بقلم: الباز عبدالإله
دعا عبد الله بوصوف إلى «زراعة الأمل» لدى الشباب المغربي في أفق 2035، وحذّر من نزيف الأطباء والكفاءات ومن الصورة الوردية التي تصنعها شبكات التواصل الاجتماعي عن أوروبا، خلال حلوله ضيفاً على برنامج «جلسة عمل» الذي تبثه هسبريس. لكن الرجل الذي يشخّص اليوم أعطاب الهجرة ليس مراقباً من خارج المؤسسات؛ فهو الأمين العام لمجلس الجالية المغربية بالخارج منذ سنة 2007، وهو المنصب الذي يؤكد الموقع الرسمي للمجلس أنه ما يزال يحتفظ به إلى اليوم.
وهنا ينقلب السؤال من الشباب المهاجر إلى المؤسسة نفسها: بعد قرابة عقدين، ماذا قدم مجلس الجالية فعلياً لمغاربة العالم؟ وأين الحصيلة التي يمكن وضعها أمام دافعي الضرائب مقابل 49 مليون درهم، أي 4.9 مليارات سنتيم، تُرصد للمجلس سنوياً؟
الرقم ليس تقديراً صحافياً، وثائق مجلس النواب الخاصة بميزانية 2026 تضع اعتماد مجلس الجالية المغربية بالخارج عند 49 مليون درهم، وهو المستوى نفسه الذي يظهر في وثائق ميزانية 2025.
أي أن الحديث يتعلق بمؤسسة تتوفر على عشرات الملايين من الدراهم من الميزانية العامة، بما يجعل السؤال عن أثر كل ذلك حقاً مشروعاً لا اتهاماً.
بوصوف تحدث في «جلسة عمل» عن هجرة عشرات الآلاف من المغاربة بصورة نظامية وعن مغادرة الأطباء والمهندسين والأساتذة والأطر، مقدماً نزيف الكفاءات باعتباره تحدياً للتنمية، كما دعا إلى سياسات تضع الشباب في صلب الأولويات وإلى ميثاق لـ«زراعة الأمل».
لكن ما دام الأمين العام لمجلس الجالية يرى اليوم أن نزيف الكفاءات بلغ هذا المستوى من الخطورة، فإن السؤال يصبح مؤسساتياً قبل أن يكون خطابياً: أين كانت دراسات المجلس وإنذاراته وتوصياته طوال السنوات الماضية؟
أين التقرير الذي يقيس بالأرقام هجرة الأطباء والمهندسين والكفاءات المغربية؟ وما الحلول التي اقترحها المجلس؟ وإلى أي مؤسسات رفعها؟ وما الذي تحول منها إلى سياسة عمومية؟ وما النتائج التي يمكن للمغربي المقيم في الخارج أن يلمسها اليوم؟
هذه ليست مطالب خارج اختصاص المجلس، بل تمس جوهر الوظيفة التي يقدم بها المجلس نفسه.
فالمؤسسة تصف دورها بأنه استشاري واستشرافي يهتم بإشكاليات الهجرة وتقييم السياسات المتعلقة بها، وبوصوف نفسه قدم المجلس في مناسبات سابقة باعتباره مؤسسة تعمل على تقديم آراء استشارية لتقييم وتحسين السياسات في مجال الهجرة.
لذلك لا يكفي، بعد كل هذه السنوات، أن تكون الحصيلة عبارة عن ندوات ولقاءات واتفاقيات وإصدارات وصور استقبال وفود، رغم أن كل ذلك يدخل ضمن أنشطة المؤسسة.
فالسؤال بالنسبة لمؤسسة دستورية ممولة من المال العام هو الأثر: كم رأياً استشارياً رسمياً أصدرت؟ كم تقريراً استراتيجياً أنجزت؟ كم توصية تبنتها الحكومة؟ وما الذي تغير نتيجة ذلك؟
بل إن المجلس نفسه سبق أن أعلن التزامه بإنتاج مضمون علمي حول قضايا الهجرة ومواكبة السياسات الحكومية المرتبطة بها، وكان بوصوف يتحدث منذ سنة 2016 عن «التراكم» الذي حققه المجلس منذ تأسيسه.
