بقلم: الباز عبدالإله
لم تعد صور آلاف الشباب وهم يرمون أجسادهم في البحر أو يعبرون الحاجز الحدودي نحو سبتة المحتلة مجرد أزمة هجرة غير نظامية، بل تحولت إلى محاكمة سياسية مفتوحة لخطاب «الدولة الاجتماعية»، ولحصيلة حكومة لم تستطع إقناع جزء من جيل كامل بأن له مستقبلاً داخل بلده.
المعطيات القادمة من سبتة لم تعد تتحدث فقط عن 1500 وافد خلال أيام، بل عن عبور جماعي جديد اليوم الخميس 30 يوليوز 2026، وسط انهيار المراقبة عند معبر تاراخال، واكتظاظ مراكز الاستقبال، وارتفاع عدد القاصرين الموجودين بمراكز الرعاية إلى نحو 700 قاصر، بعد وصول 130 قاصراً تقريباً خلال ساعات فقط.
وبعدما خاطر هؤلاء بأجسادهم للوصول إلى الضفة الأخرى، توصلت الحكومتان المغربية والإسبانية، اليوم الخميس، إلى اتفاق يقضي بتعزيز التنسيق وتسريع تسليم «جميع الأشخاص الذين دخلوا سبتة بطريقة غير قانونية» خلال الأيام الأخيرة، وإعادتهم «في أقرب وقت ممكن»، وفق ما أعلنته مصادر وزارة الداخلية الإسبانية وأكدته مصادر مغربية لوكالة «إيفي».
لكن الحديث السياسي عن إعادة «الجميع» لا يعني أن التنفيذ سيكون آلياً أو خارج الضمانات القانونية، إذ تظل طلبات اللجوء ووضعية القاصرين غير المصحوبين وضمانات الحماية الدولية وتحديد الهوية والجنسية ملفات تخضع للمساطر القانونية الإسبانية والأوروبية. كما أن المحكمة العليا الإسبانية قضت بعدم جواز تطبيق الإرجاع الفوري في حق من جرى اعتراضهم في البحر بالطريقة نفسها المعتمدة عند اقتحام السياج الحدودي.
غير أن السؤال السياسي بالنسبة إلى المغرب يبقى أكبر من تفاصيل التنفيذ: هل هذا هو الحل الذي وجدته الحكومة لأزمة شبابها؟
شاب يهرب سباحةً من بلده، ويصل إلى سبتة، ثم تتفق الحكومة على إعادته إلى النقطة نفسها التي دفعته إلى البحر، من دون أن تعلن في المقابل خطة طارئة للشغل أو التعليم أو الصحة النفسية أو إدماج القاصرين وإعادة الثقة في المؤسسات.
ستُغلق الحدود، وستتكثف الدوريات، وستبدأ إجراءات إعادة العابرين، ثم ماذا؟
هل ستمنحهم الحكومة عملاً بعد إعادتهم؟ هل ستفتح بحثاً اجتماعياً لمعرفة الأحياء والمدن التي خرجوا منها؟ هل ستسأل لماذا اختار مئات القاصرين البحر بدل المدرسة؟ وهل ستكشف حجم البطالة والهدر المدرسي والفقر والوساطة داخل المناطق التي شكلت الخزان البشري لهذه الموجة؟
الإرجاع قد يعالج الوضع الأمني مؤقتاً، لكنه لا يعالج سبب الهروب. إنه يعيد الإنسان إلى الشاطئ ولا يعيد إليه الأمل. وقد تمنع السلطات محاولة اليوم، لكنها لن تمنع محاولة الغد ما دامت الأسباب التي دفعت الشباب نحو سبتة قائمة.
يبدو كأن الحكومة لا ترى الشاب إلا عندما يصل إلى الحدود. قبل ذلك قد يكون عاطلاً، أو منقطعاً عن الدراسة، أو مريضاً لا يجد موعداً في المستشفى، أو حاملاً لشهادة لا تفتح له باباً، فلا يسمع به أحد.
لكن بمجرد أن يرمي نفسه في البحر، تتحرك وزارتا داخلية في دولتين ويصبح موضوعاً لاتفاق عاجل.
أين كانت هذه السرعة عندما كان يحتاج إلى مقعد دراسي ومستشفى وفرصة شغل؟
الدولة الاجتماعية لا تُقاس بعدد المسجلين في المنصات ولا بحجم الميزانيات المعلنة وحده، بل بقدرتها على منع المواطن من الوصول إلى قناعة أنه لا مكان له داخل وطنه. هي مدرسة لا يحتاج تلميذها إلى الدروس الخصوصية، ومستشفى لا يحتاج مريضه إلى وسيط، ومباراة توظيف لا تُحسم بالهاتف، وصفقة عمومية لا تُفصل على مقاس المقربين.
