لم يكن خطاب الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش مجرد محطة لاستعراض حصيلة سبعة وعشرين عاماً من الحكم، بل جاء أقرب إلى وثيقة تؤطر المرحلة السياسية والتنموية المقبلة، وتحدد موقع الانتخابات والحكومة القادمة داخل مسار للدولة يتجاوز عمر الولايات الحكومية والحسابات الحزبية الظرفية.
العبارة الأكثر حمولة سياسية في الخطاب تمثلت في تأكيد الملك محمد السادس أن المكاسب الاقتصادية والاجتماعية المحققة لا يمكن اختزالها داخل زمن حكومي أو برلماني واحد، لأنها ثمرة تراكمات متتالية واختيارات استراتيجية كبرى. وبهذه الصيغة، وضع الخطاب فاصلاً واضحاً بين استمرارية الدولة، التي تشتغل بمنطق العقود، وبين الحكومات التي تتولى إدارة مراحل محددة من هذا المسار.
هذه الرسالة لا تنفي دور الحكومة أو البرلمان، لكنها تعيد تحديده. فالحكومة لا تبدأ تاريخ الدولة يوم تعيينها، ولا تملك أن تقدم المشاريع الممتدة عبر سنوات باعتبارها حصيلة حزبية خالصة، كما لا تستطيع حكومة جديدة أن تتعامل مع كل ما سبقها باعتباره صفحة قابلة للطي. المسؤولية الحكومية، وفق هذا المنطق، هي إضافة حلقة ناجحة إلى مسار متراكم، لا تحويل كل ولاية إلى نقطة انطلاق مصطنعة.
لذلك لم يقدم الخطاب الانتخابات التشريعية المقبلة باعتبارها قطيعة مع المسار القائم، بل باعتبارها مدخلاً لإطلاق دورة تنموية جديدة تقوم على تحصين ما تحقق ومواصلة المشاريع والإصلاحات الكبرى.
ويُفهم من ذلك أن صناديق الاقتراع ستحدد الجهة التي ستدبر المرحلة المقبلة، لكنها لن تعيد فتح الاختيارات الاستراتيجية للدولة من نقطة الصفر.
هنا تبرز رسالة مباشرة إلى الأحزاب المتنافسة على قيادة الحكومة. فالاستحقاق المقبل لن يكون مجرد سباق على المقاعد أو توزيع للمناصب، بل امتحاناً في القدرة على إدارة تراكم وطني معقد، وضمان استمرارية الأوراش الصناعية والاجتماعية والترابية، وتحويل التوجهات الكبرى إلى نتائج يلمسها المواطن.
الخطاب وضع أيضاً الاستقرار السياسي والمؤسساتي في قلب المعادلة التنموية، وقدمه كرأسمال استراتيجي في محيط دولي وإقليمي مضطرب. لكن الاستقرار الوارد في الخطاب ليس مرادفاً للجمود، بل قاعدة تسمح للدولة بالتخطيط والاستثمار ومواجهة الأزمات وتنظيم التظاهرات الكبرى دون أن تتعطل مؤسساتها أو تدخل في حالات فراغ واضطراب.
ويكتسب وصف المغرب بأنه «دولة–أمة» أهمية خاصة داخل هذه الهندسة. فالمفهوم يحيل إلى دولة ذات عمق تاريخي ومؤسسات تعمل في إطار التكامل والاستمرارية، وليس إلى مجرد جهاز إداري تتغير وجهته بالكامل بتغير الأغلبية الحكومية. قوة المغرب، وفق الخطاب، لا تأتي فقط من استقراره الأمني، بل من قدرة مؤسساته على العمل بشكل منسجم ومواصلة المشاريع رغم الأزمات والإكراهات.
غير أن دعوة الخطاب إلى تغليب الثقة والتفاؤل على اليأس والإحباط لا ينبغي قراءتها باعتبارها نفياً لحق النقد أو محاولة لتجميل الواقع.
فالملك نفسه جعل النقد الذاتي البناء والمتابعة الدقيقة جزءاً من منهج الحكم الذي أنتج المكاسب الحالية. ومن ثم، فالحد الفاصل ليس بين التفاؤل والنقد، بل بين نقد يحدد الاختلالات ويقترح البدائل، وخطاب يكتفي بتعميم الفشل وإقناع المجتمع بأن كل إصلاح مستحيل.
هذه النقطة تضع المسؤولية أيضاً على المؤسسات الحكومية. فالثقة لا تُطلب من المواطن بقرار إداري أو خطاب تواصلي، وإنما تُبنى عندما تتحول المؤشرات الوطنية إلى شغل وخدمات عمومية وعدالة مجالية وفرص متكافئة. وكلما اتسعت المسافة بين النتائج المعلنة وما يعيشه الناس في الصحة والتعليم والسكن والنقل، أصبح خطاب الإحباط أكثر قدرة على الانتشار.
المرحلة الجديدة التي أعلن عنها الخطاب بعد الانتخابات ستكون، بهذا المعنى، اختباراً مزدوجاً. اختباراً للأحزاب في قدرتها على إنتاج حكومة تملك الكفاءة السياسية والتنفيذية، واختباراً للإدارة والمؤسسات في القدرة على تسريع المشاريع وتقليص الفوارق وتحويل الاستقرار إلى مردودية اجتماعية مباشرة.
الرسالة الأعمق هي أن المغرب لا يريد انتخابات تعيد فتح النقاش نفسه كل خمس سنوات، ولا حكومات تنشغل بمحو آثار سابقتها أو احتكار إنجازات الدولة.
المطلوب انتقال سياسي منطقُه الاستمرارية مع المحاسبة، والتراكم مع التصحيح، والاستقرار مع القدرة على الإصلاح.
وبذلك رسم خطاب العرش حدود المرحلة المقبلة قبل انطلاق الحملة الانتخابية. قد تتغير الأغلبية، وتتبدل التحالفات، وتظهر وجوه جديدة داخل الحكومة والبرلمان، لكن المعيار الحقيقي لن يكون حجم الشعارات المرفوعة، بل قدرة من سيصل إلى المسؤولية على حماية ما تحقق، وتصحيح ما تعثر، وإضافة نتائج جديدة إلى رصيد دولة يتجاوز عمر الحكومات والأحزاب.
