بقلم: الباز عبدالإله
نقلت صحيفة «لوموند» الفرنسية، من داخل أسر ضحايا مأساة العبور نحو سبتة، وجهاً اجتماعياً ثقيلاً للقضية، حيث يلتقي الانقطاع المبكر عن الدراسة مع العمل الهش وضعف الفرص، بينما تظل فكرة الرحيل حاضرة حتى داخل أسر دفنت أبناءها قبل أيام.
التقرير، الذي نشرته الصحيفة السبت 15 غشت 2026 بقلم الصحفية ندى ديدوح، توقف عند قصة أيمن آيت عمر، الشاب البالغ 18 عاماً، والذي عُثر على جثمانه بشاطئ قرب المضيق يوم 10 غشت، بعد نحو أسبوعين من البحث عنه، بعدما حاول الوصول سباحة إلى سبتة.
وبحسب شقيقته، غادر أيمن الدراسة مبكراً محاولاً مساعدة أسرته، قبل أن ينتقل بين أعمال متفرقة لم توفر له استقراراً ولا دخلاً يسمح ببناء مستقبل.
وقالت إن بعض الأعمال التي اشتغل بها وهو قاصر لم تكن تمنحه سوى نحو 200 درهم مقابل أسبوع كامل من العمل.
وترسم «لوموند» من خلال قصة الأسرة صورة لشباب يرون آفاقاً محدودة أمامهم، في وقت تعرض عليهم شبكات التواصل الاجتماعي يومياً نماذج لحياة مختلفة في أوروبا. وقالت شقيقة أيمن إن شقيقها كان يتابع عبر «إنستغرام» و«سناب شات» شباباً نجحوا في بناء حياتهم خارج المغرب، ما غذى لديه حلم العبور إلى الضفة الأخرى.
حتى موت أيمن لم يُنهِ، بحسب التقرير، فكرة الهجرة داخل محيطه العائلي.
ابن عمه، البالغ 24 عاماً والذي يعمل منذ سبع سنوات في قطاع النسيج مقابل نحو 100 درهم في اليوم، لخّص حالة الإحباط بقوله: «الموت أو أن تصبح غنياً»، مؤكداً أنه يتفهم لماذا اختار قريبه محاولة الرحيل.
الصورة نفسها ظهرت لدى قاصر تبلغ 15 عاماً تحدثت إليها الصحيفة.
كانت ترغب في دراسة الاقتصاد، لكنها وجدت نفسها مضطرة إلى اختيار شعبة أخرى لأن مؤسستها لا توفر المسلك بسبب نقص الأساتذة، بينما لا تسمح الإمكانيات المالية لأسرتها بإرسالها إلى مدينة أخرى لمواصلة الدراسة التي تريدها.
وتنقل «لوموند» أن الجنازات التي شهدتها المنطقة تحولت إلى لحظات يختلط فيها الحزن بالخوف من استمرار النزيف. إحدى النساء لخّصت المشهد بعبارة «نحن نفقد شبابنا»، فيما بقي السؤال قائماً داخل الأسر حول كيفية إقناع أبنائها بالبقاء عندما يرون أن فرص العمل والدراسة والحياة الأفضل توجد، في نظرهم، في مكان آخر.
أما حصيلة الضحايا، فما تزال محل تضارب كبير. وتشير الصحيفة إلى أن الجمعية المغربية لحقوق الإنسان تحدثت يوم 7 غشت عن 141 وفاة على جانبي الحدود، فيما أعلنت السلطات الإسبانية أنها تعمل على تحديد هوية 80 جثة، مقابل 11 وفاة كانت الرباط قد أقرت بها رسمياً يوم 2 غشت. وهي أرقام تنسبها «لوموند» إلى الجهات المذكورة ولا تقدمها باعتبارها حصيلة موحدة ونهائية.
وتضع هذه الشهادات مأساة سبتة أمام سؤال يتجاوز مراقبة الحدود إلى حصيلة السياسات الاجتماعية الموجهة لشباب الشمال: ماذا قدمت المدرسة والتشغيل وبرامج الإدماج لتوسيع فرص البقاء، حين يصبح أجر أسبوع من العمل 200 درهم، ويجد تلميذ نفسه مجبراً على تغيير مساره الدراسي بسبب نقص الأساتذة، وتظل فكرة الرحيل حاضرة حتى بعد جنازات الضحايا؟