أما عندما يشعر الشاب بأن الوظيفة تحتاج إلى «معرفة»، وأن التزكية الانتخابية تحتاج إلى المال، وأن بعض المسؤولين يجمعون بين النفوذ السياسي والاقتصادي والرياضي دون قواعد صارمة وواضحة لتدبير تضارب المصالح، فإن الزبونية والمحسوبية تصبحان أخطر من البطالة، لأنهما تقتلان الإيمان بعدالة الفرصة قبل أن تبدأ المنافسة.
الأحزاب تتحمل مسؤولية مباشرة في هذا الانهيار، فقد شاركت في الحكومات وترأست الجماعات والجهات وتحكمت في الترشيحات والتزكيات، ثم عادت لتقدم نفسها حلاً للمشكلات التي تراكمت وهي في السلطة.
وتحولت أحزاب كثيرة من مؤسسات لتكوين النخب إلى وكالات لاستقبال الأعيان وأصحاب النفوذ، وأصبح نجاح الحزب يقاس بعدد الأسماء الثقيلة التي يستقطبها قبل الانتخابات، لا بعدد الشباب الذين كوّنهم ولا بمشاريعه لمعالجة البطالة والهدر المدرسي.
ويقدم الالتحاق الرسمي لفوزي لقجع بحزب الأصالة والمعاصرة نموذجاً واضحاً لهذا التحول.
فالأمر لم يعد مجرد سيناريو متداول، بعدما أعلن الحزب رسمياً، يوم السبت 25 يوليوز 2026، انضمام لقجع إلى مكتبه السياسي خلال دورة مجلسه الوطني.
ولم يلتحق لقجع بالعمل الحزبي من بوابة فرع محلي أو مسار تنظيمي أو انتخابات داخلية، بل انتقل مباشرة من رئاسة الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ومنصب الوزير المنتدب المكلف بالميزانية إلى المكتب السياسي لأحد أكبر أحزاب الأغلبية.
أي رسالة تصل إلى شباب الحزب الذين أمضوا سنوات داخل الفروع والتنظيمات الموازية، عندما يستطيع مسؤول نافذ الوصول مباشرة إلى قمة القيادة؟
الأمر لا يتعلق بحق لقجع في الانتماء الحزبي، فهذا حق دستوري، بل بالسؤال عن الطريقة التي أصبحت بها الأحزاب تستورد النفوذ الجاهز بدل إنتاج القيادات، وعن الحدود الفاصلة بين الوظيفة الحكومية والمسؤولية الحزبية وتدبير كرة القدم والرهانات الانتخابية.
يجمع لقجع اليوم بين مسؤولية الميزانية، ورئاسة الجامعة، والحضور داخل مؤسسات كرة القدم الدولية، وعضوية المكتب السياسي لحزب يستعد للانتخابات.
فهل وضعت الحكومة والحزب قواعد معلنة لمنع تضارب المصالح بين هذه المواقع؟ ومن سيراقب استعمال الصورة الرياضية والنفوذ المؤسساتي والظهور الرسمي خلال المنافسة الانتخابية؟
وقبل تقديم لقجع باعتباره «كفاءة» ستنقذ الحزب، يجب وضع حصيلته في الميزانية أمام المواطنين.
فهو ليس اسماً جديداً قادماً من خارج السلطة، بل عضو في الحكومة ومسؤول عن قطاع مركزي في تدبير المال العام.
تقرير المجلس الأعلى للحسابات حول تنفيذ قانون المالية لسنة 2024، المنشور يوم 8 يوليوز 2026، لم يحمل لقجع مسؤولية شخصية مباشرة، لكنه سجل داخل المنظومة المالية التي يشرف عليها اختلالات لا تنسجم مع صورة النجاح المطلق التي يجري تسويقها.
وسجل المجلس ضعفاً في ربط الميزانية بالنتائج، واستمرار مؤشرات أداء لا تسمح بقياس الأثر الحقيقي للنفقات، وبقاء مؤشرات عند 50 في المائة أو أقل لسنوات دون تصحيح، مقابل وصول مؤشر آخر إلى نسبة إنجاز بلغت 1942 في المائة، بما يطرح سؤالاً حول واقعية الأهداف وصدقية أدوات القياس.
كما سجل غياب الانسجام الكافي بين مديريات وزارة الاقتصاد والمالية، واستمرار مديريات في العمل وفق خطط خاصة بها، دون إطار موحد يضمن التقائية البرامج وقياس النتائج.
