بقلم: الباز عبدالإله
فتحت بريطانيا الطريق أمام إطلاق واحدة من أكثر التجارب الطبية إثارة للجدل داخل نظامها الصحي، بعدما حصلت دراسة «PATHWAYS» على الموافقات التنظيمية والأخلاقية اللازمة لاختبار أدوية تعمل على كبح أو تأخير البلوغ لدى أطفال ومراهقين يعانون مما يعرف طبياً بـ«عدم التوافق الجندري»، في وقت لا تزال فيه السلطات الصحية تقيد وصف هذه الأدوية بشكل روتيني للقاصرين لهذا الغرض بسبب محدودية الأدلة بشأن فوائدها ومخاطرها على المدى المتوسط والبعيد.
وبحسب البروتوكول الرسمي المحدّث للدراسة، تستهدف التجربة تجنيد 226 طفلاً ومراهقاً، وتتراوح أعمار المؤهلين للمشاركة بين 11 سنة وما دون 16 سنة بالنسبة للمسجلين إناثاً عند الولادة، وبين 12 سنة وما دون 16 سنة بالنسبة للمسجلين ذكوراً عند الولادة، مع اشتراط أن يكون المشارك قد دخل فعلياً مرحلة البلوغ وفق المراحل السريرية المعروفة بتصنيف «Tanner» من الدرجة الثانية إلى الخامسة.
ولا يتعلق الأمر بـ«لقاح» كما تروج بعض المنشورات المتداولة، وإنما بعلاج هرموني من فئة نظائر هرمون GnRH، ويحدد البروتوكول الأساسي استعمال دواء «Triptorelin» المعروف تجارياً بـ«Decapeptyl SR»، والذي يعمل على تثبيط الإشارات الهرمونية المسؤولة عن استمرار تطور البلوغ.
وصُممت التجربة على أساس تقسيم المشاركين عشوائياً إلى مجموعتين، تبدأ الأولى العلاج مباشرة، فيما تنتظر المجموعة الثانية 12 شهراً قبل بدء العلاج، بما يسمح للباحثين بمقارنة النتائج بين الفترتين ودراسة الفوائد والمخاطر المرتبطة بتوقيت استعمال أدوية كبح البلوغ.
وتزداد حساسية الملف بالنظر إلى شروط الانضمام الصارمة التي يتضمنها البروتوكول، إذ يشترط تشخيص «عدم التوافق الجندري» وفق التصنيف الدولي للأمراض ICD-11، واستمرار الحالة لمدة لا تقل عن سنتين، إلى جانب وجود رغبة مستمرة لدى الطفل أو المراهق في العيش وفق الجنس الذي يشعر بالانتماء إليه، واستمرار طلبه وقف تطور البلوغ بعد تلقي أشكال أخرى من الرعاية والدعم.
ولا يعني ذلك أن أي طفل يمكنه الحصول على هذه الأدوية لمجرد التعبير عن رغبته في «اختيار» أن يكون بنتاً أو ولداً، إذ يشترط البروتوكول تقييم الطبيب المسؤول، ومراجعة فريق طبي متعدد التخصصات، والتأكد من قدرة القاصر على فهم الفوائد والمخاطر المحتملة للعلاج، ومناقشة مسألة الحفاظ على الخصوبة، فضلاً عن الحصول على الموافقة المستنيرة لأحد الوالدين أو الوصي القانوني، وإبداء القاصر موافقته المستنيرة المناسبة لسنّه على المشاركة.
وتأتي التجربة في سياق تحوّل كبير عرفته السياسة الصحية البريطانية تجاه أدوية كبح البلوغ، بعدما قرر NHS England في مارس 2024 عدم إتاحتها بشكل روتيني للأطفال والمراهقين الذين يعانون من عدم التوافق أو الضيق الجندري، في ظل استمرار الجدل العلمي بشأن قوة الأدلة المتاحة.
