بقلم: الباز عبدالإله
نشر موقع Africa Inside، اليوم الخميس 1 أكتوبر 2026، مقالاً بعنوان «بعد تصريحات مسعد بولس على فرانس 24، الصحافة المغربية في حالة انهيار تام بشأن قضية الصحراء الغربية»، قدّم فيه مقابلة المسؤول الأمريكي مع France 24 باعتبارها دليلاً على سقوط ما وصفه بـ«الانتصار المزعوم للدبلوماسية المغربية»، وذهب أبعد من ذلك حين اعتبر أن تصريحات بولس كشفت هشاشة مقترح الحكم الذاتي، وأن ما روجته الصحافة المغربية خلال السنة الماضية لم يكن سوى رواية مضللة جرى تسويقها للرأي العام.
والموقع الذي نشر هذه القراءة تظهر حوله مؤشرات رقمية مرتبطة بالجزائر؛ فحسابه المتداول على منصة «إكس» يحمل المعرّف @Africainside_dz، فيما تدرج قاعدة بيانات تجارية تحمل اسم Poidata موقع Africa Inside ونطاقه الإلكتروني ضمن ناشري الصحف في الجزائر، وتحدد موقعه في بئر خادم. ولا تكفي هذه المؤشرات وحدها للجزم بالوضع القانوني للمؤسسة أو طبيعة ملكيتها، خصوصاً في غياب بيانات قانونية واضحة منشورة يمكن الاستناد إليها، لكنها معطيات تستحق الذكر عند تعريف القارئ بالمصدر الذي يقف وراء المقال.
والملاحظة المهنية الثانية لا تقل أهمية: النسخة المنشورة من المادة تظهر عبارة «بقلم» من دون أن يليها اسم واضح للكاتب، رغم أن المقال لا يقتصر على نقل تصريحات علنية، بل يقدم أحكاماً سياسية حادة، وينسب معلومات حساسة إلى ما سماه «تسريبات دبلوماسية لمحررينا».
غياب اسم الكاتب لا يبطل مضمون المادة بطبيعة الحال، لكنه يصبح معطى يستحق التوقف عندما يكون القارئ أمام روايات عن مفاوضات دبلوماسية مغلقة، وادعاءات بشأن ما قيل داخل غرف التفاوض، وخلاصات قطعية حول مواقف دولية في واحد من أكثر الملفات حساسية في المنطقة.
المقال لم يكتف بقراءة تصريحات بولس، بل تحدث عن أسئلة قيل إنها أحرجت الوفد المغربي خلال محادثات مدريد، وعن غياب أجوبة مغربية عليها، وعن إدراك أمريكي لما وصفه بـ«سطحية» مقترح الحكم الذاتي، قبل أن يقدم قراءة خاصة للقرار 2797 ولمفهوم تقرير المصير.
هذه الخلاصات الثقيلة هي بالضبط ما يجعل العودة إلى المصادر الأصلية ضرورية.
ليس للدفاع عن رواية إعلامية مغربية في مواجهة رواية مضادة، ولا لتحويل ملف دولي معقد إلى مباراة شعارات، وإنما لطرح سؤال أكثر بساطة ومهنية: ماذا قال مسعد بولس فعلاً؟ ماذا يقول قرار مجلس الأمن 2797 بالنص؟ وماذا تتضمن مبادرة الحكم الذاتي التي أحيلت على الأمم المتحدة سنة 2007؟
بولس قال بالفعل، خلال مقابلته مع France 24 يوم 25 شتنبر 2026، إنه لا توجد في الوقت الحالي «تسوية وشيكة» يمكن لمسها أو استشعارها، بعد ثلاث جولات من المحادثات لم تصل إلى حل مقبول من الأطراف.
وهذه حقيقة ينبغي نقلها كما هي.
لكن المقابلة لم تتوقف عند هذه الجملة.
