بقلم: الباز عبدالإله
أعاد احتجاج أشخاص في وضعية إعاقة وأفراد من أسرهم، الأربعاء 29 يوليوز 2026 أمام مقر مجلس جماعة الدار البيضاء، فتح ملف يعود رسمياً إلى يناير 2022، حين ناقشت لجنة الشؤون الاجتماعية والثقافية والرياضية والتنمية البشرية إمكانية تمكين هذه الفئة من مجانية وسائل النقل الجماعي، وأوصت بتشكيل لجنة لتتبع الملف والتفاوض مع شركاء الجماعة، إلى جانب الانضمام إلى اتفاقية شراكة متعددة الأطراف لدعم الأشخاص في وضعية إعاقة.
وأكد مجلس الجماعة آنذاك أن الحسم في مجانية النقل يتطلب التشاور مع مختلف الشركاء المتدخلين في تدبير القطاع، وعلى رأسهم الجهات المشرفة على شبكتي الحافلات والترامواي.
وبعد أكثر من أربع سنوات ونصف على تلك المناقشات، عاد المحتجون إلى مقر الجماعة بالمطلب نفسه، في وقت لا تظهر فيه المعطيات العلنية المتاحة صدور قرار رسمي يحدد الفئات المستفيدة أو شروط الحصول على المجانية أو كلفتها السنوية أو الجهة التي ستتكفل بتمويلها أو التاريخ المرتقب لبدء تنفيذها.
وتزداد الأسئلة حول مآل الملف في ظل دخول جماعة الدار البيضاء سنة 2026 بميزانية تبلغ نحو 5.255 مليارات درهم، مقابل 5.047 مليارات سنة 2025، بزيادة تقارب 4 في المائة، وفق الأرقام المعلنة خلال مناقشة ميزانية المدينة.
وضمن التحملات المالية المرتبطة بتدبير المرافق العمومية، يبرز عجز النقل الجماعي بالحافلات والترامواي، الذي قُدّر بنحو 220 مليون درهم بسبب الحفاظ على التسعيرة الحالية وتجنب تحميل الركاب زيادات جديدة.
ويمثل هذا المبلغ ما يقارب 4.2 في المائة من ميزانية الجماعة، لكنه لا يعني أن المدينة تتوفر تلقائياً على الموارد الكافية لإقرار مجانية شاملة لفائدة جميع الأشخاص في وضعية إعاقة، كما لا يمثل بالضرورة دعماً سنوياً ثابتاً يمكن تحويله مباشرة إلى برنامج اجتماعي آخر.
غير أن قدرة الجماعة على تحمل عجز بمئات الملايين للحفاظ على تعريفة النقل تفتح سؤالاً مشروعاً حول سبب عدم إعداد صيغة اجتماعية موجهة لفائدة الأشخاص في وضعية إعاقة، سواء عبر بطاقة مجانية أو اشتراك مدعم أو استفادة مرتبطة بدرجة الإعاقة والوضعية الاقتصادية والاجتماعية للمستفيد.
وتتراوح تعريفة أغلب خطوط حافلات الدار البيضاء بين 5 و8 دراهم للرحلة الواحدة، بحسب الخط والمسافة.
وبناء على محاكاة حسابية تفترض رحلتين فقط يومياً خلال 22 يوماً في الشهر، يمكن أن تتحمل الأسرة ما بين 220 و352 درهماً شهرياً عن شخص واحد، أي ما بين 2640 و4224 درهماً سنوياً، دون احتساب الرحلات الإضافية المرتبطة بالعلاج أو الدراسة أو التكوين أو قضاء الأغراض الإدارية.
ولا تمثل هذه المبالغ متوسطاً رسمياً لما تنفقه الأسر، لكنها توضح حجم العبء الذي قد تتحمله أسرة تحتاج إلى ضمان تنقل يومي ومنتظم لشخص في وضعية إعاقة.
وينص نظام استخدام الخدمة المنشور من طرف الشركة المشغلة على ضرورة توفر الركاب على تذاكر التنقل، وعلى خضوع الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة للنظام نفسه المطبق على باقي الزبناء، ما يعني أن التجهيزات المخصصة للولوج لا تقترن، في النظام المنشور، بإعفاء من أداء ثمن الرحلة.