وفي أبريل 2024، جاءت المراجعة النهائية التي قادتها الطبيبة هيلاري كاس «Cass Review» لتعزز المخاوف المرتبطة بضعف قاعدة الأدلة المتوفرة بشأن سلامة وفعالية عدد من التدخلات الطبية الموجهة للقاصرين في هذا المجال، قبل أن تقرر الحكومة البريطانية لاحقاً جعل القيود المفروضة على صرف مثبطات البلوغ عبر الوصفات الخاصة غير محددة المدة، مع الإبقاء على إمكانية استخدامها داخل تجارب سريرية منظمة ومراقبة.
ومن هذا الاستثناء جاءت تجربة «PATHWAYS»، إذ أعلنت وكالة تنظيم الأدوية ومنتجات الرعاية الصحية البريطانية «MHRA» في يونيو 2026 أن البروتوكول المعدل أصبح مستوفياً للمتطلبات التنظيمية، بعد إدخال إجراءات حماية إضافية تتعلق خصوصاً بصحة العظام والوظائف الإدراكية والنزيف والحفاظ على الخصوبة، كما حصل المشروع على الموافقة الأخلاقية اللازمة من الجهات المختصة.
ولم يقتصر الجدل على المؤسسات الطبية، بل وصل إلى مجلس العموم البريطاني، حيث عُرض في 23 يونيو 2026 مقترح يدعو الحكومة إلى اتخاذ إجراءات لمنع إجراء تجربة «PATHWAYS» على الأطفال والمراهقين.
وسقط المقترح بعدما صوت 112 نائباً لصالح الدعوة إلى وقف التجربة، مقابل 283 نائباً ضدها.
ولا يعني هذا التصويت أن مجلس العموم «صادق على إعطاء أدوية تأخير البلوغ للأطفال»، كما يجري تداوله في بعض المنشورات، وإنما يعني تحديداً أن أغلبية النواب المشاركين في التصويت رفضوا مقترحاً سياسياً كان يطالب الحكومة بالتدخل لوقف تجربة سبق أن حصلت على موافقات الجهات الطبية والتنظيمية المختصة.
وفي 31 يوليوز 2026، تجاوز المشروع عقبة قضائية جديدة، بعدما رفضت المحكمة العليا منح الإذن بإجراء مراجعة قضائية للطعن في الموافقات التنظيمية الممنوحة للتجربة، كما رفضت طلباً لاتخاذ تدبير مؤقت يمنعها من المضي قدماً، معتبرة أن أسباب الطعن المطروحة لا تملك فرصة واقعية للنجاح.
ومع ذلك، لا تتوفر إلى حدود الآن معطيات رسمية منشورة تؤكد أن جميع المشاركين الـ226 قد جرى تجنيدهم أو أن 226 قاصراً تلقوا العلاج فعلياً، لذلك فإن الرقم يشير إلى العدد المستهدف في تصميم الدراسة وليس إلى حصيلة نهائية للمشاركين الذين خضعوا للعلاج.
وتقول جامعة «King’s College London» المشرفة على المشروع إن الأدلة المتاحة حالياً لا تسمح بالحسم بصورة كافية في فوائد أدوية كبح البلوغ أو مخاطرها لدى الأطفال والشباب الذين يعانون من عدم التوافق الجندري، مشيرة إلى استمرار أسئلة علمية بشأن تأثيرها المحتمل على نمو العظام والدماغ وعدد من المؤشرات الصحية الأخرى، وهي الجوانب التي صممت التجربة أساساً لدراستها.
وبذلك تختلف القصة الفعلية عن الصيغة المتداولة التي تتحدث عن «لقاح يمنح الطفل الوقت ليختار إن كان ذكراً أو أنثى»، لكنها تظل ملفاً طبياً وسياسياً شديد الحساسية، فبريطانيا التي قيدت الاستخدام الروتيني لمثبطات البلوغ بسبب ضعف الأدلة تسمح الآن بدراستها داخل تجربة سريرية تستهدف 226 قاصراً، بعضهم ابتداء من سن 11 عاماً، فيما رفض مجلس العموم محاولة سياسية لوقف المشروع بـ283 صوتاً.