المسؤول الأمريكي أكد أيضاً أن موقف واشنطن «واضح»، وأعاد التذكير بالموقف الأمريكي المعترف بالسيادة المغربية على الصحراء وبالدعم الأمريكي للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. كما تحدث عن انتظار واشنطن ملاحظات أو رداً من جبهة البوليساريو بشأن مقترح الحكم الذاتي من أجل المضي في العملية السياسية.
كيف تتحول هذه العناصر مجتمعة إلى إعلان أمريكي عن «هزيمة الدبلوماسية المغربية»؟
ذلك ليس تصريحاً لمسعد بولس، بل استنتاج تحريري أضافه المقال إلى كلامه.
الأمر يصبح أكثر وضوحاً عند الانتقال من المقابلة التلفزيونية إلى الوثيقة التي يفترض أن تحسم النقاش: قرار مجلس الأمن 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025.
النص لا يقول إن الحكم الذاتي والاستقلال أصبحا خيارين متساويين موضوعين على الطاولة كما يوحي مقال Africa Inside.
الفقرة الثانية من منطوق القرار تعلن دعم مجلس الأمن لجهود الأمين العام ومبعوثه الشخصي في تسهيل وإجراء المفاوضات «على أساس مقترح الحكم الذاتي المغربي»، بهدف التوصل إلى تسوية عادلة ودائمة ومقبولة من الأطراف، كما ترحب بالمقترحات البناءة التي قد تقدمها الأطراف رداً على مقترح الحكم الذاتي.
ثم تأتي الفقرة الثالثة فتدعو الأطراف إلى المشاركة في المناقشات دون شروط مسبقة «على أساس مقترح الحكم الذاتي المغربي»، بهدف الوصول إلى حل سياسي نهائي ومقبول بصورة متبادلة يحقق تقرير المصير لشعب الصحراء الغربية، وتعتبر أن حكماً ذاتياً حقيقياً يمكن أن يمثل واحداً من أكثر المخرجات قابلية للتطبيق، مع تشجيع الأطراف على تقديم أفكارها للوصول إلى حل نهائي مقبول.
يمكن مناقشة الدلالة السياسية والقانونية لهذه الصياغة كما يشاء المحللون، لكن لا يمكن حذف نصفها ثم تقديم النصف الآخر باعتباره القرار كله.
صحيح أيضاً أن القرار لم يقل إن نتيجة المفاوضات محسومة سلفاً، ولم يغلق الباب أمام مقترحات الأطراف. كما أن عبارة «only basis»، أي «الأساس الوحيد»، لا تظهر بهذه الصيغة في منطوق القرار النهائي.
لكن الفرق كبير بين القول إن القرار لم يحسم النتيجة النهائية، وبين القول إن مجلس الأمن وضع الاستقلال والحكم الذاتي على قدم المساواة.
النص الأممي اختار صياغة واضحة: المفاوضات تُجرى على أساس مقترح الحكم الذاتي المغربي، مع اشتراط حل نهائي مقبول بصورة متبادلة يضمن تقرير المصير.
حتى الولايات المتحدة، صاحبة مشروع القرار، ذهبت أبعد من النص بعد التصويت. ممثلها أمام مجلس الأمن قال إن واشنطن تدعو الأطراف إلى الدخول في مناقشات جدية باستخدام المقترح المغربي للحكم الذاتي باعتباره «الأساس الوحيد» لحل عادل ودائم للنزاع.
وهنا أيضاً تفرض الدقة نفسها: عبارة «الأساس الوحيد» تعبر عن موقف الولايات المتحدة في تفسيرها للمسار، وليست هي الصياغة الحرفية التي اعتمدها مجلس الأمن في القرار النهائي.
والتمييز بين الموقف الأمريكي وبين نص القرار ليس تفصيلاً لغوياً، بل شرط أساسي لقراءة الملف دون انتقائية.
ثم يصل مقال Africa Inside إلى نقطة أخرى أكثر حساسية، حين يتحدث عن نسخة من مقترح الحكم الذاتي في نحو أربعين صفحة، ويقول إن الوفد الصحراوي كشف خلال المباحثات عن أوجه قصور فيها، وإنها تفتقر إلى تفاصيل مؤسساتية وسياسية كافية.