ولا يتعلق ملف الإعاقة بفئة محدودة يمكن استبعادها من التخطيط الاجتماعي للمدينة والجهة، إذ بلغ عدد سكان جهة الدار البيضاء–سطات 7 ملايين و688 ألفاً و967 نسمة، فيما حدد الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 نسبة انتشار الإعاقة داخل الجهة في 4.1 في المائة.
وبالجمع بين هذين المؤشرين، يمكن تقدير عدد الأشخاص في وضعية إعاقة على مستوى الجهة بنحو 315 ألف شخص، مع التأكيد أن هذا الرقم تقدير حسابي تقريبي، ولا يمثل عدد الأشخاص المعنيين داخل مدينة الدار البيضاء وحدها، ولا عدد مستعملي شبكة الحافلات، ولا عدد المؤهلين للاستفادة من مجانية محتملة.
وعلى الصعيد الوطني، أحصت المندوبية السامية للتخطيط مليوناً و734 ألفاً و766 شخصاً في وضعية إعاقة سنة 2024، أي ما يعادل 4.8 في المائة من مجموع السكان.
وأظهرت نتائج الإحصاء أن 67.8 في المائة من الأشخاص في وضعية إعاقة لم يبلغوا أي مستوى دراسي، بينما لم تتجاوز نسبة المصنفين ضمن النشطين المشتغلين 8.9 في المائة.
وتضع هذه المؤشرات كلفة التنقل في سياق اجتماعي أوسع، لأن الشخص الذي يواجه أصلاً ضعف فرص التعليم والتكوين والشغل والاستقلال الاقتصادي قد يجد نفسه مطالباً بتحمل مصاريف يومية حتى يتمكن من الوصول إلى المدرسة أو المستشفى أو مركز التكوين أو مقر العمل.
قانونياً، لا ينص الدستور أو القانون الإطار رقم 97.13 على مجانية تلقائية وشاملة للحافلات لفائدة جميع الأشخاص في وضعية إعاقة، ولذلك يحتاج أي إعفاء إلى قرار رسمي وتمويل محدد ومعايير واضحة للاستفادة.
غير أن الفصل 34 من الدستور يلزم السلطات العمومية بوضع وتفعيل سياسات موجهة إلى الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، وإعادة تأهيل من يعانون إعاقة جسدية أو حسية حركية أو عقلية، وتيسير تمتعهم بالحقوق والحريات المعترف بها للجميع.
وتنص المادة 21 من القانون الإطار رقم 97.13 على اتخاذ السلطات العمومية التدابير الضرورية لجعل وسائل النقل والمنشآت العمرانية والمعمارية قابلة للولوج إلى الأشخاص في وضعية إعاقة، دون أن تتضمن مقتضى صريحاً يفرض مجانية الركوب.
وتعلن الشركة المشغلة لحافلات الدار البيضاء أن أسطولها يتوفر على منحدرات ومساحات مجهزة ومقاعد أولوية وآليات لخفض الحافلة وتقريبها من الرصيف.
وتظل هذه التجهيزات ضرورية لضمان الولوج المادي، لكنها لا تجيب عن سؤال القدرة المالية على استعمال الحافلة، ولا عن مدى اشتغال التجهيزات بشكل فعلي ومنتظم، أو ملاءمة الأرصفة والمحطات، أو تكوين السائقين للتعامل مع احتياجات الركاب في وضعية إعاقة.
وبذلك، لم يعد المطلوب من مجلس جماعة الدار البيضاء وعداً جديداً أو إحالة أخرى على التشاور، بل نشر أربعة معطيات محددة أمام سكان المدينة، هي عدد المستفيدين المحتملين، والكلفة السنوية للإجراء، والجهة التي ستتحمل التمويل، والتاريخ المقرر لبدء الاستفادة.
أما استمرار الملف عالقاً منذ يناير 2022، رغم توصية لجنة المجلس بتشكيل لجنة للتتبع والتفاوض، وفي وقت تتحمل فيه المدينة عجزاً يقدر بنحو 220 مليون درهم للحفاظ على تعريفة النقل، فينقل النقاش من سؤال الإمكانات المالية وحدها إلى سؤال الحصيلة وترتيب الأولويات.
ماذا تحقق منذ توصيات سنة 2022، ومن يتحمل مسؤولية بقاء مجانية النقل دون دراسة مالية معلنة أو صيغة تمويل أو جدول زمني للتنفيذ؟
