بقلم: نعيم بوسلهام
ليست الصحافة شأناً خاصاً بالصحفيين، ولا مجرد مهنة لجمع الأخبار وصياغة العناوين.
إنها إحدى آليات المجتمع في مراقبة السلطة، وكشف الاختلالات، ومنح الصوت لمن لا يملكون منبراً.
لذلك فإن أي نقاش حول مستقبل الصحافة المغربية لا ينبغي أن يُختزل في خلاف مهني حول مجلس أو قانون، بل يجب أن يُطرح باعتباره سؤالاً يتعلق بحق المجتمع في المعرفة والمساءلة.
وفي هذا السياق، أعاد القانون رقم 09.26 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة الجدل حول حدود التنظيم الذاتي واستقلال المهنة.
فقد صادق مجلس النواب على النص في ماي 2026، ثم صادق عليه مجلس المستشارين في يونيو، بعد مسار تشريعي جاء في أعقاب قرار للمحكمة الدستورية بشأن النص السابق.
المشكلة، إذن، ليست في مبدأ تنظيم المهنة، فهذا أمر ضروري، وإنما في طبيعة هذا التنظيم وحدود استقلاله عن السلطة التنفيذية.
فالتنظيم الذاتي يفقد جزءاً من معناه عندما يشعر المهنيون بأن قواعد اللعبة تُصاغ بعيداً عن توافق حقيقي داخل الجسم الصحفي.
وقد عبّرت منظمات حقوقية ومهنية عن مخاوفها من ضعف التشاور مع قطاع الإعلام أثناء إعداد القانون الجديد، معتبرة أن استقلال المجلس يجب أن يكون جوهر أي إصلاح حقيقي.
لكن أزمة الصحافة المغربية أكبر من قانون المجلس الوطني للصحافة.
إنها أزمة نموذج إعلامي كامل.
فالمؤسسات الصحفية تواجه ضغوطاً اقتصادية متزايدة، بينما أصبح جزء من الإعلام الرقمي أسيراً لمنطق المشاهدات والإعلانات والعلاقات العامة.
وفي المقابل، تتراجع مساحة الصحافة الاستقصائية والتحقيقات التي تتطلب وقتاً وموارد وحماية مهنية.
وهنا يظهر الخطر الحقيقي: أن تتحول الصحافة تدريجياً من مهنة البحث عن المتاعب إلى مهنة تفادي المتاعب.
فالصحفي الذي يكتفي بإعادة نشر البلاغات والتصريحات لا يزعج أحداً، لكنه لا يؤدي بالضرورة الوظيفة التي من أجلها وجدت الصحافة.
أما الصحفي الذي يذهب إلى حيث يسود الصمت، ويسأل عن المال العام، ويبحث في تضارب المصالح، ويمنح الصوت للمواطن المهمش، فهو الذي يمارس جوهر المهنة.
المفارقة أن المغرب لا يعاني من غياب وسائل الإعلام بقدر ما يعاني من أزمة في نوعية الإعلام واستقلاليته وثقة الجمهور فيه.
والأرقام الدولية تقدم مؤشراً لا ينبغي تجاهله. ففي مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2026، احتل المغرب المرتبة 105 من أصل 180 دولة، بتحسن عن المرتبة 120 في 2025، لكن المؤشر أبقى على وجود تحديات مهمة، خصوصاً في البعدين الاقتصادي والقانوني.
وبالتالي، فإن التقدم في الترتيب لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة للاحتفال، كما أن الانتقادات الدولية لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها حكماً نهائياً على الواقع المغربي.
المؤشر، في النهاية، أداة قياس لها منهجيتها وحدودها، لكنه يظل مؤشراً يستحق النقاش.
المطلوب اليوم ليس صحافة معادية للدولة، كما أن الدولة لا تحتاج إلى صحافة مطيعة.
الدولة تحتاج إلى صحافة مستقلة ومهنية؛ لأن الصحافة التي تكشف الأخطاء مبكراً تخدم الدولة أكثر من إعلام يكتفي بتجميل صورتها.
كما أن الدفاع عن استقلال الصحافة لا يعني إعفاء الصحفي من المسؤولية.
فالمهنية تقتضي التحقق، واحترام حق الرد، والتمييز بين الخبر والرأي، وعدم تحويل المنبر الإعلامي إلى أداة للتشهير أو الابتزاز أو تصفية الحسابات.
لكن المهنية لا تعني الطاعة، والتنظيم لا يعني الوصاية.
المغرب اليوم أمام اختبار حقيقي: هل يستطيع بناء نموذج إعلامي يجمع بين الحرية والمسؤولية، والاستقلال والتنظيم، والتعددية والمهنية؟
فالصحافة التي تفقد قدرتها على مساءلة الأقوياء قد تبقى حاضرة في المواقع والشاشات، لكنها تكون قد فقدت جوهرها.
وحين تفقد الصحافة جوهرها، لا يخسر الصحفي وحده.
يخسر المجتمع إحدى أهم أدواته لمعرفة الحقيقة.