هنا تفرض الدقة نفسها مرة أخرى.
إذا كان المقصود وثيقة موسعة قدمت خلال المفاوضات الأخيرة ولم يُنشر نصها الكامل للعموم، فلا يمكن إصدار حكم مستقل على محتواها من دون الاطلاع عليها.
وبالقدر نفسه، لا يمكن التحقق بصورة مستقلة من الادعاء بأنها «سطحية» أو تفتقر إلى تفاصيل بعينها اعتماداً فقط على تسريب منسوب إلى مصادر غير مسماة.
لكن إذا كان المقصود، كما يوحي المقال في مواضع أخرى، أن مقترح الحكم الذاتي المغربي في حد ذاته يخلو من هندسة مؤسساتية وسياسية، فإن الوثيقة الرسمية المنشورة التي أحالها المغرب على الأمم المتحدة سنة 2007 تقول شيئاً مختلفاً.
المبادرة تحدد اختصاصات للجهة في الإدارة والشرطة المحلية والتنمية الاقتصادية والاستثمار والتجارة والصناعة والسياحة والفلاحة والميزانية والضرائب والبنيات التحتية والتعليم والصحة والتشغيل والثقافة والبيئة. كما تنص على برلمان للجهة، ورئيس حكومة ينتخبه البرلمان الجهوي، وحكومة جهوية، ومحاكم ومحكمة جهوية عليا.
هذه المعطيات ليست إجابة عن محتوى أي وثيقة غير منشورة من أربعين صفحة، لكنها كافية لإظهار أن وصف مبادرة 2007 المنشورة عموماً بأنها خالية من التفاصيل المؤسساتية لا ينسجم مع النص المتاح أمام الجميع.
يمكن لأي طرف أن يعتبر هذه الصلاحيات كافية أو غير كافية، ويمكن التفاوض بشأن توزيعها وضماناتها ومدى اتساعها؛ فتلك مسألة سياسية وقانونية تفاوضية.
أما حكاية أن الحكم الذاتي يفرض بالضرورة تحويل المغرب إلى «دولة اتحادية»، فليس في قرار مجلس الأمن 2797 ما يقرر ذلك، ولا تنص مبادرة 2007 على أن الفيدرالية شرط لتنفيذها.
الموجود فعلاً أكثر تحديداً: الفقرة 29 من المبادرة تنص على تعديل الدستور المغربي وإدراج نظام الحكم الذاتي فيه من أجل ضمان استمراريته ومكانته الخاصة داخل البنية القانونية الوطنية.
تعديل الدستور إذن وارد بالنص؛ أما الانتقال من ذلك إلى القول بضرورة تحويل المغرب إلى دولة اتحادية فهو استنتاج آخر يحتاج إلى سند دستوري وسياسي مستقل.
تبقى أكثر أجزاء مقال Africa Inside إثارة تلك المتعلقة بما قيل إنه جرى خلف الأبواب المغلقة في محادثات مدريد: أسئلة صحراوية أحرجت الوفد المغربي، وعدم قدرة هذا الوفد على الإجابة، ثم إدراك المسؤولين الأمريكيين ما وصفه المقال بـ«سطحية» المقترح المغربي.
كل ذلك يُنسب إلى «تسريبات دبلوماسية لمحررينا».
ربما يمتلك الموقع مصادر بالفعل، وهذا حق صحفي مشروع، لكن إلى حين وجود وثيقة أو تصريح أو مصدر مستقل يؤكد هذه الرواية، تظل معلومات منسوبة إلى مصادر غير مسماة، ولا تتحول بمجرد نشرها إلى وقائع مثبتة.
وتزداد الحاجة إلى الحذر عندما تكون المادة نفسها منشورة من دون اسم واضح للكاتب، ثم تقدم للقارئ معلومات شديدة الحساسية عن مضمون لقاءات مغلقة، دون تعريف بالمصدر أو تقديم عنصر مستقل يسمح باختبار صدقية تلك الرواية.
