فتح عبد الإله ابن كيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة الأسبق، خلال مهرجان انتخابي لحزبه بمدينة تازة، واحداً من أكثر الملفات حساسية في النقاش السياسي المغربي، عندما رفض الحجة القائلة إن الحكومة لا تتوفر على صلاحيات كافية، مؤكداً أن السلطة التنفيذية تملك اختصاصات فعلية وأن رئيس الحكومة لا يمكنه تعليق مسؤوليته عن تدبير الملفات الحكومية على المؤسسة الملكية.
ابن كيران، الذي كان يخاطب أنصار حزبه قبل الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، طرح المسألة بعبارات مباشرة وهو يستحضر ما يسمعه من مواطنين بشأن حدود سلطة الحكومة، قائلاً: «تقولوا لي السي عبد الإله الحكومة ما عندهاش صلاحيات؟ عندها صلاحيات. الحكومة عندها صلاحيات».
ولم يتوقف رئيس الحكومة الأسبق عند هذا الحد، بل أقر في الوقت نفسه بموقع المؤسسة الملكية داخل النظام السياسي المغربي، قبل أن يعود للتشديد على أن ذلك لا يلغي الاختصاصات التي تتوفر عليها الحكومة.
وقال ابن كيران: «كنعرفوا باللي المغرب تيحكمو جلالة الملك حفظه الله، ما عندنا ما نقولوا، ولكن الحكومة عندها صلاحيات وموجودة، ولا كانت عندها شي حاجة ما دير ما كيحبسها حتى واحد».
ثم أضاف عبارة أكثر لفتاً للانتباه، تحدث فيها عن إمكانية توقف بعض المشاريع بتدخل من الديوان الملكي، لكنه شدد على أن ذلك لا يمثل، وفق روايته، القاعدة العامة في العمل الحكومي، قائلاً: «بعض المرات يمكن يجيها توقيف من شي مشروع من الديوان الملكي، ولكن ماشي دائماً. عندها صلاحيات».
غير أن أقوى ما جاء في حديث ابن كيران ظهر عندما انتقل من النقاش العام حول توزيع السلطة إلى المسؤولية المباشرة لرئيس الحكومة عن تدبير العمل الحكومي، متسائلاً: «ولكن واش الملك غادي يبدا يدخل في رئيس الحكومة واش كيدير الصفقة مقادة ولا لا؟ هاد الشي ما يمكنش. الحكومة عندها دور وعندها وزن».
العبارة تكتسب دلالة سياسية خاصة لأنها تصدر عن رئيس حكومة سابق خبر من الداخل العلاقة المؤسساتية بين رئاسة الحكومة والمؤسسة الملكية، كما أنها تأتي في سياق انتخابي يُناقش فيه ابن كيران حصيلة الحكومة التي ترأسها عزيز أخنوش، ويحاول تحميلها مسؤولية مباشرة عن اختياراتها وقراراتها.
وبعبارة أخرى، فإن ابن كيران يقدم في تازة قراءته الخاصة لحدود المسؤولية: وجود اختصاصات دستورية للملك لا يعني، في تصوره، أن رئيس الحكومة يستطيع إحالة مسؤولية القرارات الحكومية اليومية أو كيفية تدبير الملفات الواقعة ضمن اختصاص السلطة التنفيذية إلى المؤسسة الملكية.
وهنا يلتقي جزء من كلام ابن كيران مع مقتضيات صريحة في دستور 2011، مع ضرورة التمييز بين قراءته السياسية وبين التوزيع الدستوري الكامل للاختصاصات.
فالفصل 89 من الدستور ينص على أن «الحكومة تمارس السلطة التنفيذية»، ويجعلها، تحت سلطة رئيس الحكومة، مسؤولة عن تنفيذ البرنامج الحكومي وضمان تنفيذ القوانين، كما يضع الإدارة تحت تصرفها ويمنحها الإشراف والوصاية على المؤسسات والمقاولات العمومية.
