بقلم: الباز عبدالإله
تكشف أحدث خطة للمشتريات التي نشرها البنك الدولي بشأن مشروع «مرونة واستدامة مياه الري» بالمغرب عن مسار طويل ومعقد لعدد من الأوراش المخصصة لتحديث البنيات المائية والفلاحية بمنطقة تادلة، جمع بين إلغاء عمليات بملايين الدولارات وإعادة برمجة أخرى، وصولاً إلى إسناد صفقة أحد أكبر أوراش المشروع، المتعلق بتحديث قناة زيدانية، بقيمة تقارب 370 مليون درهم.
الوثيقة الجديدة، المؤرخة في 16 شتنبر 2026 والمنشورة ضمن قاعدة وثائق البنك الدولي في 17 شتنبر، تخص المشروع المعروف بالرمز P175747 والممول بقرض من البنك الدولي للإنشاء والتعمير رقم IBRD-93640، وتتولى تنفيذ الجزء المتعلق بتادلة منه مؤسسة المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي لتادلة.
العودة إلى المسار التفصيلي للمشتريات تكشف أن المشروع لم يتحرك في خط مستقيم.
فإحدى العمليات الخاصة بالأشغال المدنية وتوريد ونقل وتركيب الأنابيب والتجهيزات اللازمة لإنجاز منشأة السحب وقناة الجر وشبكة التوزيع في القطاع G9، بقيمة تقديرية بلغت 10.848 ملايين دولار، ظهرت في خطط المشتريات بحالة «ملغاة».
عملية أخرى مرتبطة بأشغال مماثلة في القطاع G5، بقيمة تقديرية بلغت 6 ملايين دولار، حملت الوضعية نفسها، بينما ظهرت عملية أخرى بقيمة 10.6 ملايين دولار مرتبطة بقنوات الجر وشبكات التوزيع في القطاع G9 ضمن العمليات الملغاة أيضاً.
كما شملت لائحة الإلغاء عمليات أصغر حجماً، بينها أشغال بقيمة 600 ألف دولار، إلى جانب عمليتين لإنشاء محطتي ترشيح في القطاعين G5 وG9، بقيمة تقديرية تبلغ 900 ألف دولار لكل واحدة منهما.
وجود هذه العمليات في خانة «ملغاة» لا يعني أن الأشغال المرتبطة بها اختفت بالضرورة من البرنامج، إذ تظهر خطط المشتريات اللاحقة إعادة طرح أو إعادة صياغة عدد من الحاجيات في صفقات جديدة، بعضها انتقل بالفعل إلى مرحلة التعاقد.
لكنه يكشف، في المقابل، حجم التحولات التي عرفها المسار التعاقدي للمشروع منذ انطلاقه.
وتبرز قناة زيدانية باعتبارها أحد أكبر الأوراش داخل هذا البرنامج.
فقد حُددت القيمة التقديرية لأشغال إعادة تأهيلها في خطة المشتريات في 33 مليون دولار، ضمن المكون الثاني المتعلق بتحديث خدمات الري والصرف.
القناة ليست منشأة ثانوية داخل شبكة الري بالمنطقة.
وثائق المشروع تصفها بأنها قناة يبلغ طولها نحو 24 كيلومتراً، بطاقة نقل تصل إلى 19 متراً مكعباً في الثانية، وتضم مقاطع خرسانية ومنشآت مائية وهيدروميكانيكية وقناطر وممرات وتجهيزات مرتبطة بتصريف المياه.
وكان تقرير سابق للبنك الدولي قد سجل أن هذا السوق ظل لفترة غير مطروح، رغم بلوغ أوراش أخرى داخل مكون تادلة مراحل متقدمة، موضحاً أن إعادة تأهيل قناة زيدانية وحدها كانت مقدرة بـ33 مليون دولار، وأن المشروع كان ينتظر استكمال الإجراءات التقنية وإطلاق الأشغال.
وتغيرت هذه الوضعية لاحقاً، إذ صدر في 27 يوليوز 2026 إشعار إسناد الصفقة الخاصة بأشغال تحديث القناة إلى تجمع الشركتين المغربيتين STAM وCAPEP، وحددت قيمة العقد الموقع في 369 مليوناً و883 ألفاً و560 درهماً، على أن تمتد مدة الإنجاز إلى 24 شهراً.
الرقم يستحق القراءة إلى جانب القيمة التقديرية الأصلية الواردة في خطة المشتريات، لا باعتبارهما قابلين للمقارنة المحاسبية المباشرة بسبب اختلاف العملة وتاريخ التقدير، وإنما باعتبارهما يعكسان انتقال المشروع من تقدير أولي بالدولار إلى عقد فعلي محرر بالدرهم بعد مسطرة دولية للمنافسة.
إشعار الإسناد يكشف كذلك أن المنافسة على الصفقة لم تكن محدودة.
فقد شاركت فيها شركات وتجمعات مغربية وصينية وأجنبية، وظهرت ضمن العروض المالية المنشورة مبالغ متفاوتة، قبل أن ينتهي التقييم بإسناد العقد إلى التجمع المغربي.
هنا تظهر أهمية الوثيقة الجديدة الصادرة في شتنبر 2026. القضية لم تعد مرتبطة فقط بإعلان مشروع ضخم لإعادة تأهيل قناة، بل بمسار مشتريات يمتد لسنوات ويضم عمليات ألغيت، وأخرى أعيد طرحها، وصفقات انتقلت إلى التنفيذ بعد مراحل طويلة من البرمجة والدراسات والمنافسة.
المشروع نفسه يتجاوز قناة زيدانية، برنامج «مرونة واستدامة مياه الري» يستهدف تحديث خدمات الري وتحسين حكامة المياه الفلاحية وتوسيع الولوج إلى التقنيات الحديثة والاستشارة الفلاحية، في سياق أصبحت فيه ندرة المياه أحد أكبر الضغوط التي تواجه السياسة الفلاحية بالمغرب.
لهذا فإن قراءة خطة المشتريات لا تتوقف عند القيمة المالية للصفقات.
الأهم هو المدة التي تفصل بين برمجة الاستثمار ووصول المنشأة فعلياً إلى مرحلة الإنجاز، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمشاريع يفترض أن تخفف ضياع المياه وترفع مردودية شبكات الري في مناطق تعيش تحت ضغط مائي متزايد.
الأرقام التي تكشفها الوثائق تضع كذلك مسألة تتبع المشتريات في صلب النقاش.
إلغاء عملية شراء أو صفقة مبرمجة لا يشكل في حد ذاته دليلاً على خلل مالي أو إداري، وقد يكون نتيجة تعديل تقني أو إعادة هيكلة للحاجة أو عدم نجاح المسطرة.
غير أن تعدد العمليات المصنفة «ملغاة» وإعادة طرح بعض الأشغال بصيغ جديدة يجعل التسلسل الزمني للمشروع، وأسباب كل إلغاء، والآجال التي استغرقتها إعادة البرمجة، عناصر أساسية عند تقييم فعالية التنفيذ.
قناة زيدانية، من جهتها، تجاوزت مرحلة التقدير الأولي البالغ 33 مليون دولار إلى عقد أشغال فعلي يناهز 369.9 مليون درهم.
ومع تحديد أجل الإنجاز في 24 شهراً، يصبح المؤشر القابل للقياس خلال المرحلة المقبلة هو مدى احترام هذا الأجل والكلفة والجودة المتعاقد عليها، والأثر الفعلي للاستثمار على كفاءة شبكة الري والأراضي الفلاحية المستفيدة منها.