ويصبح الأمر أكثر إشكالاً عندما تُستخدم هذه التسريبات لبناء استنتاجات قطعية عن موقف الإدارة الأمريكية، بينما بولس نفسه أعاد في المقابلة العلنية تأكيد استمرار الموقف الأمريكي الداعم للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، بالتوازي مع إقراره بعدم وجود حل وشيك.
المقال يذهب أيضاً إلى الحديث عن حسم المسألة عبر عملية لتقرير المصير مرتبطة بما سماه «سجلات الحالة المدنية التي تحتفظ بها إسبانيا منذ فترة حكم فرانكو».
هنا أيضاً تحتاج الصورة إلى مزيد من الدقة.
فالمبادرة المغربية المنشورة سنة 2007 نفسها لا تلغي مبدأ الاستفتاء؛ بل تنص في الفقرة 27 على أن نظام الحكم الذاتي، بعد التفاوض عليه، يُعرض على السكان المعنيين في استفتاء حر، وتصف ذلك بأنه ممارسة لحق تقرير المصير. كما كانت الفقرة الثامنة من المبادرة قد نصت أيضاً على عرض النظام الناتج عن المفاوضات على السكان المعنيين للاستفتاء.
وهذا يختلف عن آلية الاستفتاء الواردة في خطة التسوية الأممية القديمة، التي ارتبطت بعملية تحديد هيئة ناخبة معقدة استندت في بدايتها إلى الإحصاء الإسباني لسنة 1974 قبل أن تدخل في نزاعات طويلة حول معايير الأهلية والطعون.
لذلك فالمسألة ليست ببساطة وجود «استفتاء» من عدمه، وإنما: استفتاء على ماذا؟ وبأي إطار تفاوضي؟ ومن هي الهيئة الناخبة؟
قرار مجلس الأمن 2797 لا يعيد في منطوقه إحياء آلية التسوية القديمة أو تحديد هيئة ناخبة مبنية على إحصاء 1974. ما يفعله هو وضع المفاوضات الحالية على أساس مقترح الحكم الذاتي المغربي، مع اشتراط التوصل إلى حل سياسي نهائي ومقبول بصورة متبادلة يحقق تقرير المصير، وتشجيع الأطراف على تقديم أفكارها ومقترحاتها.
يبقى تصريح بولس مهماً: بعد قرابة عام على القرار 2797 وثلاث جولات من المباحثات، لا توجد حتى الآن تسوية نهائية وشيكة.
هذه حقيقة سياسية تستحق النقاش والمساءلة، ولا ينبغي إخفاؤها أو التقليل من دلالتها.
أما تحويلها إلى إعلان عن انهيار الموقف الأمريكي، أو سقوط الحكم الذاتي من الطاولة، أو اعتراف واشنطن بـ«سطحية» المقترح المغربي، فذلك يحتاج إلى أدلة مستقلة لم يقدمها تصريح بولس، ولا يقدمها القرار 2797، ولا تقدمها الوثائق الرسمية المنشورة.
الصحافة لا تصبح أكثر صدقية عندما تستبدل مبالغة بمبالغة مضادة.
كما أن انتقاد الخطاب الانتصاري في الإعلام المغربي، وهو نقاش مشروع في حد ذاته، لا يمنح أي وسيلة إعلامية الحق في استبدال الانتقائية الأولى بانتقائية معاكسة، أو تحويل روايات منسوبة إلى مصادر مجهولة إلى خلاصات دبلوماسية محسومة.
والملفات الدولية المعقدة لا تُقرأ بعنوان صاخب، ولا بنصف تصريح، ولا بتسريب مجهول المصدر.
وحين تصبح الوثيقة الأصلية متاحة للجميع، لا يعود الخلاف حول ما نريد أن يقوله القرار، بل حول ما يقوله فعلاً.
