة.
المفارقة لا تتعلق ببرنامج صغير أو مشروع محلي محدود، بل باستراتيجية امتدت اثنتي عشرة سنة، وعبأت عشرات المليارات من الدراهم، وأعادت رسم السياسة الفلاحية للمملكة، ووجهت الدعم العمومي والاستثمارات والقروض والمنح نحو مئات المشاريع والسلاسل الإنتاجية. ومع اقتراب الولاية التشريعية من نهايتها، لا يزال التقرير البرلماني النهائي غائباً، فيما يبقى السؤال الأبسط والأكثر حساسية دون جواب حاسم: كم كلف «مخطط المغرب الأخضر» الدولة والمستثمرين فعلياً؟
معطيات نشرتها جريدة «هسبريس»، اليوم الأربعاء 22 يوليوز 2026، أفادت بأن عدم حسم التقييم الإجمالي للكلفة المالية كان من أبرز الأسباب التي حالت دون إنهاء أشغال المجموعة الموضوعاتية المكلفة بتقييم المخطط. فقد كان مقرراً، وفق رئيسها عبد الرزاق أحلوش، عقد اجتماع مع الوزير المنتدب المكلف بالميزانية أو مع المسؤولين عن الميزانية داخل وزارة الفلاحة، من أجل ضبط الكلفة المالية الدقيقة للبرنامج، غير أن الاجتماع تأجل ولم يُعقد، قبل أن يتعذر إدراجه مجدداً ضمن برنامج المجموعة.
لا يعني ذلك أن المغرب لا يتوفر على أي رقم بشأن المخطط. وكالة التنمية الفلاحية سبق أن أعلنت أن الاستثمارات المعبأة بين 2008 و2018 بلغت نحو 104 مليارات درهم، منها حوالي 41 مليار درهم من الاستثمارات العمومية و63 ملياراً من الاستثمارات الخاصة. كما تحدثت وثيقة صادرة عن مديرية الدراسات والتوقعات المالية التابعة لوزارة الاقتصاد والمالية عن غلاف يقارب 115 مليار درهم في أفق 2020.
عزيز أخنوش قدم بدوره رقماً آخر خلال قمة دكار حول السيادة الغذائية، عندما قال إن مخطط المغرب الأخضر عبأ استثمارات تناهز 13 مليار دولار خلال فترة تنفيذه.
المشكلة، إذن، ليست غياب الأرقام، بل تعددها واختلاف نطاقاتها وفتراتها ومكوناتها، دون وجود حساب ختامي موحد ومفصل ومتاح للرأي العام، يحدد بدقة حجم الأموال العمومية التي صُرفت، والاستثمارات الخاصة التي أُنجزت فعلياً، والقروض التي حصل عليها المغرب، والمنح الدولية التي جرى تعبئتها، وكلفة كل دعامة وسلسلة ومؤسسة ومشروع.
هناك فرق كبير بين رقم يعبر عن الاستثمارات التي جرى «جذبها»، ورقم يمثل ميزانية متوقعة، ورقم يخص الاعتمادات العمومية المصروفة فعلياً، ورقم يشمل مساهمات القطاع الخاص والقروض والمنح. وهذه الفروق هي بالضبط ما كان يفترض في التقييم البرلماني أن يفككه أمام المواطنين، لا أن يرحله إلى ولاية تشريعية جديدة.
أحلوش نفى أن يكون تعثر المهمة ناتجاً عن رفض الحكومة التعاون مع المجموعة، مؤكداً أن وزارة الفلاحة كانت في تواصل مستمر معها، وأنها توصلت بالوثائق والأرقام والإحصائيات التي طلبتها. وبحسب روايته، كانت التأجيلات متبادلة، ولم يصدر عن السلطة التنفيذية رفض صريح لتقديم المعطيات.
هذا النفي يمنع، من الناحية المهنية والقانونية، اتهام الحكومة بإخفاء الكلفة أو عرقلة التقييم عمداً دون دليل. لكنه لا يلغي السؤال السياسي والمؤسساتي: كيف تتوفر المجموعة على الوثائق والأرقام، ويكون «الجزء الأكبر من التقييم قد أُنجز»، ثم تقترب الولاية من نهايتها دون حسم الرقم المالي أو إصدار التقرير؟
الاجتماع المالي لم يكن الموعد الوحيد الذي تعذر عقده. لقاء آخر كان مخصصاً لمناقشة قطاع اللحوم الحمراء تأجل بدوره بسبب توقف عمل الفيدرالية البيمهنية للحوم الحمراء، بعد سجن رئيسها محمد كريمين ودخول هياكلها في حالة جمود.
وبذلك، وجد تقييم البرنامج الفلاحي نفسه مرتبطاً بأزمة هيئة مهنية كان يفترض أن تكون شريكاً في تقديم المعطيات وتقييم حصيلة إحدى أكثر السلاسل إثارة للجدل، خصوصاً بعد التراجع الحاد في أعداد القطيع، وارتفاع أسعار اللحوم، ولجوء الحكومة إلى تعليق الرسوم والضرائب واتخاذ إجراءات لدعم الاستيراد وإعادة تشكيل القطيع الوطني.