وينص الفصل 90 بدوره على ممارسة رئيس الحكومة للسلطة التنظيمية وإمكانية تفويض بعض سلطه إلى الوزراء.
كما يتداول مجلس الحكومة، برئاسة رئيس الحكومة، وفق الفصل 92، في ملفات تشمل السياسات العمومية والسياسات القطاعية ومشاريع القوانين والمراسيم التنظيمية وعدداً من التعيينات، مع إطلاع رئيس الحكومة الملك على خلاصات مداولات المجلس.
لكن الصورة الدستورية لا تتوقف عند صلاحيات الحكومة وحدها.
فالدستور يحدد أيضاً مجالاً لمجلس الوزراء الذي يرأسه الملك، ويتداول هذا المجلس، وفق الفصلين 48 و49، في قضايا من بينها التوجهات الاستراتيجية لسياسة الدولة، والتوجهات العامة لمشروع قانون المالية، والقوانين التنظيمية، والقوانين الإطار، إضافة إلى تعيينات في عدد من الوظائف المدنية والاستراتيجية، بناء على الكيفيات التي يحددها الدستور والقانون التنظيمي.
لذلك فإن كلام ابن كيران لا يعني دستورياً وجود فصل مطلق بين مجالي الملك والحكومة، بقدر ما يعيد إلى الواجهة سؤالاً آخر: أين تنتهي الاختصاصات المشتركة أو الاستراتيجية التي يحددها الدستور، وأين تبدأ المسؤولية السياسية والتنفيذية المباشرة للحكومة ورئيسها؟
اللافت أن هذا التصور يجد له أيضاً سنداً في الخطاب الذي سبق اعتماد دستور 2011 نفسه.
ففي الخطاب الملكي المتعلق بالإصلاح الدستوري جرى التأكيد على تعزيز مكانة رئيس الحكومة باعتباره رئيساً لسلطة تنفيذية فعلية ومسؤولاً عن الحكومة والإدارة العمومية وقيادة البرنامج الحكومي وتنفيذه.
ومن هنا تصبح عبارة ابن كيران «الحكومة عندها دور وعندها وزن» أكثر من مجرد جملة عابرة وسط مهرجان انتخابي.
فالرجل الذي قاد الحكومة بين 2011 و2017 يقول اليوم، من موقع المنافس الانتخابي، إن الحكومة ليست مؤسسة بلا سلطة، وإن وجود الملك على رأس الدولة لا يعفي رئيس الحكومة من المسؤولية عن ممارسة الاختصاصات التي يمنحها له الدستور.
أما عبارته الأكثر مباشرة ـ «واش الملك غادي يبدا يدخل في رئيس الحكومة واش كيدير الصفقة مقادة ولا لا؟» ـ فتضع النقاش في مستوى أدق: ابن كيران يرفض، وفق منطقه الذي عرضه في تازة، تحويل المؤسسة الملكية إلى جواب جاهز كلما طُرح السؤال عن مسؤولية رئيس الحكومة في تدبير الملفات الواقعة ضمن مجال عمل السلطة التنفيذية.
والدستور نفسه يرسم توزيعاً للاختصاصات لا يسمح باختزال النظام المؤسساتي في طرف واحد: الملك يرأس مجلس الوزراء وله اختصاصات دستورية محددة، وفي المقابل تمارس الحكومة السلطة التنفيذية، ويتولى رئيسها السلطة التنظيمية ويقود عملها.
قبل ستة أيام من صندوق 23 شتنبر، أعاد ابن كيران بذلك السؤال إلى صاحبه السياسي المباشر: عندما يكون الملف داخل صلاحيات الحكومة، إلى أي حد يمكن لرئيسها أن يحتج بحدود سلطته؟
وجواب ابن كيران في تازة كان واضحاً: «الحكومة عندها صلاحيات… الحكومة عندها دور وعندها وزن».
