بقلم: الباز عبدالإله
وضعت أرقام واردة في التقرير السنوي للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي برسم سنة 2025 سياسة تدبير النفايات بالمغرب أمام مفارقة بين حجم البرامج والاستثمارات المعلنة وضعف النتائج المسجلة، إذ تنتج المملكة نحو 8.1 ملايين طن من النفايات البلدية سنوياً، بينما لا تتجاوز نسبة تثمينها، أي إعادة تدويرها أو تحويلها إلى مواد وطاقة قابلة للاستفادة، 7 في المائة.
وسجل التقرير أن المغرب ينتج نحو 22 ألف طن من النفايات يومياً، مع ارتفاع سنوي يناهز 3 في المائة، تحت تأثير التوسع العمراني والنمو الديمغرافي وتغير أنماط الاستهلاك.
ورغم بلوغ نسبة جمع النفايات نحو 80 في المائة على الصعيد الوطني، وتجاوزها 90 في المائة داخل عدد من التجمعات الحضرية الكبرى، ما يزال الطمر الوسيلة الرئيسية للتخلص منها، فيما تظل عمليات الفرز وإعادة التدوير والتسميد والتثمين محدودة مقارنة بالكميات المنتجة.
ويعني معدل تثمين لا يتجاوز 7 في المائة أن نحو 93 في المائة من النفايات تبقى خارج دائرة الاستفادة، ولا تتحول إلى مواد قابلة لإعادة الاستعمال أو مصادر للطاقة والقيمة الاقتصادية، فيما يظل الطمر المصير الرئيسي للقسم الأكبر منها، بما يرافق ذلك من آثار بيئية وصحية وضياع لفرص الاستثمار والشغل.
وتزداد الضغوط مع التوقعات التي أوردها التقرير بشأن إمكانية بلوغ حجم النفايات نحو 17.6 مليون طن في أفق سنة 2050، أي أكثر من ضعف المستويات الحالية، ما يضع القدرة الاستيعابية للمطارح ومنظومة التدبير أمام تحديات متزايدة.
ويأتي ذلك بينما رُصد للبرنامج الوطني للنفايات المنزلية والمماثلة لها، الممتد بين 2023 و2034، أكثر من 21 مليار درهم، أي ما يفوق 2100 مليار سنتيم، بدعم من البنك الدولي، بهدف تحديث البنيات التحتية الخاصة بتدبير النفايات وإعادة تأهيل المطارح وتحسين أداء القطاع.
ولا يعني مبلغ 2100 مليار سنتيم أنه صُرف كاملاً، بل يمثل الاعتمادات المرصودة للبرنامج على امتداد سنوات تنفيذه، فيما يشير التقرير إلى استثمارات مبرمجة خلال سنتي 2024 و2025 تقدر بنحو 1.9 مليار درهم.
غير أن بقاء نسبة التثمين في حدود 7 في المائة يضع البرنامج أمام امتحان النتائج، خصوصاً أن نجاح سياسة النفايات لا يقاس فقط بنسب الجمع، بل أيضاً بقدرتها على تقليص الطمر وتحويل المخلفات إلى موارد اقتصادية قابلة للاستعمال.
ويمتد التحدي إلى النفايات الكهربائية والإلكترونية، التي بلغ حجمها نحو 177 ألف طن سنة 2022، مع توقع ارتفاعها إلى أكثر من 210 آلاف طن بحلول 2030، بينما لا تتجاوز نسبة إعادة تدويرها 13 في المائة.
وسجل التقرير أن الفرز من المصدر ما يزال محدوداً للغاية، وأن قدرات إعادة التدوير والتسميد والتثمين تظل غير كافية، إلى جانب ضعف الاستثمارات الموجهة لسلاسل التثمين، ومحدودية التدابير التحفيزية، والحاجة إلى تعزيز التنسيق بين المتدخلين، مع استمرار حضور القطاع غير المهيكل.
ودعا المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى اعتماد استراتيجية وطنية مهيكلة للاقتصاد الدائري، وتسريع تفعيل المسؤولية الموسعة للمنتجين، بما يجعلهم أكثر انخراطاً في تنظيم وتمويل جمع ومعالجة النفايات الناتجة عن منتجاتهم، إلى جانب تنظيم ومهننة القطاع غير المهيكل وإدماج العاملين فيه تدريجياً ضمن أطر منظمة.
وتضع هذه الأرقام البرنامج الوطني أمام سؤال واضح: هل تتحول الاعتمادات التي تتجاوز 2100 مليار سنتيم إلى منظومة تقلص الطمر وترفع الاستفادة من النفايات وتخلق القيمة وفرص العمل، أم يستمر المغرب في جمع ملايين الأطنان سنوياً قبل نقلها إلى المطارح، بينما يبقى 93 في المائة منها خارج دائرة الاستفادة؟