وبعد عشر سنوات إضافية، يصبح من حق الرأي العام أن يسأل عن ترجمة هذا التراكم إلى نتائج قابلة للعد والحساب.
والسؤال يصبح أكثر إلحاحاً عندما نصل إلى المشاكل اليومية لمغاربة العالم.
ففي ماي 2024، عرض المجلس نفسه إشكاليات مرتبطة بشكايات مغاربة الخارج، من الولوج إلى العدالة والحماية من تعسف الإدارة إلى الحق في المعلومة وحماية الممتلكات والحماية الاجتماعية، إضافة إلى مشاكل نقل الحقوق الاجتماعية وتجديد رخص السياقة.
إذا كانت هذه المشاكل ما تزال مطروحة بعد سنوات طويلة، فأين الأرقام التي تتيح تقييم تدخل المجلس؟ كم شكوى استقبل؟ كم واحدة عولجت؟ كم ملفاً وجد طريقه إلى الحل؟ وكم توصية صدرت لمعالجة الأسباب التي تجعل المشكلات نفسها تتكرر؟
الأثقل من كل ذلك أن ملف مجلس الجالية وصل في 6 نونبر 2024 إلى مستوى إعادة هيكلة المنظومة المؤسساتية الخاصة بمغاربة الخارج.
ففي خطاب رسمي، تقرر تنظيم المجال على أساس هيأتين، مع التأكيد على أن مجلس الجالية، باعتباره مؤسسة دستورية مستقلة، «يجب أن تقوم بدورها كاملا» كإطار للتفكير وتقديم الاقتراحات، إلى جانب الدعوة إلى تسريع إخراج القانون الجديد للمجلس.
هذه العبارة لا تسمح بالقول إن المجلس «فشل»، ولا تشكل إدانة لتدبير أمواله، لكنها تفتح سؤالاً سياسياً ومؤسساتياً ثقيلاً: إذا كان المجلس يقوم بكل ما هو منتظر منه، فلماذا أصبحت الحاجة قائمة إلى إعادة هيكلة المنظومة والتأكيد من أعلى مستوى في الدولة على ضرورة أن يقوم بدوره كاملاً؟
واللافت أن الخطاب نفسه قرر إحداث «المؤسسة المحمدية للمغاربة المقيمين بالخارج» لتكون الذراع التنفيذي للسياسة العمومية، مع تجميع الصلاحيات المتفرقة وتنسيق الاستراتيجية الوطنية وتنفيذها، بينما يفترض أن يتركز مجلس الجالية على التفكير والاقتراح.
وهذا التفريق يجعل المحاسبة أكثر وضوحاً لا أقل: فلا أحد يطالب مجلس الجالية ببناء مستشفى أو توفير وظيفة أو فتح قنصلية، لكن من حق المغاربة أن يسألوه عن المنتوج الاستشاري الذي أُنشئ من أجله.
أين الدراسات المرجعية؟ أين الآراء الاستشارية؟ أين التقارير الدورية؟ أين تقييم السياسات؟ وأين لوحة النتائج التي تشرح للمواطن، بلغة الأرقام، ماذا أنتج المجلس مقابل عشرات الملايين من الدراهم سنوياً؟
بوصوف يستطيع أن يقول للشباب إن أوروبا ليست جنة، وأن الخوارزميات تبيع لهم وهماً، وأن المغرب يحتاج إلى «زراعة الأمل». لكن بعد أن ينتهي التشخيص، يبقى سؤال لا تستطيع الخوارزميات الإجابة عنه نيابة عن المؤسسة التي يشغل أمانتها العامة منذ 2007:
ماذا زرع مجلس الجالية نفسه خلال كل هذه السنوات؟
ليس المقصود هنا اتهام أحد بتبديد المال العام، إذ لا توجد في المعطيات التي بين أيدينا أدلة تسمح بمثل هذا الاتهام. القضية أبسط وأثقل في الوقت نفسه: 49 مليون درهم سنوياً من المال العام تعني أن من حق المغاربة الحصول على حصيلة سنوية واضحة ومقروءة وقابلة للقياس.
فحين يدعو مسؤول ظل في أمانة مؤسسة منذ قرابة عقدين إلى «زراعة الأمل»، يصبح من المشروع أن يسأله دافع الضرائب: أين الثمار؟