فإذا كانت الوزارة التي تطالب القطاعات الحكومية بالنجاعة لا تتوفر هي نفسها على الانسجام الكافي بين مديرياتها، فعلى أي أساس ستراقب نجاعة باقي الوزارات؟
وكشف المجلس أن الدولة عبأت نحو 109 مليارات درهم خلال ست سنوات عبر تفويت أصول عقارية لأطراف مؤسساتية، قبل أن تستمر في استعمال البنايات نفسها بموجب عقود كراء طويلة الأمد، مع غياب تفاصيل كافية داخل الوثائق الميزانياتية بشأن التحملات الكرائية السنوية والكلفة الإجمالية المستقبلية.
نعرف كم قبضت الدولة من البيع، لكننا لا نعرف بصورة واضحة كم ستدفع لاستعمال ما باعته.
ومع ذلك يُطلب من المواطن أن يصفق لـ«النجاعة».
وتزداد المفارقة عندما تكشف الأرقام أن الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها لم تنفذ خلال سنة 2024 سوى نحو 8.9 في المائة من ميزانيتها الاستثمارية النهائية، بعدما أنفقت قرابة 7.7 ملايين درهم فقط من أصل حوالي 85.8 مليوناً.
مؤسسة محاربة الرشوة تعجز عن تنفيذ أكثر من تسعة أعشار استثماراتها، وقانون تضارب المصالح ما زال متعثراً، والأحزاب تستقطب أصحاب النفوذ مباشرة إلى قياداتها، ثم يُطلب من الشباب أن يثق في تكافؤ الفرص.
وزير العدل عبد اللطيف وهبي زاد الصورة وضوحاً عندما قال إن المغرب يعيش داخل نظام رأسمالي، وإن «الطبقة البورجوازية هي التي تتحكم في الأمور»، وإن «المخطط التشريعي في خدمتهم»، خلال حديثه عن ضعف تنفيذ الأحكام الاجتماعية ضد الشركات.
إذا كان وزير العدل يعترف بأن المخطط التشريعي يخدم البورجوازية، فمن يحمي العمال والفقراء؟ ومن يكتب القوانين؟ ومن يقترح التعديلات؟ ولماذا لم تستعمل الحكومة أغلبيتها البرلمانية لتغيير الترسانة التي يقول أحد وزرائها إنها تخدم مصالح طبقة معينة؟
وعندما يخاطب الوزير البرلمانيين بمنطق أن كل واحد منهم يمثل «لوبيًا»، فلا يكفي أن تتحول الجلسة إلى ضجيج ثم يُغلق الملف.
إما أن الوزير يتوفر على معطيات عن لوبيات تؤثر في التشريع، وعليه كشفها وتحمل مسؤوليته، أو أنه أطلق اتهاماً خطيراً في حق المؤسسة التشريعية دون أن يقدم أدلة.
الأخطر أن الوزير يرى اللوبيات، ويعترف بخدمة التشريع للبورجوازية، ويشاهد تضارب المصالح، لكنه لا يقدم قانوناً قوياً يفرض التصريح بالمصالح، ويمنع الجمع بين المسؤولية العمومية والمنفعة الخاصة، ويرتب عقوبات فعلية.
هنا لا يعود الفشل حكومياً فقط، بل يصبح فشلاً جماعياً للأحزاب والأغلبية والمعارضة والمؤسسات الرقابية.
الحكومة تنفق وتعلن، والأغلبية تصوت، والمعارضة تصرخ، والأحزاب توزع التزكيات، ثم يصل الشباب إلى البحر فلا يجد الجميع سوى الاتفاق على إرجاعه.
إعادة العابرين قد تكون إجراءً تفرضه القوانين وتدبير الحدود، لكنها ليست سياسة اجتماعية، ولا جواباً عن البطالة، ولا علاجاً لفشل المدرسة، ولا بديلاً عن محاربة الزبونية والمحسوبية.
الحل ليس أن تتفق الرباط ومدريد على السرعة التي سيُعاد بها الشباب، بل أن تجيب الحكومة عن السرعة التي دفعتهم بها البطالة والمحسوبية وفشل المدرسة وانهيار الثقة إلى مغادرة بلدهم.
غير ذلك، قد يُعادون من سبتة اليوم، لكنهم سيعودون إلى البحر غداً.
فالحكومات تستطيع إعادة الأجساد إلى الحدود وتشديد الحراسة فوق الشواطئ، لكنها لا تستطيع بقرار أمني إعادة الأمل إلى شباب فقد ثقته في الأحزاب والسياسات والمؤسسات.
عندما تصبح العودة القسرية أسرع من توفير فرصة شغل، فالمشكلة ليست في الحدود التي اخترقها الشباب، بل في «الدولة الاجتماعية» التي لم يصل أثرها إليهم.