رئيس المجموعة أرجع التأخر أيضاً إلى كون المهمة لم تنطلق فعلياً إلا بعد مرور أكثر من سنتين على إحداثها. فقد جرى تشكيل المجموعة لأول مرة في مارس 2022 برئاسة نور الدين مضيان، لكنها توقفت بعد إلغاء انتخابه نائباً برلمانياً بقرار من المحكمة الدستورية.
ورغم الحديث منذ ماي 2023 عن ضرورة إعادة تشكيلها، لم تتم إعادة هيكلتها رسمياً إلا يوم 23 أبريل 2025، أي بعد نحو ثلاث سنوات من انطلاق التجربة الأولى، وقبل مدة قصيرة نسبياً من نهاية الولاية التشريعية.
المجموعة الجديدة عقدت اجتماعات مع مسؤولي وزارة الفلاحة والمؤسسات التابعة لها، وزارت عدداً من الجهات، والتقت المديرين العامين والمكاتب الجهوية للاستثمار الفلاحي والغرف الفلاحية والفيدراليات والمهنيين والمعهد الوطني للبحث الزراعي. وتظهر المعطيات الرسمية لمجلس النواب عقد اجتماعات وزيارات ميدانية خلال سنتي 2025 و2026.
غير أن كثرة الاجتماعات لا تعوض غياب النتيجة. وظيفة المجموعة الموضوعاتية ليست عقد اللقاءات في حد ذاتها، بل إنتاج تقييم مكتوب، يتضمن خلاصات واضحة وأرقاماً قابلة للتدقيق وتوصيات ومسؤوليات، ثم مناقشته داخل البرلمان ووضعه أمام المواطنين.
أحلوش قال إن «بضعة أشهر إضافية» كانت ستسمح باستكمال المهمة، لكنه أعلن إرجاء استكمالها إلى الولايتين الحكومية والتشريعية المقبلتين، بتشكيلة جديدة. وبرر صعوبة مواصلة الاجتماعات بانشغال النواب والأحزاب بالانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر 2026.
هنا تظهر مفارقة أخرى: برنامج استمر اثنتي عشرة سنة وانتظر البرلمان أكثر من عامين لبدء تقييمه، ثم تعطلت مجموعته سنوات إضافية، ينتهي به الأمر ضحية بضعة أشهر انتخابية. والأخطر أن ترحيل المهمة إلى مجموعة جديدة لا يضمن استكمال ما بدأته المجموعة الحالية، ولا يحسم مصير الوثائق والاستماعات والزيارات التي أُنجزت، أو ما إذا كانت التشكيلة المقبلة ستواصل من النقطة نفسها أم تعيد العمل من البداية.
تقييم السياسات العمومية ليس ترفاً سياسياً ولا تمريناً دعائياً. الفصلان 70 و101 من الدستور جعلاه من صميم اختصاص البرلمان، لأن التصويت على الميزانيات لا يكفي إذا لم يتبعه فحص للنتائج والكلفة والأثر.
أما «مخطط المغرب الأخضر»، فتقييمه لا ينبغي أن يقتصر على عدد الأشجار المغروسة، أو حجم الصادرات، أو قيمة الاستثمارات المعلنة. المطلوب هو قياس أثره في الأمن الغذائي، وأسعار الخضر واللحوم والزيوت، ووضعية صغار الفلاحين، وفرص الشغل القروي، والموارد المائية، وتوزيع الدعم، ومدى استفادة الفلاحة العائلية مقارنة بكبار المستثمرين.
المخطط انتهى رسمياً سنة 2020، وتلته استراتيجية «الجيل الأخضر 2020-2030». أي إن الدولة شرعت في تنفيذ استراتيجية جديدة قبل أن يصدر البرلمان تقييماً نهائياً للاستراتيجية السابقة، وقبل أن يعرف الرأي العام كلفتها المالية النهائية ونتائجها الدقيقة واختلالاتها.
لا يثبت ما توفر من معطيات وجود اختلاس أو تبديد للأموال، كما لا يسمح باتهام مسؤول بعينه بإخفاء الأرقام. لكنه يكشف خللاً مؤسساتياً يصعب تبريره: عشرات المليارات صُرفت واستُثمرت، وبرنامج ضخم انتهى منذ ست سنوات، واستراتيجية جديدة قطعت نصف طريقها تقريباً، بينما لا يزال البرلمان يبحث عن الاجتماع الأخير والرقم النهائي والتقرير الذي لم يولد.
السؤال لم يعد فقط: هل نجح مخطط المغرب الأخضر أم فشل؟ بل أصبح أكثر بساطة وإحراجاً: إذا كان البرلمان نفسه لم يستطع إنهاء تقييم الكلفة والحصيلة، فمن قدّم للمغاربة الحساب الكامل عن واحد من أغلى البرامج الفلاحية في تاريخ البلاد؟
